العنوان إحياء فقه الدعوة.. إنه دم الدعوة
الكاتب محمد أحمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 12-فبراير-1974
مشاهدات 122
نشر في العدد 187
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 12-فبراير-1974
يعتبر تاريخ الصدر الأول من السلف الصالح من مصادر فقه الدعوة الرئيسة، فإنهم بأفعالهم وطريقتهم في الحياة كانوا أفصح من خلف ينطلق بقلمه لتدوين فقه الدعوة من تأمل نظري مجرد وقد حددوا بسيرتهم ما يجب للداعية من صفات، وما يسوغ للدعوة أن تملكه من أساليب ووسائل.
فبعضهم لم يتكلم بغير حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا جملًا يسيرة، لكنه أرى الناس تطبيقًا رائعًا للحديث، وأفعالًا شدَّتهم إلى الاقتداء.
وإنما يرجى لدعوة الإسلام النجاح اليوم إذا أدركت هذه الحقيقة القديمة، لا بشيء آخر، فتحرص على أن تنزل ساحة العلمانية كل جوال فعال صامت، يري الأرضيين من نفسه قوة، قبل أن يسمعهم من لسانه تفاصحًا .
ومحمد بن سيرين، التابعي البصري، قدوة من قدوات الصمت الناطق أولئك، وله مذهب في التجرد سماء صاحبه أبو قلابة الجرمي امتلاك النفس، فقال يفاخر بابن سيرين جميعًا من الدعاة: «اصرفوه حيث شئتم، فلتجدنه أشدكم ورعًا، وأملككم لنفسه» (۱)
فالداعية يملك نفسه، ومن ثم فهو الذي يخطط لها طريقها ومستقبلها، ولا يدعها تملكه، فإن من لم يملك نفسه يفقد حريته، وتكون هي المستعبدة له، هذه دعوة الأحرار الأبرار، يتصدرها كل هر سريع الخطو، ومن رضي أن يكون مملوكًا وبرسف في الأغلال والقيود فإنما يكون في آخر القافلة أو تدعه وتمضي.
ومنذئذ أضيف إلى فقه الدعوة شرط جديد من شروط الدعاة يلزم المتصدي أن يملك نفسه كما ملكها ابن سیرین، وأن يحررها من القيود كما حررها ابن سرین .
وقد قال ابن السماك الزاهد من قبل:
«إن الرجاء حبل في قلبك، قيد في رجلك، فأخرج الرجاء من قلبك تحل القيد من رجلك» (۲)
ويقصد بالرجاء الأمل الدنيوي، فإنه يقيد الرجل من الانطلاق في أعمال تتطلب التضحية وتضع إزهاق الروح واردًا في الاحتمال.
إنما ذلك الواهم فقط يغريه الأمل، أما الفطن فيدرك أنها قافلة ليست ككل قافلة، ويعلم أنها قافلة النور هو فيها، وأنها تسير في درب كله نور، قد توغلت فيه، فيحل قيود الطمع، ويواكبها، ويلازم أهلها إذ يرفعون أبصارهم إلى هالة:
النور السابع وهو: الالتفات إلى عيب النفس
فينشغل الداعية بإصلاح عيوبه، ويدع إعابة الآخرين وتسقط زلاتهم.
وكان السري السقطي البغدادي يتخوف خوفًا عظيمًا من سريان مرض تتبع عيوب الناس إلى جماعة السالكين إلى الله، فكثر تحذيره منه، وصنع إحصاءات خلقية اجتماعية لبيان مدى تأثيره السيئ وإظهار تعدد أنواع سلبياته، ووضع تقريرًا طويلًا حفظت لنا منه كتب الزهد والرقائق فقرات منه كثيرة، وأجمل في خاتمته نتيجة استقرائه فقال:
«ما رأيت شيئًا أحبط للأعمال، ولا أفسد للقلوب ولا أسرع في هلاك العبد، ولا أدوم للأحزان، ولا أقرب للمقت، ولا ألزم لمحبة الرياء والعجب والرياسة- من قلة معرفة العبد لنفسه، ونظره في عيوب الناس»(۳).
