; أي علاقة بين الديمقراطية والعلمانية؟ | مجلة المجتمع

العنوان أي علاقة بين الديمقراطية والعلمانية؟

الكاتب شيروان الشميراني

تاريخ النشر السبت 23-نوفمبر-2002

مشاهدات 59

نشر في العدد 1528

نشر في الصفحة 44

السبت 23-نوفمبر-2002

  • بدأت الديمقراطية بمعركة بين الشعوب وقوى ثلاث: القصر وأصحاب الأرض والكنيسة ثم تطورت لتصبح ممارسة بعيدة عن المرجعيات الدينية أو المذهبية.

  • العلمانيون لا يفسحون مجالًا للآخر للتعبير عن نفسه ويمارسون الدكتاتورية تحت اسم «الديمقراطية»!

  • أسس الغرب أحزابًا دينية ذات ممارسة ديمقراطية بينما حكومات الشرق تقمع الاتجاهات الإسلامية.

الديمقراطية والعلمانية هل هما صنوان لا يفترقان، أم أنهما عدوان لدودان لا يصلح وجود أحدهما في وجود الآخر؟

وإذا كان ثمة اتباط من نوع ما، فما طبيعة هذا الارتباط وكيف يتم توظيفه لأهداف بعينها بعيدًا عن القواعد الموضوعية لكل من المصطلحين «الديمقراطية» و «العلمانية»؟

ثمة نقطتان لا مفر من ذكرهما قبل الولوج في الموضوع:

أولًا: إن الديمقراطية من حيث المنشأ لم تكن فلسفة جاهزة الأسس كاملة الآليات حاضرة كخيار من بين خيارات فلسفية سياسية أخرى للمرء أن يأخذ بها أو يرفضها ويأخذ بغيرها، بل إنها وليدة صراع مرير حقًا بين شعوب بجميع أطيافها، والقابضين على السلطة بمختلف محاورها، ولم تكن كما هي الآن بعد أن نشأت بل كانت محصورة بين النبلاء من السياسيين وملاك الأراضي، فلم يكن للعبيد، ولا الخدم والنساء ولا للفقراء الحق في الترشيح، أو التصويت، فكل من كان لهم الحق في المشاركة السياسية في شؤون الدولة لم يكونوا يتجاوزون نسبة 20% من مجموع السكان، فالديمقراطية كانت مقصورة على أصحاب النفوذ، لكن بما أن الديمقراطية وليدة ظرف سياسي واجتماعي خاص، فهي من المفاهيم التي لا تقف على سلم ثابت، ولا تأخذ شكلًا محددًا لا يمكن التغيير فيه. بل هي مصطلح قابل للتطور من حيث الشكل والمضمون معًا، لأن العنصر الأبرز في تكوينها هو حاجة الناس للحرية، وقدرتهم الكاملة على تدبير شؤونهم عبر أجهزة الدولة ومؤسساتها، ومن هنا كانت المعركة المستمرة التي لم تهدأ عبر العصور. والتي أسهمت في الدفع بالديمقراطية صوب وضع تكون فيه أفضل. 

ثانيًا: إن الديمقراطية بدأت في العصور الحديثة بمعركة بين الشعوب ومحاور ثلاثة للقوة والنفوذ وهي (الملك، وأصحاب الأراضي والكنيسة. هذه المحاور الثلاثة كثيرًا ما كانت في وئام ضد الشعوب، إلا أن القوة الشعبية انتصرت في النهاية، وإن كان ذلك على حساب فكرة التدين عمومًا في الغرب، إذ خرجت رؤى تقول بفصل الدين عن الحياة العامة بجميع مفاصلها، ومن هنا أخذت الديمقراطية خلفية لادينية في عالم الأفكار وكان هذا طبيعيًا بما للحضارة الغربية من موروث فكري مادي وأشكال متغيرة، لكن لما كانت  الديمقراطية مفهومًا قابلًا للتطور، ولا يقف على أرضية جامدة، فقد ظل يأخذ صورًا وأشكالًا متغيرة عبر الزمن، وحتى النصف الأول من القرن الماضي كانت الديمقراطية مرتبطة بالعلمانية والعلاقة بينهما كاللازم والملزوم إلا أن روحها المرنة ساعدتها على التكيف مع مختلف الأوضاع والأحوال، وآخر محطة توقفت عندها في أنها عبارة عن آليات مجردة محايدة لا تنتمي إلى أي فلسفة أو فكر، وقادرة على التأقلم مع كل الأديان والفلسفات والمذاهب الفكرية، وأول من عرفها بهذه الصورة هو جوزيف شوييتر في بحثه المعنون به الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية. الذي أصدره عام ١٩٤٢م، حيث يرى أنها ذلك الترتيب المؤسساتي للوصول إلى القرارات السياسية التي تحدد المصلحة العامة من خلال تمكين الشعب نفسه من اتخاذ القرارات عبر انتخاب أشخاص يقومون بتنفيذ إرادة الشعب فقد فصل بينها وبين خلفيتها الفكرية التابعة من طبيعة الصراع في التاريخ الغربي.

والآن عندما تطلق هذه المفردة في الأوساط الثقافية وعند الكتاب والباحثين، فإنه ينظر إليها من خلال هذا المفهوم الشوبيتري يقول منير شفيق في كتابه الإسلام في معركة الحضارة أصبح الكثير من المثقفين يرون في الديمقراطية حق تنظيم وتشكيل الأحزاب وحق الانتخاب والترشيح للانتخاب، وحق الأغلبية في الحكم، وحق الأقلية في المعارضة، بل حق الوصول إلى السلطة، وإحداث التغييرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية عن طريق ديمقراطي وقد أكد منتنجتون في سنة ١٩٩٧ م هذا الاتجاه للديمقراطية، مصرحًا بأن جميع الباحثين بعد الحرب الثانية يؤيدون هذا المضمون الذي أعطاه شوبيتر، ومن ثم، فإن المفهوم الكلاسيكي الذي عبر عنه بركليس حول الديمقراطية في كلمات أربع وهي حكم الشعب للشعب، وبالشعب لم يعد معتبرًا، وهنا و تذكر الرؤى والتصورات المتباينة حول طبيعة العلاقة بينها وبين العلمانية، وهي كالآتي: 

أولًا: تصور يُبنى على استحالة الفصل بينهما، ويجمع هذا الرأي بين تيارين على طرفي نقيض بعض الإسلاميين من جهة، والعلمانيين من جهة أخرى وهم يذهبون إلى أن الديمقراطية خلقت في رحم الغرب ونمت وترعرعت في حضنه.

وقد أشربت العلمانية فكرًا، ومن ثم ليس هناك بد من أخذها كما هي من غير فك للارتباط بينها وبين العلمانية، وبالتالي فإنها لا تتفق والمنهج الإسلامي كلتا المدرستين تريد إثبات أن الديمقراطية والفكر الإسلامي بينهما برزخ متسع ومسافة فاصلة كبيرة . وبالتالي من أراد أن يكون ديمقراطيًا، فلا بد أن يكون علمانيًا.

ونلاحظ أن العلمانيين يأبون الإقرار بالتحرك الديمقراطي للإسلاميين، مدركين أنهم سيخسرون ساحة واسعة من معركة مفتعلة، ويفقدون المبرر الوحيد لشحذ القوى على الإسلاميين، والدفع بالسلطات لقمعهم فصراع العلمانيين مع الإسلاميين لا ينبع من كون الإسلاميين غير ديمقراطيين، فالعلمانيون أنفسهم كانوا إلى الأمس القريب من مناضلي الحكم الشمولي، لكن كان الإسلاميين مستسلمون لله يعملون في إطار دنيه ويركعون لذاته العالية. 

ثانيًا: تصور ينطلق من رؤية متقدمة مستوعبة لتطور الفكر السياسي الإنساني يجمع في دائرته الكثير من أتباع المذاهب والأفكار المختلفة، وأصحاب هذا الاتجاه يقولون وفهم وتفسير هذه المفردة إن الديمقراطية آليات إجرائية وليست عقيدة، بإمكان أصحاب الديانات والرؤى المتباينة تبنيها، فهي لم تعد غصنًا للجذر العلماني، وإنما أصبحت ثروة إنسانية، ومفصلًا فكريًا مهمًا في التراث الإنساني.

منهج أم عقيدة: وقد سيطر هذا الاتجاه على الأدبيات التي تتحدث عن هذا المصطلح في العقود الأخيرة.

ويقول الباحث على خليفة الكواري إن الديمقراطية منهج وليست عقيدة، وهي ممارسات دستورية. 

ويقول جان ريفيه إنها عملية وليست برنامجًا ، وهي لا تدعي أنها تقدم حلولًا. 

ويوضح هنتنجتون أنها آليات لإقامة المؤسسات الحاكمة ومحاسبتها.

وفي معرض الرد على الاتجاه الأول الذي يرى استحالة الفصل بين الديمقراطية ومرجعيتها الغربية. يمكن سرد الأدلة الآتية:

أولًا: ذهب جمهور المفكرين والفلاسفة صوب فك الارتباط بين المرجعية الحضارية الديمقراطية وآلياتها الإجرائية، ولم يشذ عنه إلا من يستعمل ذلك التوجه كسلاح الإقصاء الآخر. كون ممارساتهم الشخصية استبدادية، بمعنى أنهم موقعون بالوقيعة بين الأحزاب والجماعات المخالفة لهم في الفكر والتصورات ويعين السلطات، وسهامهم أكثرها موجه إلى الإسلاميين بصورة خاصة. 

ثانيًا: إن الكثير من العلمانيين، حكومات وأحزابًا، أثبتت التجربة أن الممارسة السياسية لديهم استبدادية، وأن جل همهم رفض وقمع الآخر المخالف في الفكر والدين، والعلمانيون الشرقيون - إن لم يكن جلهم فأغلبهم - هكذا، فإذا اتخذنا الحكومة التركية مثلًا نجد أن هذه الحكومة استعملت فوهات المدافع صوب الصناديق التي رشحت الحركة الإسلامية عبر التاريخ، ولمرات عديدة، وحتى الآن تم تجميد ما يقرب من أربعين حزبًا وسحب رخصة العمل منها.

نفس الحال أو شيء قريب منه، نجده في ممارسات حكومات بعض الدول العربية والإسلامية التي تتبنى النهج العلماني، فهي لا تقبل بوجود تعددية إذا كان الإسلاميون طرفًا فيها، بل هناك أحزاب علمانية لم تصل إلى السلطة بعد تدعو إلى منع قيام أحزاب إسلامية وعدم إعطاء الشرعية القانونية والمظلة الدستورية لها، فكيف إذا وصلوا للسلطة؟

ثالثًا: توجد في الغرب أحزاب دينية لها هياكل ومؤسسات ديمقراطية واضحة من القمة إلى القاعدة في داخلها، وفي ممارسة السلطة خارج إطارها، فهناك الحزب المسيحي الديمقراطي الألماني الذي وصل إلى هرم الحكم وهناك الحزب المسيحي الديمقراطي الإيطالي، بل هناك حزب شاس، وهو حزب تلمودي متطرف في الكيان الصهيوني فلو كان صحيحًا القول إن المرجعية الدينية لا تتحمل الديمقراطية، لما كان لهذه الأحزاب وجود لكنها موجودة وبالتالي فإن بإمكان السياسي المتدين أن يكون ديمقراطيًا.

ومن هذا اختبار بعض الأحزاب الإسلامية الأسلوب الديمقراطي كطريق لممارسة العمل السياسي، باعتبار أن الديمقراطية لا تشكل إطارًا عقائديًا، بل هي آليات محايدة لا دين لها ولا مذهب، وفي وسع أصحاب مختلف الأديان والمذاهب أن يتبنوها وينبذوا سياسات القمع والإقصاء من خلالها.

الرابط المختصر :