العنوان إحياء فقه الدعوة
الكاتب محمد أحمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 21-نوفمبر-1972
مشاهدات 200
نشر في العدد 126
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 21-نوفمبر-1972
استغلال الظاهرة التربوية
«فعل من حكيم في ألف رجل أنفع من موعظة ألف رجل في رجل، وإنما هي مصادفات القلوب من حيث صفاء القلوب عندما يطرقها من واردات الغيوب من المسموعات والمنظورات، فإذا اتفقت قويت، وإذا اختلفت وتضادت ضعفت، إلا لأهل الاستقامة والصدق والكمال، فإنهم قد جاوزوا ذلك، وسقطت عنهم رؤية التمييز، فلا يتغيرون، ولكن ربما تجدد لهم أذكارهم بما يسمعون، وتصفو لهم المشاهدات وقتًا بعد وقت، وذلك زيادة صفاء تجدد لهم عند سماع الحكمة»
أبو عثمان الحيري
ظاهرة التأثير التربوي
من الحقائق السارية التي ظهرت منذ بداية الحياة الاجتماعية الإنسانية ويغفل عنها البعض؛ إن التقليد والمحاكاة من صفات الإنسان الاجتماعي، وأنه قابل للتأثر بغيره تأثرًا لا يشعر به، حتى إذا بلغ التأثر حدًا في الكثافة كبيرًا تحول إلى عقيدة وفكرة ومفهوم ثابت ينقل المتأثر إلى مرحلة تمحيص عقلي لما عند الغير، فيزداد أخذًا لما يوافق عقيدته المتكونة، ويرفض ويعاف ما يضادها.
إن «السمع» و «البصر» هما الأداتان الرئيسيتان اللتان يتم بهما هذا التأثير اللاشعوري، فالشخص يسمع شيئًا، ويتكرر لديه هذا السماع، فينشغل في التفكير بما سمعه، حتى يأخذ عليه تفكيره وقتًا يزداد كلما زاد السماع، وعن طريق دوام التفكير بما سمعه تتحول الأفكار المسموعة إلى عقائد ذاتية عند الشخص يعتنقها ويحملها، وغالبًا ما يصل هذا الاعتناق إلى التعبير عنها بنفس المصطلحات والكلمات التي سمعها.
ومثل التأثير السمعي: التأثر البصري، فإن الشخص إذا رأى شيئًا من المناظر، وتكررت عليه مشاهدتها؛ انشغل تفكيره بها، وصار ميالًا إلى تقليدها ومحاكاتها.
وفي هذا التأثير تستوي المناظر الحسنة أو الكلام الحسن مع المناظر القبيحة والكلام القبيح إذا وزنا الحسن والقبح بميزان الإسلام؛ يستوي الخير والشر في قدرتهما على التأثير في المقابل، لأن النفس الإنسانية بذر الله فيها- كما قال في كتابه العزيز-: كلا المعدنين، وألهمها الفجور والتقوى معًا.
وهذا التقرير هو الذي يفسر استمرار المجتمعات المختلفة في المحافظة على عقائدها، فليس هو الاجتهاد المحض يقود سكان أوروبا إلى اعتناق النصرانية، فيتواطأ الجميع على الوصول إلى نتيجة واحدة، وإنما هو التأثر من اللاحق بالسابق، وليس هو الاجتهاد الذي يقود سكان الهند إلى عبادة البقر، ولا هو الذي يقود الزنوج إلى عبادة الأصنام والأشباح، إنما هو تأثر السمع والبصر.
إن التأثير اللاشعوري العفوي يسبق التأثر الشعوري الإرادي عند الشخص ويظل ملازمًا له حتى عند ظهور إمكانية التأثر الإرادي عنده، ذلك أن الأول يبدأ منذ الطفولة، بينما الثاني، وهو الإرادي المبني على نتائج محاكمات عقلية عند الشخص، لا يكون إلا من بعد حيازته بعض الأفكار التي يجعلها أساسًا لوزن ما يسمع وما يرى بها، ويكون قد حازها بتأثر لا شعوري سابق.
وإلى هذا أشار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين قال: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه، كما تنتجون البهيمة، هل تجدون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها؟» «1» وقال النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا : «الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» «۲» وهذا يعني أن الشخص الذي وصل إلى درجة حيازة أفكار وعقائد معينة وانتقل إلى مرحلة التأثر الإرادي، بإمكانه أن يوجه الكلام والمناظر العملية باتجاه معين يوافق أفكاره وعقائده، كي يسمع كلامه ویری مناظره من لا زال في مرحلة التأثير اللاشعوري، فيتأثر بها ويقلدها.