فهي سلبيات يعددها، كل منها يكفي لتعكير صفو السكينة الإيمانية.
● وقد أشار في مقدمة تقريره إلى أن:
● «من علامة الاستدراج للعبد عماه عن عيبه، واطلاعه على عيوب الناس» (٤)
فجعل بدايته استدراجًا، أي تغريرًا من شيطان يمني ضحيته بوجود بعض لذة في آخر طريق وعر بعيد ويغريها بنيلها، فتلج، فتنقطع، فينفرد بها بلا نصیر أو ظهير، فيقهرها، كما يقهر الجيش أعداءه الضعاف بإظهار تراجع مفتعل يغريهم بالتوغل دون حساب خط رجعة.
● ولما نودي على السري بعد ذلك للولوغ في أعراض الناس وولوج مجالس إحصاء عيوب الآخرين ناداهم بأعلى صوته: «إن في النفس لشغلًا عن الناس»(٥).
وإنها لصيحة يحق لها أن يصرخها كل دعاة الإسلام الآن، والخبير بتلبيس إبليس يدرك مزالق هذا الباب جيدًا.
● أسباب مرض الغمز وأعراضه
● والذين رصدوا أسباب هذا المرض الخبيث يؤكدون أنه ظاهرة دفاع عن النفس ليس إلا، فأصحاب العيوب يتوقعون نقدًا لهم من ناصح أمين يظنونه مهاجمًا، فيتداعون إلى أخذ زمام المبادرة وتحويل الهجوم بهمز ولمز من وراء ظهر.
فأجرأ من رأيت بظهر غيب
على عيب الرجال ذوو العيوب
حتى باتت هذه الخصلة فاضحة لكل ذي لسان طويل، مغنية عن الفراسة، فقال السامع للمهذار :
«قد استدللت على كثرة عيوبك بما تكثر من عيب الناس، لأن الطالب للعيوب إنما يطلبها بقدر ما فيه منها» (٦)
● ولذلك كان السلف عمومًا على أشد الخوف من هذا الخلق الرديء الذي قد يلبسه إبليس رداء النصح والأمر بالمعروف، وصاحب القلب الحي يميز هذا من هذا بوضوح، لكنها الغفلة التي ابتأس لها التابعي عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود حين كان يساعد أخاه عبيد الله في تطبيق نظرية تأليف الأرواح، فقال:
«ما أحسب أحدا تفرغ لعيب الناس إلا من غفلة غفلها عن نفسه «(7)
فالغفلة سبب ظاهر ولا شك، لولاها لاعتنى بملكه ولشغله الفرس وجني الثمار.
● أما أهم أعراض مرض الهمز فهو تواصي مرضاه بإخفاء مناقب الغير وفضح هفواتهم.
رآهم كذلك النسابة البكري، فقال لرؤبة بن العجاج:
«ما أعداء المروءة؟»
قال: تخبرني.
قال: بنو عم السوء: إن رأوا حسنا ستروه، وإن رأوا سيئا أذاعوه» (۸)
ورآهم الشاعر أيضًا متعجب من حالهم وكيف أنهم، إن يسمعوا الخير يخفوه، وإن سمعوا شرًا أذاعوه، وإن لم يسمعوا كذبوا، ولا شر عند جماعة المؤمنين والحمد لله، لكن ذاك خلقهم دائمًا، لا يعجبهم ما عليه المؤمنون من الخير، فإن حدثت هفوة يعلمون ما وراءها من نية صادقة طبلوا وزمروا.
● ومن أعراض هذا المرض أيضا التهويل والمبالغة، واستعمال العدسة المكبرة للتفتيش عن صغائر الغير.
ذكر أبو هريرة رضي الله عنه ذلك عنهم، فقال لهم: «يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه، وينسحب الجذع في عين نفسه» (۹)
ثم رأى الشاعر منهم معاندًا يأبى الإنصاف، مجدد له قول أبي هريرة، ووبخه، وقال له:
وتعذر نفسك أما أسأت
وغيرك بالصدر لا تعذر!
