; أيها أولى بالمحاربَة: شرك العصور الخوالي أم شرك العصر الحالي؟! | مجلة المجتمع

العنوان أيها أولى بالمحاربَة: شرك العصور الخوالي أم شرك العصر الحالي؟!

الكاتب د. عمر سليمان الأشقر

تاريخ النشر الثلاثاء 18-نوفمبر-1975

مشاهدات 83

نشر في العدد 275

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 18-نوفمبر-1975

أيها أولى بالمحاربَة:

 شرك العصور الخوالي أم شرك العصر الحالي؟!

لا يماري أحد ممن لديه معرفة بالدين الصحيح، وعلم بأوضاع المسلمين وأحوالهم- لا يماري في أن للجاهلية الأولى وآلهتها الزائفة بقايا في ديار المسلمين.

 غير أن بعض الدعاة من المسلمين يرون الانشغال بهذه القضية المتمثلة في عبادة الأولياء بدعائهم والتوسل بهم وتقديم الهدايا والنذور لهم -تضييعا لجهود العاملين للإسلام. ولا يعنينا من هؤلاء ذلك الفريق الذي يرى أن دعاء الأولياء والصالحين من المقبورين وغيرهم- جائز ومشروع فهؤلاء أهون من أن يناقشوا هذا المقال، إذ يحتاج هؤلاء أن يتعلموا مبادئ الإسلام ويعرفوا أولياته، فهـم يفقدونها.

ولكن الذين يعنوننا هم أولئك الذين يعلمون أن الآلهة الزائفة التي كانت متمثلة في الأصنام والأموات لا تزال قائمة حتى اليوم تعبد من دون الله، وهم مع ذلك يعلمون أن هذه العبادة لهذه الأوثان تفسد الدين وتذهب العبادة، غير أنهم يرون هذه العبادة الوثنية قاربت على التلاشي والاندثار، وعلى الدعاة العاملين أن يتجهوا لمعالجة قضايا العصر، خاصة الوثنية الجديدة والطواغيت البشرية المتمثلة في الذين يشرعون ويقننون للبشر معرضين عن دين الله ونهجه وتشريعه.

ولست أخالف الذين يذهبون إلى أن القضايا منها المهم ومنها الأهم ومنها الذي بلغ غاية الخطورة ومنها التافه.

 وأنه يجب علينا أن نعالج القضايا الخطيرة ونقدم الأهم على المهم ونقدم المهم على غيره، وهذا مسلك إسلامي بين فالقربات منها الواجب والمستحب، والواجبات تتفاضل فيما بينها، والمستحبات بعضها آكد من بعض، والأمور التي دعت الشريعة إلى اجتنابها منها ما يعد من أكبر الكبائر ومنها الكبائر ومنها الصغائـر والمكروهات. نعم إن الذي أعطى بصيرة ببناء الإسلام ونظامه لا بد أن يدرك هذه القضية، خاصة إذا تأمل كيف كان يتنزل القرآن معالجا للأحداث والقضايا المهمة ثم يترقى في التفصيل والبيان متدرجا مترفعا، وفي سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- مجال واسع للتأمل في هذه المسألة.

فما دام الأمر كذلك فلا يجوز لنا أن نعترض على أن تقديم الأهم على المهم قضية اتفاقية بيننا وبينهم. وقضية أخرى هي اتفاقية أيضا وهي أن الواجب على الداعية المسلم أن يتجه أول ما يتجه إلى معالجة الأمراض التي تسري في المجتمع الذي يعيشه، ولا يجوز أن يعالج القضايا البعيدة عن مجتمعه أو القضايا التي وقعت في عصور خالية، وليس لها وجود في عصره، والاستدلال على هذه المسألة أيضا من نافلة القول، ويكفي أن نحيل القارئ الكريم إلى الآيات القرآنية التي تذكر لنا القضايا التي كانت تواجه الرسل، بل التي كان يواجه الرسل أقوامهم بها.

 لنرى أن كل رسول كان يعالج الانحراف الذي يوجد في قومه.

فنوح اتجه إلى توضيح ضلال قومه المتمثل في إشراكهم بالله أصناما وأوثانا، وكذلك إبراهيم، بينما اتجه موسى إلى تحطيم الطاغوت فرعون الذي نصب نفسه إلها من دون الله، واتجه لوط إلى محاربة الانحراف المتمثل في الأمراض الخلقية التي انتشرت في القوم الذين يدعوهم.

