; أين وصلت المعارضة الجزائرية؟! | مجلة المجتمع

العنوان أين وصلت المعارضة الجزائرية؟!

الكاتب المحرر السياسي

تاريخ النشر الثلاثاء 15-مارس-1983

مشاهدات 73

نشر في العدد 612

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 15-مارس-1983

  • فردوس الاشتراكية الموهوم ضاعف من افتقاد الإسلام في الجزائر.
  • بن بيلا حجة على ولاة الأمور في عالمنا الإسلامي.
  • التيار الإسلامي كان معوق النمو من خلال بومدين.
  • الثورة الجزائرية تدين نفسها من خلال بن بيلا!
  • تيار متصاعد يطالب بالتغيير الجذري.
  • دلالات تبدل الموقف الجزائري من قضية الصحراء.
  • تمسك الجزائر بموقفها التقليدي في سياستها الخارجية ما عاد أمرًا هيِّنا.

المعارضة الجزائرية للنظام القائم والأوضاع السائدة هناك لم تعد بالأمر الذي يمكن تجاهله أو التغافل عنه، وردود الفعل الرسمية تجاهها- من جانب السلطة الحاكمة- تبرز حجمها ودورها، فقد لاحظ الناس الإجراءات القمعية التي قامت بها السلطة ضد الإسلاميين هناك في الداخل، بإيداع قادتهم في السجون ومحاولة تكميم الأفواه لمن بقوا منهم خارجه

كما أن محاولاتها بالتضييق على بن بيلا -الرئيس الأسبق للجزائر- من خلال علاقاتها الخاصة بالحزب الاشتراكي الحاكم في فرنسا تبين مدى قلقها من التيار المتصاعد الذي يطالب بالتغيير الجذري في السياسات الراهنة للسلطة الجزائرية على مختلف الأصعدة.

علامات ودلائل

شهدت الفترة الماضية مجموعة من الأحداث المتصلة بالجزائر ونظامها القائم ولم تكن تلك الأحداث قاصرة على الوضع الداخلي، بل امتدت إلى السياسة الخارجية والتي كانت ثابتة المعالم -إلى حد بعيد- طوال الزمان الماضي الممتد لأكثر من سبع سنوات

واتصل ذلك أكثر ما اتصل بالتغيير الطارئ على الموقف الجزائري من تجاه قضية الصحراء، والتي شكَّلت مرتكزًا ثابتًا للسياسة الخارجية للجزائر ولعلاقتها مع المغرب لفترة غير قصيرة من الزمان.

ولعل جمهور الناس قد تسمع أنباء تلك القمة الثنائية بين الجزائر والمغرب والتي انتهت إلى مصالحة تنبئ عن قبول النظرة الجزائرية لهذا الموضوع، وتخليها عن مواقفها الأساسية المتصلة بها!

وبغض النظر عن الصور الإيجابية الكامنة في اتفاق كهذا بين بلدين شقيقين فرقت بينهما الأوهام والصراعات المختلفة بحكم الابتعاد عن الأصول المشتركة لهما متمثلة في الإسلام وهديه، إلا أن هذه الخطوة من خلال الزاوية التي نعالج منها موضوع المعارضة الجزائرية تنبئ بأمر آخر لا تخطئه العين، وهو حرص السلطات القائمة هناك على إعادة ترتيب الأولويات وتنظيم الخطط بما يخدم الأهداف الآنية والتي تتصل بهم للمحافظة على النظام القائم هناك، وتجاهل كل ما يمكن أن يكون انصرافا عن الاهتمام بهذا الأمر والحرص على التفرغ للقضايا الداخلية وعلى رأسها تثبيت الأوضاع القائمة وتحصينها والدفاع عنها.

وذلك موضوع متصل بالمعارضة الجزائرية أكثر ما يتصل، وهو دليل على قوَّتها وتَعَالِي مدها، وإلا فإن تغيير السلطة الجزائرية لنظرتها في قضية تشبه المُسَلَّمة الدائمة بالنسبة إليها بين عشية وضحاها أو ما يشبه ذلك- ليس بالأمر الهين

وإن تمسك الجزائر بوجهة نظرها في هذا الموضوع طوال العهد السابق- خاصة في فترة حكم بومدين- كان متصلًا باستقرار الأوضاع الداخلية وخُفوت الأصوات التي يخشى منها، أو بمعنى آخر كان هم السلطة الداخلي خفيفا إلى حد جعلها ترتب خططها الخارجية في سلم أولوياتها.

وإن فراغ همها من الأوضاع الداخلية جعلها تعرض عن كل مبادرات السعي إلى إصلاح ما بينها وبين الغرب.

ولكن سير الأيام والحوادث في الفترة الأخيرة أبان عن كثير من أوجه الخلل الأساسية التي تجعل السير في الطريق التقليدي السابق ضربًا من الانتحار المنتقى! فأفاقت السلطة للحقائق وأعادت موازناتها وخططها وفقا لما استجد من أحداث.

الوجود الإسلامي يطل برأسه

وقد ظهر ذلك من خلال الأحداث الأخيرة والتي شملت جامعة الجزائر من خلال اكتساح التيار الإسلامي لانتخابات اللجان الطلابية، وتطور الأوضاع وفقًا لذلك حتى وصل الأمر بتقديم الإسلاميين للمحاكمة

والتيار الإسلامي في الجزائر لم ينشأ من فراغ ووجوده ليس مستغربًا ولكن نموه كان معوقًا إلى حد كبير من خلال عهد بومدين وقياداته كانت بين سجين ومهاجر، فلما أن يسَّر الله التئام شمله تصدَّى لمهمته إيقاظا وتوعية، ولما كان صوته هو الصوت المُرْتَجَى والمنتظر منذ ليل الجزائر الجديد الذي أتاها بالاشتراكية الغربية التي طبقت عليها تطبيقًا تعسُّفِيًّا متجافيًا عن أصولها وأسسها التي قام عليها كيانها وشخصيتها، وإضافة إلى المنافاة الأساسية في الأصول والمنابع للنهج الاشتراكي المستقدم، فإن ما راهن عليه من فردوسه الأرضي لم يتحقق منه شيء يُذكر، مما ضاعف من شعور الافتقاد للإسلام والبحث عن صوته ودعاته.

الثورة الجزائرية تدين نفسها

ولا نقول ذلك بداعي الإثارة، بل هو أمر واقع يشاهده ويسمعه الناس الآن في كل مكان، فالرئيس الأول لتلك الثورة «أحمد بن بيلا» يرفع صوته الآن بوجوب إعادة النظر في كل الذي كان يُعَد من المسَلَّمَات بالنسبة للعصبة الاشتراكية، وهو لا يتناول في حديثه المسائل السطحية الهامشية بل يغوص في الأسس والجذور وينادي بالعودة إلى الإسلام!

والعبرة ليست في عودة بن بيلا لحياض الإيمان فتلك قضية متصلة بشخصه، وإنما تكمن أهمية الأمر في مناداة بن بيلا -ليل نهار- ومنذ خروجه من سجنه بضرورة الانعتاق من النماذج الفكرية والتنموية غير الإسلامية ونبذها كلها ووجوب العودة غير المتباطئة لتعاليم الإسلام وقيمه.

ثم إن بن بيلا لا يقف عند ذلك، بل يغوص في تعداد الأمثلة والشواهد وهو ينتقد الحكومة الجزائرية ويشير بطريق مباشر وغير مباشر إلى خطأ النسخ الأعمى للخطط الغربية المتبناة، وقد صرح لمجلة المجتمع عدد ٥٣٦- بقوله: «من يطالب بالاشتراكية فهو جاهل.. والله جاهل»، وكمتابع لكل ما يجرى في ساحته التي لا يجهلها يتحدث بن بيلا عن الفساد والخراب الذي حل ببلاده وعن عوامل الانفجار المعتملة فيها، ويحذر من مغبَّة السير في هذا الطريق.

ننير..  ولكن لمن يهديه الله..

إن بن بيلا من الظواهر الفريدة في تاريخ العالم الإسلامي المعاصر، وهو شاهد على نفسه وتجربته ونذير لمن سواه من مماثليه من القائمين الآن على الأمور في عالمنا هذا، فقد كان الرجل قائدًا لثورة ومؤسسًا لدولة، ثم سلط الله عليه وزير دفاعه- هواري بومدين - ليقذف به في السجن لخمسة عشر عاما! وقد توافر له في أثناء تلك الفترة الطويلة أن يفحص تجربته وتجربة جيله عن قرب، وأن يتبين أمر نفسه وأمر عالمه الذي ينتمي إليه، وهو الآن لسان يسوق خلاصة نصف قرن من زمان مما وعاه وجرَّبه

وبن بيلا ليس حجة على الجزائر وولاة أمرها فقط وإنما هو حجة على كل معاصريه من ولاة الأمور في عالمنا الإسلامي العريض وقد كان يقال إن التاريخ عظة من يتعظ، وها هو الآن تاريخ حيٌّ مُجَسَّد في رجل لا ينطلق من تنظيرات مجردة وإنما هو مدعوم برصيد من التجارب الشخصية وفي أولها تربع على سدة الحكم الغربي المطلق، ولكن ما أعقب ذلك من أحداث خصت به أعادت إليه صوابه وتوازنه المفقود.. حتى أن مندوب مجلة النيوزويك بادرَهُ بما يقوله الناس عنه بأنه مسلم ولد من جديد! (انظر عدد ۲۸ فبراير ۱۹۸۳م).

الوزن السياسي لمجموعة بن بيلا

إن مطالبة السلطة الجزائرية الملحة لفرنسا بالتضييق على بن بيلا آتت أكلها أخيرا بمداهمة السلطات الفرنسية لبيته في غيبته واقتياد حراسة الخصوصيين إلى التحقيق، وقد فهم بن بيلا دلالات ذلك فسارع بالرحيل إلى سويسرا

وبعيدًا عن إطار ذلك الحدث فإن ضيق الحكومة الجزائرية بـ«بن بيلا» ومطالبتها بالتضييق عليه يحمل دلالات وزنه السياسي وخطورة كتلته ومريديه الذين يلتفون حوله.

والإشكال بالنسبة إليها أن طروحات بن بيلا الجديدة تشكِّل ملامح البديل الكامل لكل ما قامت عليه الجزائر فيما بعد الاستقلال عن فرنسا، فضلا عن الوزن الأدبي الخاص للرجل ومكانته في التاريخ الجزائري الحديث..

وإن كان وجود بن بيلا في الخارج يقلل من قيمة مجهوداته إلا أن هناك الملايين من الجزائريين في فرنسا ممن يسمع صوته وغير قليل منهم يتأثر بمقولاته وأفكاره، كما وأن له أنصاره بالداخل ولا ريب.

هذا وان الشعار الذي يرفعه بن بيلا اليوم يهز قلوب الملايين من الجزائريين -أي الإسلام- وإذا أضفنا لذلك التيار الإسلامي الأول الموجود في الجزائر والذي أثبت من خلال الأحداث استعداده للبذل والفداء فإن أمر المعارضة الجزائرية لم يعد بالأمر الهين على الإطلاق.

وبعد

فإن إسلامية المعارضة الجزائرية ظاهرة تستحق الانتباه، وامتدادها وتعالِي هديرها مبشرٌ بخير كثير، ويقظتها ليست يقظة للجزائر وحدها، ذلك أن التاريخ يفيدنا أن الجناح الغربي للعالم الإسلامي كان وحدة واحدة في كل ما مر به من أحداث!

الرابط المختصر :