وتبصر في العين منه القذى
وفي عينك الجذع لا تبصر!
● علاج الهمز برقابة القريب
● ولكن ما جعل من داء إلا وجعل له من الأدوية ما يذهب به.
وكأي مرض نفاقي آخر فإن الهمز يداوى أول ما يداوي بتذكر رقابة الله، فإنها الدواء العام الخاص فيعلم أن الله من قلبه قريب، وعلى لسانه رقيب، ويسكت تائبًا، ويعزف عن صاحبه لو أتاه من الغد بدعوة إلى جلسة غيبة، ويشرح أمره، ويحدثه عن النور الذي أناره الله في قلبه فأضاء زاوية كانت فيه مظلمة، ويقول له:
يمنعني من عيب غيري الذي
أعرفه عندي من العيب
عيبي لهم بالظن مني لهم
ولست من عيبي في ريب
إن كان عيبي غاب عنهم فقد
أحصى ذنوبي عالم الغيب (١٠)
● ويقولها صريحة لصاحبه، ويهدده محذرًا:
لا تلتمس من مساوي الناس ما ستروا
فيكشف الله سترا عن مساويكا
واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا
ولا تعب أحدا منهم بما فيكا (۱۱)
● فإن لم يصغ له تركه ومضى في طريق الأنوار، يبدد ما قد يكون هنالك من بقايا الظلام بنور النصح مع الله الذي أوقده له زين العابدين علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم لما قال:
«إذا نصح العبد لله تعالى في سره أطلعه الله تعالى على مساوئ عمله، فتشاغل بذنوبه عن معايب الناس» (۱۲)
فزين العابدين يجعل معرفة المسلم بعيوبه منحة ربانية، وأنها لكذلك والله.
فإذا قرن التائب سكوته ونصحه لله بدعاء يتضرع في كمل نوره السابع .
ويستحب هنا له أن يكون خلف عبد الوهاب عزام يردد مناجاته ربه:
إن في النفس بغضة لأناس
أصلحني وحبينهم آليًا
واغسل الحقد والهوى من فؤادي
واجعلني لكل حق وليًا (۱۳)
يقول آمين، وينطلق من فوره بعد ذلك لإتمام أنواره، ويندفع نحو ومضات:
النور الثامن، وهو: صون الأذن عن استماع الغمز
فيدعها في عافية من بعد ما عافي لسانه من تتبع زلات الناس وانتبه لعيوب نفسه إذ:
« ليس من جارحة أشد ضررًا على العبد- بعد لسانه- من سمعه، لأنه أسرع رسول إلى القلب، وأقرب وقوعًا في الفتنة» (١٤)
فسمعك صن عن قبيح الكلام
كصون اللسان عن النطق به
فاتك عند استماع القبيح
شريك لقائله فانتبه (١٥)
وهذا ما يستدعيه التعجل الإيماني المستحب للسائر في طريق الأنوار، فإن استماعه للهماز يضيع عليه وقته الثمين إن لم يضره، ويفوت عليه الالتذاذ بمنظر شروق:
النور التاسع الساطع ببريق: المساررة في نصيحة القادة
● فلما لم يعط النبي صلى الله عليه وسلم جميل بن سراقة الضمري رضي الله عنه شيئا من المال، وهو المهاجر المجاهد، وأعطى من هو دونه وظنها سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إهمالا الجميل، وأراد توثيقه قام إلى النبي صلى الله عليه وسلم مقترحًا.
قال سعد:
«فساررته فقلت: مالك عن فلان ، والله إني لأراه مؤمنًا !
قال: أو مسلمًا» (١٦)
فذكر ابن حجر أن هذا الحديث يتضمن من الفقه:
« إن الأسرار بالنصيحة أولى من الإعلان»
قال:
«وقد يتعين إذا جر الإعلان إلى مفسدة» (۱۷)
● ولما طلبوا من أسامة بن زيد رضي الله عنه أن يكلم بعض الأمراء حول أمر ضجروه منه قال:
«إنكم لترون أني لا أكلمه؟
إلا أسمعكم إني أكلمه في السر دون أن أفتح بابا لا أكون أول من فتحه» (۱۸)
فأخبرهم أنه لم يغفل عن ذلك، وأنه كلمه، ولكن في السر، خوفًا أن يستغل أهل الأهواء كلامه، فيتخذونه ذريعة إلى الفتن والمفاسد.
