; أيها المسلمون.. هل تسمعون...؟ | مجلة المجتمع

العنوان أيها المسلمون.. هل تسمعون...؟

الكاتب محمد المجذوب

تاريخ النشر الثلاثاء 18-سبتمبر-1984

مشاهدات 60

نشر في العدد 683

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 18-سبتمبر-1984

قبل أيام أذاع القسم العربي في إذاعة لندن أن رجلين من كبار زعماء نيجيرية الموالين لانقلاب الضابط المسمى محمد بوهاري، قد قاما بزيارة لإسرائيل، وأن المسؤولين فيها استقبلوهما بحفاوة وحرارة... وصدر لكل من الزائرين الكبيرين والمسؤولين اليهود تصريحات تؤكد التقارب بين الدولتين، ورغبة كل منهما في إقامة العلاقات الطبيعية لمصلحتهما معًا. وكي لا يتوهم السامع بأن الزائرين من طائفة النصارى أو الوثنيين، فقد أوردت الإذاعة البريطانية اسم كل منهما بصيغته الإسلامية مسبوقة بلقب الحاج!

ومضت الأيام تتلاحق دون أن أسمع كلمة لمسئول مسلم في نقد هذا التصرف، أو لصحيفة إسلامية في التعقيب عليه.. ومن هنا كان على مثلي أن يرفع عقيرته بالتنبيه إلى ذلك الخطر الجديد الذي يواجه قضية العرب الأولى -كما يسميها خطباء السياسة العربية المعاصرة- على طريقة القائل:

ومن يثني الصغار عن المعالي

إذا قعد الأكابر في الزوايا!

والحق أني لم أفاجأ بهذه الزيارة، ولن أفاجأ بالذي سيتلوها من الأحداث الموجعة لكل مسلم، فقد توقعت هذا منذ اليوم الذي صدر فيه البيان الأول للانقلاب العسكري الأخير في لاجوس، إذ وجدت فيه حلقة جديدة من سلسلة المآسي التي كتب على نيجيرية ذات الثمانين مليون مسلم أن تعانيها وتصطلي بنارها، كلما حاولت أو بدأت خطوة في طريق العودة إلى الإسلام..

وأي مسلم يستطيع أن ينسى أبناء الشهيدين العظيمين أحمدو بللو والحاج تقاوي بلاوي، اللذين تسلما قيادة الدولة النيجيرية عقب جلاء الاستعمار الإنكليزي، وقيام العهد الجديد، ثم ما كادا يعلنان منهاجهما في الحكم، والرفض لمحاولات التغلغل الإسرائيلي التنصيري والشروع في إقامة المؤسسات الإسلامية المؤكدة لشخصية الدولة، حتى فوجئ العالم الإسلامي بمصرعهما على أيدي حفنة من المجرمين الذين أعدهم الاستعمار لنسف كل تحرك يخالف مخططه الخلفي. ثم ما لبث أن أعقب الجريمة بروز ذلك الضابط الصليبي يعقوب جاوون الذي قفز إلى قمة السلطة ليتولى الإجهاز على كل أمل للمسلمين بتحكيم شريعتهم، والحفاظ على بلادهم.

وهنا تحركت عناصر الخيانة في الجهات التي يكثر فيها النصارى، لتبدأ تمزيق الوطن النيجيري فإذا هناك دولة «بيافرا» يقوم على رأسها العميل الصليبي الحقود...... وما هي إلا أيام حتى استحالت بيافرا ترسانة لأحدث الأسلحة الغربية، وكانت تلك خطوة في الطريق لإغراء المغامرين بإقامة دولهم المشابهة.. ولكن الله الذي قضى ألا يهدي كيد الخائنين قد حال دون ما يبتغون إذ كان تصميم الشرفاء أقوى من إرادة المجرمين فاندحروا بعد صراع هائل وطويل.. بيد أنهم لم ييأسوا من تحقيق أحلامهم وأهداف من وراءهم، فكان الانقلاب التالي..

ولم يكن المسلمون قد فقدوا بعد قوتهم في الجيش، فاستطاع بعض ضباطهم أن يستردوا مكانهم في الحكم إلى حين، بقيادة الضابط المسلم مرتضى، إلا أن المؤامرات الصليبية واليهودية لم تلبث أن أعادت محاولتها المكررة.. وهكذا تلاحقت الأحداث المفتعلة في ذلك القطر العزيز، وتكشفت النوايا المعادية صريحة، عن طريق مراكز القوى الصليبية في الجيش، حيث أعلن حماة هذه المراكز وقوفهم في وجه كل تجاه إسلامي، ولم يوافقوا على إجراء الانتخابات الأخيرة إلا بعد مساومات شاقة اضطرت الشيخ شيخو شيغاري لتعديل منهاجه إلى الحد الذي أرضاهم.

على أن شيغاري شيخ مسلم لا يستطيع التخلي عن الطابع الإسلامي في سلوكه السياسي، فما أن وصل إلى رئاسة الدولة عن طريق الانتخاب حتى أخذت دسائس العملاء تقيم العقبات في طريقه ولم تتورع عن إثارة الخلافات الطائفية التي انتهت بمقتل الكثيرين ومكنت لهؤلاء العملاء أن يجتذبوا إلى صفهم خصومه السياسيين، وبذلك تهيأ الجو للانقلاب المبيت. فإذا بالبوهاري ينتزع أزمة السلطة، ويعتقل الشيغاري وكبار أنصاره ويكرر المعزوفة المألوفة في كل انقلاب عسكري في ديار المسلمين، إذ يعلن أنه جاء لإنقاذ نيجيرية من الدمار الذي يسوقها إليه أولئك المخربون!..

ولم يكن هذا الانقلاب الجديد مما يتطلب الكثير من الذكاء حتى يبصر المتأمل طابعه الأميركي وبصمته اليهودية.. ومع ذلك لم يتريث صانعوه طويلًا حتى كشفوا أنفسهم للعالم كله، بتلك المسرحية التي مثلوها في أحد مطارات لندن قبل قليل، حيث ضبطت الشرطة ذينك الصندوقين الفضاحين، اللذين شاء الله ألا تتم رحلتهما إلى لاغوس، وقبل أن يرفعا إلى عنبر الطائرة النيجيرية أجري التفتيش على مضمونهما فإذا في أولهما أحد معارضي الانقلاب البوهاري غائبًا عن الوعي تحت ثقل التخدير، وبجانبه طبيب إسرائيلي ممسك بيده محقن المخدر ليبادره به عند أول حركة، كفعل العقرب التي تنتظر تحرك النائم لتقوم بلسعه! وإذا في الصندوق الآخر إسرائيلي ونيجيري لا ندري حدود مهمتهما.. ثم كان تمام الفضيحة وجود ممثل السفارة النيجيرية في المطار أثناء تفتيش الصندوقين، وقد حضر للاطمئنان على مصيرهما. وهو أمر طبيعي لا يثير الانتباه لولا هوية هذا الضابط الممثل للسفارة، وقد عرف من اسمه الصليبي التلمودي «حنانيا»!

والعجيب في أمر هذه المسرحية أنها لم تسترع انتباه الصحافة العربية ولا العالمية، واكتفتا بإيراد خبرها في سطور قليلة دون أي إشارة إلى علاقتها بالموساد الإسرائيلي، وبوكالة المخابرات الأميركية، مع أن المؤامرة أوضح من الظلمة الداجنة في قلب الليلة الصاخبة.

  • قبل ثلاث سنوات كشفت إحدى محاكم سنغافورة الستار عن صفقة سلاح بين إسرائيل ودولة إندونيسيا ذات المئة وثلاثين مليون مسلم، وقد أثرت أنا هذه القضية فيما نشرته عن رحلتي إلى إندونيسيا في بعض الصحف السعودية، ثم في كتابي «ذكريات لا تنسى» ومع ذلك لم يجد الخبر أي اهتمام من الصحافة العربية، ولا الجهات الصالحة لمعالجة الموضوع.. فكأن الموضوع أتفه من أن يذكر، وهو الذي- مع حادث نيجيرية الحاضر- يؤلف أكبر هجمة على الكيان الإسلامي بعد إلغاء الخلافة وبعد خيانة «كامب ديفيد» فهل يعني هذا أن الإسلام قد استنفد أغراضه في توحيد المسلمين، وهل جمدت مشاعر كبارهم حتى لم يعودوا يحسون ضربات الأعداء تقرع رؤوسهم، وعجزت أفكارهم عن تصور أبعاد النوازل التي تزلزل أوطانهم!

وبعد فهذه صرخة محزون:

يرى خلل الرماد وميض نار

ويوشك أن يكون لها ضرام

فإن النار بالعيدان تذكى

وإن الحرب أولها كلام

فهل تسمعون أيها المسلمون؟...!

وهل تتحركون قبل فوات الأوان أيها العلماء المفكرون؟...!

ویا رب.. هل بلغت!!!

اللهم فاشهد وأنت خير الشاهدين. 

الرابط المختصر :