 كل هذا صحيح. ولكن هل دعواهم أن آلهة الجاهلية الأولى قد تلاشت أو كادت وأن الآلهة التي يجب أن تحارب وأن تسلط الأضواء عليها هي من نوع جديد لم يكن من قبل؟ أصحيح أن الجهود التي تبذل في هذا المجال جهود ضائعة في غير مكانها وأن الأولى أن تصرف في أمور أخرى أهم؟! 

لعلي لا أجاوز الحقيقة إن قلت: إن الجاهلية التي تضرب أطنابها اليوم في نظم الحكم والتشريع، وفي تقديس الأشخاص والرؤساء، وفي التجمعات التي تمثل سلطة يتداعى الناس إلى الإيمان بمبادئها وإن خالفت الإسلام وغير ذلك من آلهة العصر الباطلة - لعلي لا أجاوز الحقيقة إن قلت: 

إن كل ذلك مظاهر مكرورة لتلك الآلهة التي قدست من قبل، وإن الشرك قديما أو حديثا شيء واحد وإن ألبس أقنعة مختلفة ولكنها تتفق في أنها قصد لغير الله التوجه والطلب والتشريع والتعظيم والتقديس.

ولا نكاد نرى شركا يلوح في فج من فجاج الأرض في عصرنا إلا وله مثيل في شرك الأولين، فالألوهية التي ادعاها فرعون ونمرود، والحكم الذي اعتدى عليه الكهنة وضلال الأحبار والرهبان، نماذج لطواغيت العصر الذين ينصبون أنفسهم آلهة من دون الله بحكمهم بغير ما أنزل وبإعطاء حكم البشر وقوانين البشر قدسية أمثل أو أعظم من القدسية التي لتشريع الله.

لكننا نلفت الأنظار إلى أن بعض أنواع الشرك الأول المغرقة في الوثنية، والدالة على فرعون ونمرودلا تزال موجودة في هذا العصر كعبادة الأصنام والمقبورين ممن يظن فيهم الإصلاح.

 ويخطئ من يظن أن التقدم العلمي المادي قادر على إزالة مثل هذا الضلال.

 ولو كان هذا حقا لكان أساطين العلم المادي أعلم الناس بالله، مع إننا نجد بعضهم منحطا في العلوم الإنسانية والدينية بمقدار علو كعبه في العلوم المادية ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (الروم:7).

إن العلوم المادية لا تجلب الهداية بمفردها ولكن المسلم يتخذ منها أداة لتعميق الإسلام ولفتح العيون على ما في الكون من آيات تدل على وحدة المعبود.

ولا نريد أن ندلل على وجود الوثنية الأولى بما يوجد منها في بلاد الزنوج ولا في بلاد الإسكيمو، بل في الدول التي يعتبرونها في قمة التمدن والحضارة، فلا يزال في هذا العصر مئات الملايين في أمريكا وبريطانيا وغيرهما من الدول النصرانية يقفون بل يجثون أمام تمثال العذراء طالبين البركة والخير والسلام، ولا تزال الآلهة التي تعبد في دولة كالهند تعد بالألوف وها هم الشيوعيون وأشباههم يتخذون من قبر لينين مطافا ومزارا، وما لنا نذهب بعيدا وهذه البلاد التي شرفت بالإسلام من المحيط إلى الخليج لا يزال الملايين من أبنائها يؤمون القبور ويقصدونها طلبا للشفاء، أو دفعا للبلاء، أو تعجلا للرزق، أو بغية في الولد، أو للحصول على الأجر والثواب، أو كي يتوسط المقبور الذي بليت عظامه بما له من جاه وسلطان عند رب العزة سبحانه عما يقولون علوا كبيرا.

وبعد: فالذين قصروا أنفسهم على محاربة بعض ألوان الوثنية القديمة غير مدركين للشرك الذي يلف العالم في عصرهم المتمثل في الشرود عن منهج الله وتشريعه والسعي وراء نفايات الفكر الإنساني مخطئون. غير أن الذين يدركون خطر الجاهلية الجديدة وينكرون ويكابرون في وجود الجاهلية الموروثة التي تسري في دماء البشر ولحومهم فتجعل قصدهم وتوجههم إلى غير الله أيضا مخطئون.

 وليكن هم المسلم محاربة الشرك والوثنية مهما كانت وبأي لباس تحلت فذلك الصراط المستقيم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل