; بعد مذكرة الشيخ ياسين إلى الملك محمد السادس ..أي مستقبل لـ «العدل والإحسان» في المشهد السياسي المغربي؟ | مجلة المجتمع

العنوان بعد مذكرة الشيخ ياسين إلى الملك محمد السادس ..أي مستقبل لـ «العدل والإحسان» في المشهد السياسي المغربي؟

الكاتب إدريس الكنبوري

تاريخ النشر الثلاثاء 28-مارس-2000

مشاهدات 61

نشر في العدد 1393

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 28-مارس-2000

  • حاولت الجماعة استمالة الملك الشاب للإصلاح فانتهز العلمانيون الفرصة للتخويف من الإسلاميين

  • موقف السلطة الهادئ في مواجهة المذكرة يدفع إلى تغييرات إيجابية مستقبلية لمصلحة البلاد

لاتزال المذكرة التي وجهها الشيخ عبد السلام ياسين مرشد جماعة العدل والإحسان المغربية قبل أسابيع إلى العاهل المغربي الملك محمد السادس تثير ردود فعل واسعة حتى الآن، وقد اختلفت مواقف الردود لكنها اتفقت على شجب المبادرة، كما أعادت طرح موضوع علاقة الإسلاميين بالحكم، وآفاق هذه العلاقة، ومستقبل جماعة العدل والإحسان، ومشكل الحصار المضروب على مرشدها في بيته منذ شهر ديسمبر ۱۹۸۹م.

تعتبر مذكرة «إلى من يهمه الأمر» ثاني رسالة يوجهها الشيخ عبد السلام ياسين إلى ملك المغرب؛ إذ كان قد وجه رسالة سابقة إلى الملك الراحل الحسن الثاني في شهر سبتمبر عام ١٩٧٤م بعنوان «الإسلام أو الطوفان» في مائة صفحة، دعاه فيها إلى التوبة العمرية أسوة بالخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، وفي إثر ذلك تم اعتقال صاحبها، وأودع مصحة للأمراض العقلية لمدة ثلاث سنوات، وحكم على رفيقيه اللذين شاركاه في تحرير الرسالة، وهما أحمد الملاخ، ومحمد العلوي السليماني، بخمسة عشر شهرًا سجنًا.

وقد جاءت تلك الرسالة في سياق سياسي متوتر، بعد فشل محاولتي الانقلاب ضد النظام الملكي في ۱۹۷۱م و ۱۹۷۲م المعروفتين بأحداث قصر الصخيرات، والطائرة في عهد الجنرال أوفقير، وأراد العاهل المغربي الراحل أن يحول موقع الثقل من الجيش إلى المجتمع والأحزاب السياسية، فطلب من زعماء الأحزاب المشاركة في هذا التغيير وإبداء مقترحاتهم وأفكارهم ومطالبهم، وكان من بين هؤلاء العلامة الراحل علال الفاسي زعيم حزب الاستقلال آنذاك، والدكتور عبد الكريم الخطيب الأمين العام لحزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية الذي بعث إلى الملك عام ۱۹۷۳م، برسالة مطولة يبدي فيها مطالبه بالعودة إلى الإسلام، وتحكيم الشريعة الإسلامية في القوانين العامة للبلاد.

غير أن الشيخ عبد السلام ياسين لم يكن ينتمي لحزب أو جمعية معترف بها، كما أن رسالته اتخذت لهجة حادة بدا منها وجود صراع خفي بينه وبين الملك شخصيًّا، فالشيخ ياسين تحدث في الرسالة كواحد من سلالة الأدارسة الذين حكموا المغرب في القرن الثامن الميلادي الثاني الهجري، وأنشأوا أول دولة إسلامية بالمغرب الأقصى، بينما الحسن الثاني من البيت العلوي الذي حكم المغرب ابتداءً من أواخر القرن السابع الهجري مع مولاي على الشريف.

لكن مذكرة «إلى من يهمه الأمر» تختلف عن الرسالة السابقة؛ سواء في المضمون أو في السياق السياسي الذي جاءت فيه، وحتى في موقف الحكم منها، ولا شك في أن السبعينيات ليست هي التسعينيات، فالمغرب تغير كثيرًا، فإذا كان الشيخ ياسين عند توجيه رسالته السابقة إلى الملك الراحل قد أعد كفنه استعدادًا للموت أو الشهادة كما يعترف في الرسالة المذكورة، نظرًا لما كان يعرفه المغرب من قمع، وملاحقات، وكبت سياسي، فإن الرسالة الثانية بدت كأنها حدث طبيعي في ظرفية سياسية طبيعية، وحتى الحقائق الواردة فيها لم تكن جديدة على الإطلاق؛ لأنها جزء من القضايا التي تخوض فيها الصحافة يوميًّا منذ سنوات عدة خاصة بعد تولية الملك محمد السادس.

انتقاد ومدح و مطالب

المذكرة جاءت في أكثر من ثلاثين صفحة، وكتبت في الأصل باللغة الفرنسية التي قال الشيخ ياسين: إنها لغة النخبة والصالونات والطبقات العليا النافذة، وعشية تعميم المذكرة تم تدشين موقعين للجماعة على شبكة الإنترنت ونشر المذكرة باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية والإسبانية وباقي كتابات ومؤلفات الشيخ ياسين.

استهلت المذكرة بكلمة ملك الفقراء اللقب الذي أطلق على ملك المغرب الشاب من قبل الصحافة المغربية والأجنبية والمواطنين، أعلن فيها صاحبها أنها تدخل ضمن واجب النصيحة في الإسلام الواجبة تجاه أولي الأمر، وبعد أن تحدث الشيخ ياسين عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في المغرب، والأزمات المتعددة من خلال أرقام وردت في إحصائيات أجنبية، وثقل المديونية المغربية، دعا الملك الجديد إلى أخذ الثروة الكبيرة التي خلفها والده لإخراج المغرب من أزمته وأداء الديون، وجلب الاستثمارات وخلق المشاريع المنتجة، وتعرض لعهد الملك الحسن الثاني واصفًا إياه بكل النعوت السلبية، فهو عهد علت فيه اليد الجبارة الجلادي تزمامارث، ونفاق ديمقراطية مزيفة، والديمقراطية الحسنية ديمقراطية مفرغة من كل محتوى، ملونة «بطغيان لا ملة له ولا مبدأ»، وأطلق على إرث العهد السابق تسمية الإرث المسموم والعهد البائد، كما قالت المذكرة: إن العهد المذكور على المستوى الخارجي كان عبارة عن سلسلة من التنازلات السياسية والثقافية للأجنبي المتواطئ مع الحكم المطلق، ووصفت الحسن الثاني بأنه كان صديقًا لليهود الصهاينة، وأن عهده تميز بـ «حكم اليهود».

وفي المقابل أطلق الشيخ ياسين كل أوصاف المديح والإطراء على الملك الجديد كـ رمز للغد الواعد، وأمل الشعب، ووصفه بالتواضع، ومحبة الفقراء والمحرومين، وطيبة القلب، وغير ذلك، واعتبر أنه ليس مسؤولًا عن خطايا الآخرين وجرائمهم في إشارة خفية إلى والده، وطالبه بالإقدام على إصلاحات جريئة وكبيرة، وقطع العلاقة بالإرث السابق، وتطهير حاشيته من البطانة الفاسدة، كما فعل حينما أقال وزير الداخلية إدريس البصري، وختم مذكرته بالقول: أتمنى للملك الشاب من العزم والشجاعة ما يمكنه من اقتحام هذه العقبة الكؤود (إشارة إلى الإصلاحات)، وأذكره مرة أخرى مودعًا، كفِّر عن مظالم أبيك المسكين، وخفِّف عنه الحساب العسير.