إن هذه العملية في توجيه الكلام والمناظر باتجاه معين واحد يعضد فكرة وعقيدة معينتين تسمى عملية «التربية».
إذن، فإن بإمكان أي شخص ذكي لبق إذا اعتنق فكرة معينة وتلبس بعقيدة خاصة ومفهوم خاص عن الحياة أن يكون «قائدًا» و«يربي» الآخرين عن طريق دعوتهم بالكلام إلى مشاركته الرأي وحمل عقيدته، فيشرح عقيدته، ويمدحها، وينقد غيرها، ويريهم بعض المشاهد العملية التي تترجم فيها مفاهيمه إلى وقائع محسوسة بالبصر.
هذا هو الغالب في الحياة البشرية، ولكن الله سبحانه حين خلق- آدم عليه السلام- علمه التوحيد وجعله نبيًا، وبعث في أجيال أبنائه أنبیاء آخرین، وبذلك صارت عقيدة التوحيد الإسلامية محل تربية، فمنهم من قدر الله أن لا يرى ولا يسمـع غير حملتها وكلامهم فأسلم ووحد، ومنهم من ضل عنها بإغواء الشيطان ووسوسته الخفية التي لا ترى وصار يربي غيره وفق ضلاله وساعده الشيطان ثانية فأضل معه جمهرة، ومنهم من نشأ في هذه الجمهرة الضالة، لا يرى ولا يسمع غير ما يصدر عن دعاتها، ولكن الله سبحانه يقذف في قلبه من المعاني ما هو أقوى من تأثير كلامهم ومناظر أفعالهم، فيهتدي ويوحد بمنحة من الهداية هي دون النبوة يختص بها بعضًا دون بعض لحكمة نجهلها نحن، فالاستثناء دائر في هذا العدد الذي يختصه الله سبحانه بمنحة الهداية، ويبقى ما قلناه من تأثير الكلام والمنظر ساريًا في الآخرين، وخير هذا التأثير وشره إنما يسري بقدر الله تعالى، فإن كان الكلام والمنظر يدعوان إلى التوحيد والإسلام وأثرا في البعض فبقدر الله كان هذا التأثير، ولكن المتكلم كان سببًا لظهور قدر الخير هذا وفق قانون التأثير الساري في الحياة الاجتماعية الذي قلناه، ومن ضل فبقدر الله ضل، واكتسبوا ضلالهم وفق قانون التأثير أيضًا في الصورة الظاهرة، وإن كان الله سبحانه قد جعل إغواء الشيطان الخفي سببًا لا نراه، ونخلص من هذا كله إلى أن التحليل الإسلامي للهداية والضلال لا ينقض ما ندعيه من وجود التأثير التربوي، السمعي والبصري، في الحياة البشرية الجماعية، وإن هذا التأثير هو ستار القدرة الربانية الذي تتمثل به. وعبّر أبو عثمان الحيري عن هذه القدرة الربانية التي تتقمص شكل التأثير التربوي المشاهد بأنها «واردات الغيوب من المسموعات والمنظورات»، وإنما القدر من الغيب الذي لا نعلمه، ولا يجوز الاتكال عليه.
فوجب إذن أن نجعل قانون التأثير التربوي المذكور طريقًا للعمل وميزانًا لتحليل الظواهر الاجتماعية، وحين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله سبحانه قد كتب الهداية والضلال لكل واحد من قبل وكتب جزاءه سألوه: «ألا نتكل يا رسول الله؟ فقال: «لا، اعملوا ، فكل میسر» «۳» و قال: «كل يعمل لما خلق له أو لما يسر له» «٤»، ومن العمل الذي يدخل في هذا الأمر النبوي الكريم: العمل بهذا القانون التربوي المبني على ظاهرة مشاهدة تصاحب العيش الجماعي، فإنه من الواقع الملموس، وقد أشار النبي- صلى الله عليه وسلم- إلى مثل هذه المعاني في قوله: «ما استخلف خليفة إلا له بطانتان، بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله» «٥» ، فأقر أن التأثير موجود، ومثل هذا كثير، بل إنه لأمر بديهي، وإنما ذكرناه لغياب بعض البديهيات أحيانًا عن البعض.
عوامل القوة والضعف في التأثير التربوي
إن قوة التأثير التربوي للكلام والمنظر وسرعة ظهوره في المقابل تخضع لمؤثرات عديدة، أهمها:
(١) نوع الصفات الطبيعية التي يملكها المربي والتي خلقه الله عليها، كمدى الذكاء، والشجاعة، والصبر، والغضب، وكذا ما يتبع هذه الصفات، كاللباقة، وقوة الشخصية.
إن الذكي الصبور الشجاع اللبق الذي لا يغضب؛ أقدر على التربية من صاحب الذكاء القليل الجبان الغضوب الذي لا يصبر وليست عنده لباقة، والأمر ظاهر.
ومثل هذا يصدق أيضًا على التلميذ، فهو أسرع إلى التأثر عند وجود هذه الصفات.
ولكن تتبع أحوال المجتمعات واستقراء مستويات رجالها يرينا أن أصحاب الصفات الطبيعية الجيدة أقل بكثير من أصحاب الصفات المفضلة، وهذا يعني بالتالي أن المربين القادة أقل بكثير من أصحاب قابلية التأثر.
وكأن هذا المعنى هو الذي أشار إليه النبي- صلى الله عليه وسلم- حين قال: «تجدون الناس كأبل مائة، لا يجد الرجل فيها راحلة» «٦» ، والراحلة: القوية السهلة السريعة السير، وهي نادرة الوجود، فذكر شراح الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم يشير بذلك إلى ندرة اصحاب المعدن الجيد. «۲» وكذا تحكم سرعة التأثر وقوته تلك التربيات السابقة التي يصادفها التلميذ وخضع لها، والتي تخالف التربية الجديدة التي يراد له أن يتأثر بها، أي أن حيازة التلميذ لأفكار وعقائد معينة يجعل عملية تحويله وصرفه عنها إلى ما يناقضها عملية صعبة تستدعي قوة وكثافة في الكلام والمناظر أكثر من تلك التي أكسبته العقائد الأولى، فإن كان الأمر كذلك فأصعب منه وأندر أن يحدث رفض العقيدة الأولى تلقائيًا اعتمادًا على قوة التفكير والمحاكمات العقلية الذاتية، لدى صاحب العقيدة التي اعتنقها بتأثير لم يشعر به، ولا يحدث هذا التبدل الذاتي إلا عند أفراد قلائل جدًا، وإنما الغالب أن يكون الرفض من بعد خضوع جديد لتربية مضادة جديدة، والعكس صحيح أيضًا، فإن زيادة التربية في اتجاه معين تؤدي إلى زيادة اعتناق، وأن ثبات صاحب العقيدة المعينة على عقيدته إزاء ضغط تربوي جديد مخالف لها قليل أيضًا، وإلى هذا المعنى ذهب الحيري حين قال: «إذا اتفقت قويت، وإذا اختلفت وتضادت ضعفت، إلا لأهل الاستقامة والصدق» فأشار إلى أن الغالب هو القوة عند الاتفاق، وضعف التربية الأولى عند التضاد، وأن الاستثناء نادر، وعبر عنهم بأهل الاستقامة والصدق، لأنه يتحدث عن التربية الإسلامية.
«۳» وتؤثر الظروف الخارجية والفرص الحياتية التي تحيط التلميذ على مدى تأثره وسرعته، كالصحة والمرض، فالمريض منعزل لا يرى ولا يسمع إلا قليلًا، وكالفقر والغنى، فالفقير يساكن الفقراء، والغني يساكن الأغنياء، وكلاهما يحرم من سماع كلام الآخر ورؤية مناظر أفعاله، أو قد يلهي الفقير ما قد يبذله من مجهود مهني عن السماع الكثير، بينما فرص المشافهة والمناطقة لدى الغني أكثر، كذلك الحزن والفرح، فإن نفس الإنسان تتأثر إذا خولفت نزعاتها الطبيعية الغريزية، فتحزن إذا لم تشبع غرائزها، وتفرح عند إشباعها، وأكثر ما تكون استعدادًا التربية العقيدية عند الفرح، وأبعد ما تكون عند الحزن، وعندما يشاكل الحزن، من السأم والملل والخوف.
هذه هي أهم المؤثرات، ولذلك كان الناس على درجات في التأثر.