أسلوب جديد في التعامل مع الحكم

تشير لهجة الخطاب في المذكرة إلى أن زعيم جماعة العدل والإحسان يريد نهج أسلوب جديد مع العهد الجديد، يقطع مع الأساليب الماضية التي نهجتها الجماعة، وطبعتها بالتشدد والرفض المطلق، كما يظهر ذلك في التفاؤل بالملك الجديد والإصلاحات التي قام بها حتى الآن، والأمل المعقود عليه.

وما يؤكد ذلك أن الندوة الصحافية التي عقدتها الجماعة في الذكرى العاشرة لحصار الشيخ ياسين يوم ٢٨ يناير الماضي بمدينة سلا قرب الرباط وقريبًا من البيت الذي يقيم به الشيخ ياسين، رحبت بالعهد الجديد، وعبرت عما تنتظره منه؛ إذ أعلن بيان الجماعة بالمناسبة أن وفاة الملك الراحل ووصول ملك جديد إلى سدة الحكم هو تحول يفرض تعاملًا خاصًا ونظرًا عميقًا.

وخلال الندوة تم توزيع المذكرة على الحاضرين باعتبارها تعكس وجهة نظر جماعة العدل والإحسان، وليس فقط وجهة نظر مرشدها، وقال عضو بمجلس إرشاد الجماعة: إن المذكرة تاريخية.

ومنذ تولي الملك محمد السادس الحكم في شهر يوليو من العام الماضي خلفًا لوالده بدأت تظهر معالم السياسة الجديدة التي يريد الملك الجديد نهجها تجاه الفرقاء السياسيين كافة بما في ذلك الإسلاميون، وبدا أن ملف جماعة العدل والإحسان، وحصار مرشدها في طريقهما إلى التسوية، خاصة أن الملك أعلن في خطاب له في شهر أكتوبر الماضي بالدار البيضاء أمام أعضاء الحكومة ومسؤولي الولايات والعمالات والأقاليم «المحافظات» عن المفهوم الجديد للسلطة، وبعد ذلك بقليل تم إعفاء وزير الداخلية إدريس البصري من مهامه، وتبع ذلك تغيير جميع الولاة والمحافظين بالمملكة تقريبًا.

وقد بدأت أولى مؤشرات التحول في موقف جماعة العدل والإحسان تجاه السلطة في شهر ديسمبر الماضي حينما تقدم ثلاثة من قيادييها إلى السلطات بطلب الترخيص لهم بتنظيم مسيرة تضامنية مع الشعب الشيشاني، ورفضت السلطات ذلك، فكان مطلب الجماعة هو أن يكون الرفض مكتوبًا وقانونيًّا، وهو ما حصل، والتزمت الجماعة بعدم تنظيم المسيرة خلافًا للسابق، الأمر الذي دل على وجود نية في التعامل مع القانون، والخضوع له، وإعطاء المسؤولين انطباعًا بهذا الشأن، كما كانت هناك مفاوضات تجري بين قادة الجماعة وبعض المسؤولين لم تتضح نتائجها بعد بسبب الغموض السياسي الذي يطبع مواقف الجماعة إزاء عدد من القضايا، مما حدا بأحد الباحثين وهو محمد الطوزي الذي يشتغل بدراسة واقع الحركة الإسلامية في المغرب إلى التأكيد بأن جماعة العدل والإحسان أصبحت تنهج سياسة مغازلة النظام.

المؤشر الثاني حدث مع سماح السلطات للجماعة بتنظيم الحفل والندوة الصحافية المذكورة بمناسبة ذكرى الحصار الذي دخل عامه العاشر وهو ما حدث للمرة الأولى؛ إذ لم تكن السلطات في السابق تسمح بمثل هذا الحفل الذي أقيم هذا العام على المستويات المركزية والجهوية والمحلية في عموم المملكة.

أما المؤشر الثالث فظهر خلال الندوة المذكورة حين أجاب الشيخ فتح الله أرسلان عضو مجلس إرشاد الجماعة، والناطق الرسمي لها عن سؤال يتعلق بموقف الجماعة من مؤسسة إمارة المؤمنين في المغرب بقوله: إنها مسألة تتطلب مناقشة فقهية بين العلماء والفقهاء؛ ليحددوا من خلالها إمارة المؤمنين، ومؤسساتها، وشروطها وهو موقف غير مسبوق لدى الجماعة؛ إذ كان المعروف عنها رفضها لهذه الصفة للملك والاكتفاء بنعت الحكم في المغرب بأنه ملك جبري، كما يؤكد أن القضية لم تعد تعني الجماعة وحدها بقدر ما تعني العلماء والفقهاء في المغرب، وهذا في حد ذاته تحول أكدته مذكرة الشيخ ياسين التي اعترفت صراحة بكون الملك من سلالة النبي _صلى الله عليه وسلم_ وحفيده.

اللافت للنظر أن السلطة في المغرب تعاملت مع مذكرة الشيخ ياسين بنوع من البرودة والهدوء ودون ضجة، ولم يبدر من الملك أي سلوك يعبر عن استيائه؛ لكن المجتمع السياسي تقبل هذه المبادرة بكثير من الامتعاض والتذمر، فقد اعتبر البعض أن الشيخ ياسين يريد أن يستغل جو الحرية الذي حصل في المغرب لجذب الأنظار إليه وإلى جماعته، والتذكير بوجوده بسبب التراجع الذي بدأت تعيشه الجماعة في السنوات الأخيرة نظرًا للعزلة التي فرضتها على نفسها.

وفسر آخرون الأمر على أنه محاولة للعودة إلى الساحة من جديد بعد أن احتلتها حركة التوحيد والإصلاح، وذلك من خلال خلق المفاجأة، خصوصًا بعد أن حققت حركة التوحيد والإصلاح مكاسب عدة، واحتلت عددًا من المواقع من خلال إدارتها الناجحة للحملة الرافضة لخطة إدماج المرأة في التنمية ذات الصبغة العلمانية التي أعدتها الحكومة بدعم من البنك الدولي، وتوَّج ذلك في شهر رمضان بإلقاء رئيسها د. أحمد الريسوني درسًا أمام الملك ضمنه الكثير من مواقف حركته السياسية والأخلاقية والدينية.

وذهب آخرون إلى أن المذكرة تريد خلق الفتنة والبلبلة في بداية العهد الجديد، وقبل أن تنضج الإصلاحات، وتتوطد دعائم السياسة الجديدة للحكم، لكن السيد فتح الله أرسلان صرح بأن المذكرة خطاب سياسي يرمي إلى الإسهام في وضع لبنات العهد الجديد وفق تصور صادق وهادف لا يكن أية ضغائن.

ونفى أن يكون ما جاء فيها جديًا باعتبار أن الحقائق الواردة فيها شائعة ومعروفة.

أما الدكتور أحمد الريسوني فقد رأى في المذكرة تطلعًا وأمالًا معلقة على الملك، وأكد أن النصيحة أخطأت وقتها ومحلها، وتدخل في طبيعة نهج الجماعة التي تبحث دائمًا عن الإثارة وخلق المفاجآت.

وقد عكست ردود الفعل واقع الحريات الجديد في المغرب نفسها؛ إذ نشر بعض الصحف النص الكامل للمذكرة، وبرغم حجزها في اليوم الأول أعيد توزيعها من جديد بعد رفض وزير الإعلام قرار وزير الداخلية القاضي بالحجز؛ بل كانت السلطات تمنع موقعي الجماعة على الإنترنت وتدخل الملك شخصيًا لوقف ذلك، ونشرت جميع الصحف مقالات وافتتاحيات تدين خطوة الشيخ ياسين، وبدا أن هناك واقعًا سياسيًّا جديدًا يتشكل في المغرب ويتميز بالتفاف الجميع حول الملك الجديد، كما أن بعض الأحزاب عقدت اجتماعات طارئة لهيئاتها التقريرية، وأصدرت بيانات رافضة ومدينة، لكن أكثر ردود الفعل تطرفًا جاء من التيارات العلمانية التي وجدتها فرصة مناسبة لشن حربها على الحركة الإسلامية، وما تدعيه من وجود تطرف إسلامي في المغرب، وتحدث بعضها عن مؤامرة ضد الملك من طرف الإسلاميين، وتزامن ذلك مع الحملة المتبادلة بين العلمانيين والإسلاميين حول خطة إدماج المرأة في التنمية، مما دفع اليسار العلماني إلى التخويف من الإسلاميين والتذكير بالنموذج الجزائري، ونفى أن يكون في الإسلاميين معتدل ومتطرف.

أثارت المذكرة العلماء أيضًا فأصدرت رابطة علماء المغرب بيانًا شديد اللهجة اعتبرت فيه أن المنشور تجاوز حدود النصيحة، ووصل إلى درجة الافتراء على مؤمن أفضى إلى رحمة ربه؛ إشارة إلى الملك الراحل الحسن الثاني، واتهم البيان الشيخ ياسين بالتحريض على كسر بيضة الإسلام والخروج عن الإجماع بتحريض مواطنينا في الصحراء المسترجعة على نقض البيعة الشرعية، وفصم عرى الوحدة، على أساس أن لغة العزة توجد عند الانفصاليين. 

وأصدر رؤساء المجالس العلمية بالمغرب بيانًا قالوا فيه: إن كاتب المذكرة في نفسه مرض، وفي طبعه أطماع وغرض ونزوع نحو الغلو والتطرف، وجنوح نحو تشويه التصوف.

وقد خرج وزير الداخلية المعفى إدريس البصري عن صمته منذ إعفائه في شهر ديسمبر الماضي؛ ليرد هو الآخر على المذكرة عبر جريدة ‏Le monde الفرنسية عدد 1 مارس ۲۰۰۰م التي كانت قد نشرت فقرات مطولة من الرسالة، والمفاجئ هو أن البصري وقع بصفته أستاذًا جامعيًّا فقط برغم أنه رفض العودة إلى ساحة التدريس بعد إقالته.

البصري رد على المذكرة بسبب ورود اسمه فيها ونعته به وزير الجرائم، ومأمور الأعمال المنحطة للمرحوم الحسن الثاني، بتعبير الشيخ ياسين فقال البصري: إن النظام الملكي في المغرب كان معرضًا لشتى التهديدات، وإن الحسن الثاني برغم ذلك مهد جوًّا من الحرية هو الذي يستغله الشيخ ياسين إعلاميًّا لنشر مذكراته، ودافع عن نفسه كخادم للعرش المغربي لا غير، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يتكلم فيها البصري بعد الحملة التي شنتها الصحافة ضده إثر إقالته، وتحميله مسؤولية جميع التجاوزات والانتهاكات التي شهدها المغرب.

في الوقت نفسه، رد المحجوبي أحرضان الأمين العام للحركة الوطنية الشعبية من خلال رسالة مفتوحة إلى الشيخ ياسين، متهمًا إياه به خدش وتجريح المؤسسة الملكية بدون وجه حق، واصفًا المذكرة بـ «الهذيان» وتواردت الردود من قياديين داخل الأحزاب المغربية، وأساتذة جامعيين وكتاب وصحافيين، وغيرهم، ولوحظ أيضًا انبراء أحد اليهود المغاربة للرد، وهو روبير صراف رئيس الجمعية العالمية لليهود المغاربة الذي رأى في كلام الشيخ ياسين عن كون عهد الحسن الثاني شهد سيطرة اليهود دعوة إلى اللاسامية ومعاداة اليهود!! 

وقد دلت الحملة المضادة لمذكرة الشيخ ياسين على أن المفاجأة التي أرادها هذا الأخير من كتابة مذكرته، ونشرها للطبقة السياسية المغربية انقلبت إلى مفاجأة لجماعته نفسها. 

وأظهرتها بمظهر التصادم مع الإجماع الحاصل في المغرب حول وتيرة الإصلاح السياسي الهادئة التي ينهجها الملك، هذا المناخ المعادي نحو جماعة العدل والإحسان، دفع بحركة التوحيد والإصلاح إلى الدعوة في افتتاحية أحد أعداد جريدة «التجديد» إلى الحكمة في معالجة القضية، وعدم الاستدراج إلى دعوات العلمانيين واليساريين الذين أخذوا يخوفون من الإسلاميين، وعبرت عن ثقتها في حكمة الملك إزاء معالجة القضية.

يري الكثيرون أن مبادرة الشيخ عبد السلام ياسين بإرسال مذكرة على الملأ إلى الملك محمد السادس ستكون لها عواقب سلبية على مستقبل الجماعة، وربما كانت أكثر العواقب هي فقدانها لمصداقيتها، وخاصة بعد إدانة العلماء لها.

غير أن هذا التقويم يبدو متشائمًا وربما مجحفًا في حق الجماعة، فلقد تلقى الحكم في المغرب الحدث بنوع من البرودة، بل إن وزير العدل المغربي عمر عريسان بعد أقل من أسبوع من نشر المذكرة أعلن من فرنسا أن وضعية مرشد جماعة العدل والإحسان، ستحل قريبًا وستجد طريقها إلى الحل عبر القضاء.

تدخل الملك

وقبل أيام فقط تدخل الملك شخصيًّا لإعادة جوازات السفر لبعض أفراد عائلة الشيخ عبد السلام ياسين، وأصهاره بعد أن منعوا من السفر لأداء مناسك الحج، وهي كلها إشارات لا يبدو أن الملك الجديد عازم على التراجع عنها إلى الخلف، خصوصًا أن المغرب يشهد حراكًا سياسيًّا قويًا، وانفتاحًا كبيرًا للحريات ولا يبدو أن مذكرة الشيخ ياسين تشكل نشازًا في هذا الحراك، زيادة على كون مطالب الجماعة ليست تعجيزية، كما عبرت عن ذلك تصريحات قياديي الجماعة في الندوة التي نظمت بمناسبة الحصار، وأغلب هذه المطالب تمت الاستجابة له، كتمكين قياديي الجماعة من جوازات السفر ومغادرة البلاد إلى الخارج وإرجاعهم إلى وظائفهم السابقة قبل اعتقالهم في أواخر الثمانينيات. 

وللجماعة جريدة أسبوعية تصدر شهريًّا مؤقتًا، كما أن كتب الشيخ عبد السلام ياسين موجودة في المكتبات، وشاركت الجماعة بجناح خاص في المعرض الدولي للكتاب الذي أقيم بالدار البيضاء عام ۱۹۹۸م، ومازال هناك بعض المعتقلين السياسيين من طلبة الجماعة اثنا عشر معتقلًا، ومن الناحية السياسية فإن مطلب الجماعة هو أن تسنح لها حرية تأسيس هيئة سياسية مع الاعتراف القانوني بها، وهو وضع تشترك فيه مع باقي التنظيمات الإسلامية بالمغرب، ولا يخص الجماعة وحدها.

ولعل هذه التطورات الأخيرة تسهم في خلق جو من الانفراج بين جماعة الشيخ ياسين والحكم بشكل يضمن تجاوز حالات التوتر، وخصوصًا أن المغرب عرف دائمًا بوضعه النموذجي في التعاطي مع الإسلاميين بمنطقة المغرب العربي، شارك في خلقه النظام المغربي بتسامحه النسبي والحركة الإسلامية باعتدالها، وقد أكدت جماعة العدل والإحسان خلال الندوة المشار إليها ترحيبها بالحوار، وأعلنت يوم الثلاثين من شهر ديسمبر من كل عام يومًا وطنيًّا للحوار، مما يؤكد الرغبة في إجراء مراجعة للنهج السابق، والانفتاح على الآخرين.

الرابط المختصر :