اختراعات تربوية
أثناء الاستخدام التربوي للكلام والمنظر واستغلال قادة التربية لتأثيرها وجدوا أن الكلام أصناف، وأنهم يمكنهم تحويره بشكل ما والتفنن في صياغته ليوافق نزعة حب الجمال الأصيلة في الإنسان، وبذلك صار الانفتاح لاستخدام «الأدب»، وسخروا البلاغة النثرية والشعرية في شرح الأفكار والعقائد، بكل ما في البلاغة من إيجاز وإطناب وتشبیه وجناس، وبكل ما في الشعر من تعدد الأوزان، ليوافق كلامهم أي طور تكون عليه نزعة حب الجمال عند الأفراد، ولا تلائم كل الأذواق، ثم صاغوا الكثير من أدبهم الفكري في صورة ألحان تزيد التأثير.
ولما رأوا في البعض نزعة أخرى للتمحيص والموازنة مبعثها الشك الذي يكاد أن يكون من الأخلاق الطبيعية في الإنسان، لجأوا إلى استخدام «المنطق» ليقدموا الكلام بشكل متناسق بريء من العيوب الظاهرة، كي يبدد الشك.
ثم وضعوا «الاصطلاحات» ذات المدلول المعين لزيادة مدى التفهيم، واستخدموا «التاريخ» لزيادة الإقناع عن طريق ضرب الوقائع السابقة كأمثلة على صدق أفكارهم.
وهكذا صار «الأدب» و«المنطق» و«اللغة الاصطلاحية» و«التاريخ» من آلات التربية.
قد لا يكون المربون هم الذين اخترعوها، إلا أنه من المسلّم به أنها وضعت في الاستخدام التربوي منذ القدم.
اختلاط التربيات
إن العمليات التربوية ليست عمليات ميكانيكية، إذ لم تبدأ في وقت واحد خلال هذا التاريخ البشري، ولم ينطلق المربون في لحظات واحدة كما ينطلق المتسابقون في ساحة السباق ليجربوا جهودهم التربوية لمعرفة الأقدر منهم على إقناع الآخرين، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى، فإنه- في الغالب- ما من مرب يستطيع أن يحجز كل وقت تلاميذه ليربيهم، وإن ضرورات الحياة وطلب العيش تجعل التلميذ أعجز من أن يهب لقائده ومربيه كل وقته.
فمن هاتين الناحيتين وجدت ظاهرة «اختلاط التربيات»، وصار المجتمع خليطًا عجيبًا من أشخاص تتنازعهم تربیات عديدة، فإن الدرجات العديدة التي عليها أصحاب كل وجهة تربوية بحسب مدى السماع والرؤية، والدرجات المتعددة التي عليها أولئك الذين تتنازع التربية الجديدة عندهم مع التربية القديمة، كل ذلك جعل المجتمع وكان لكل عضو فيه تربية خاصة معينة، أو أن أصحاب السمت الواحد هم عدد قليل.
ولا شك أن هذه الظاهرة في اختلاط التربيات تحد كثيرًا من تأثير الجهود التربوية، ولذلك لجأ المربون إلى علاج هذه الظاهرة ووضع الحلول لها.
من هذه الحلول: «التخصص» في استخدام آلات التربية، لعدم استطاعة القوة البشرية عند الفرد البراعة في استخدامها كلها، وهكذا ظهر في جماعة المربين الناثرون البلغاء، والشعراء، والمؤرخون، والممثلون المسرحيون، والمغنون، وغيرهم؛ طلبًا للبراعة والإتقان.
ومن هذه الحلول: «التربيات المرحلية»، فقد وجدوا أنهم بحاجة- بسبب من انتصار إحدى التربيات المخالفة وطغيانها على غيرها- إلى أن يركزوا على مجال واحد يكون أكثر تأثيرًا في إبطال مفعول التربية المنتصرة، أو يكون أضمن لاستمرار التلاميذ في صراعهم مع التربية المنتصرة الغالبة ويمدهم بقوة تثبيت.
ومن هذه الحلول: «التركيز على المظهر العملي»، لما وجدوه من زيادة تأثيره على تأثير الكلام، وقد ورد في القرآن والسيرة ما يشير نوع إشارة إلى أن المشاهدة أبلغ في التربية من الكلام المجرد.
قال ابن القيم: «بين الخبر والعيان فرق، وفي المسند مرفوعًا: ليس الخبر كالعيان، ولهذا لما أخبر الله موسى أنه قد فتن قومه، وأن السامري أضلهم: لم يحصل له من الغضب والكيفية وإلقاء الألواح ما حصل له عند مشاهدة ذلك» «۷»
ومثله طلب إبراهيم عليه السلام اطمئنان القلب بالمنظر حين قال ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (البقرة: 260).
وقريب من هذا ما ورد في السيرة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما فرغ من كتابة هدنة الحديبية مع موفد المشركين سهيل بن عمرو، قال لأصحابه: «قوموا فانحروا واحلقوا وحلوا- أي من الأحرام حين نووا العمرة-، فلم يجبه أحد إلى ذلك، فردها ثلاث مرات، فلم يفعلوا- أي لشدة حزنهم لما رأوا في ظاهر شروط الهدنة ضيمًا للمسلمين-، فدخل على أم سلمة رضي الله عنها وهو شديد الغضب، فاضطجع، فقالت: مالك يا رسول الله؟ مرارًا، وهو لا يجيبها، ثم قال: عجبًا يا أم سلمة! إني قلت للناس: انحروا واحلقوا وحلوا مرارًا، فلم يجبني أحد من الناس إلى ذلك، وهم يسمعون كلامي وينظرون في وجهي! فقالت: یا رسول الله: انطلق أنت إلى هديك فانحره، فإنهم سيقتدون بك، فاضطبع بثوبه- أي أدخله تحت إبطه الأيمن وغطى به الأيسر- وخرج، فأخذ بالحرية ويمم هديه، وأهوى بالحربة على البدنة رافعًا صوته: بسم الله والله أكبر، ونحر، فتواثب المسلمون إلى الهدى، وازدحموا عليه ينحرونه حتى كاد بعضهم يقع على بعض» «۸»
هذا هو التحليل البسيط للظاهرة التربوية بعيدًا عن المصطلحات المعقدة التي يستعملها الذين يحللونها اليوم، وتحليلنا هو الذي ينسجم مع نظرة الإسلام إلى الفرد العقائدي كقوة يمكنها تغيير مجرى الحياة متى استعمل الطريقة التربوية ونظر إلى كل أفراد المجتمع على أنهم تلاميذ له.
إن كل المحاولات الإسلامية التي غيرت مجرى التاريخ أو عدلته وقومته بدأت بفرد واحد، فإبراهيم، وموسى، وعيسى ومحمد، وكل الرسل، صلى الله عليهم وسلم، بدأوا أفرادًا، وعن طريق التأثير التربوي آمن بهم البعض، فعاونوهم، فتوسع التأثير حتى غيروا مجرى الحياة، وخبر المصلحين المسلمين المجددين من بعد الأنبياء مشهور مستفيض.
وكذلك كل المحاولات غير الإسلامية .
فأصحاب البدع في التاريخ الإسلامي بدأوا أفرادًا ثم انتهوا إلى تكوين طوائف واسعة، وماركس وهتلر، كل منهما بدأ فردًا واستعمل التأثير التربوي؛ فكوّن حزبًا واستلم الحزب السلطة فتغير مجرى التاريخ، ولا مغير إلا الله، ولا من حركة في هذا الكون إلا بإذنه، وكذلك هرتزل ووايزمن وأصحابهما، بدأوا أفرادًا، واستغلوا التأثير التربوي المزدوج في اليهود وشعوب العالم أجمع؛ فتغير مجرى تاريخ اليهود. والمبشرون النصارى في لبنان في نهاية القرن التاسع عشر، وأساتذة الجامعة الأميركية بدأوا أفرادًا، واستعملوا التأثير التربوي وتركيز المشاعر القومية؛ فغيروا مجرى حياة العرب من الإسلام إلى القومية. وكل تربية، حين تصل إلى السلطة، تعضد تربيتها بحجب الفكر المخالف لها عن تلاميذها أفراد المجتمع الذين تحكمهم، لينشأ الجيل الجديد في سماع ورؤية لكلام ومناظر التربية المتسلطة الحزبية الآن، والدكتاتوريات.
وهكذا يتضح المنطلق التربوي للحركة الإسلامية الحاضرة، فإن انطلاقتنا انطلاقة تربوية غايتها التأثير في الناس عن طريق السمع والبصر.
*وهكذا يتضح أن المعركة التي نخوضها هي معركة تربوية أولًا وآخرًا
الرابط المختصر :