فلهذا يسمى هذا النور نور أسامة، وما زال يتولى إيقاده من دعاة اليوم كل أسامة.
● ولا تعن سفاكًا!
ويصور لنا أبو معبد عبد الله بن عكيم الجهني، وهو أحد قدماء التابعين المخضرمين الثقات ممن أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، مبلغ اساه وندمه وحسرته على كلمات تفوه بها زمن عثمان رضي الله عنه نصحه بهن جهارًا، يظن أن فيه مساوئ، وحاشا الراشد الثالث من المساوئ، فتلقف كلماته أصحاب الأغراض، واستباحوا دمه الشريف بهن وأمثالهن.
وراموا دم الإسلام لا من جهالة
ولا خطأ، بل حاولوه على عمد
ففي حلقة دراسية انعقدت في المدينة لتدريب وتفقيه الجيل الجديد من رجال دولة الإسلام المكلف باستدراك ما صنعته الفتنة حاضر عبدالله بن حكيم، وطفق يلخص لهم تجارب المخلصين، فقال:
«لا أعين على دم خليفة أبدًا بعد عثمان»
وكانت كلمة مثيرة منه حقًا.
وتأخذ الجميع أطراقة، فما ثم إلا عيون تتبادل النظر مستغربة ما يقوله الرجل الصالح.
ما لهذا الشيخ البريء المؤمن الذي لم يرفع في وجه عثمان سيفًا أبدًا يتهم نفسه ويلومها على ما لم يفعل؟
وينبري جريء لسؤاله :
« يا أبا معبد أو أعنت على دمه»
فيقول:
«إني لأرى ذكر مساوئ الرجل عونًا على دمه» (۱۹).
فهو يتهم نفسه بجزء من دم عثمان لأنه رأى بأم عينه كيف أن ما ظنه وقام في نفسه من انه الحق قد أدى إلى استغلال الرعاع له حين تكلم به، وكيف طوروه حتى قتلوا عثمان رضي الله عنه.
إنها حساسية النفس الصادقة في توبتها ينطق بها ابن عكيم، مع أنه ما كان يكره عثمان حين تفوه بتلك الكلمات، فإن ابنه يقول: «كان أبي يحب عثمان» (۲۰)
وهذا يقتضي أنه قال كلماته الناقدة بلهجة المحب وما فيها من الرفق واللين، ومع ذلك نتج عنها من المفاسد ما نتج، فكيف لو انضاف إلى علانية النقد لفظ رديء وعبرت عنها لهجة عنيفة؟
إن الجيل الجديد من رجال دعوة الإسلام الحديثة - إذ هو ينفقه اليوم في حلقاته الدراسية لاستدراك ما صنعته فتن الأمس- مدعو إلى ملاحظة المغزى العظيم المهم لقصة عبد الله بن عكيم، وتجربته الصادقة لا تكن ساذجًا أيها الداعية، فإنها تحريشات من حولك لسفك دم الدعوة احذر، والتفت إلى عيب نفسك، وصن سمعك، وسأرد بنصيحتك ونقدك، ولا تعن بلسانك.. إنه دم الدعوة.
(۱) (۲) تاريخ بغداد ٥/٣٣٤/٣٧٠.
(٣) (٤) طبقات الشعراني ١/٦٤/٦٣.
(5)حلية الأولياء ١٠/١١٨.
(6)عيون الأخبار لابن قتيبة ٢/١٤.
(٧)حلية الأولياء ٤/٢٤٩.
(٨)مفتاح دار السعادة لابن القيم ١/١٦٨.
(٩)فضل الله الصمد شرح الأدب المفرد للبخاري ٢/٤٨.
(١٠) تاریخ بغداد ١٠/٨٣.
(١١)عيون الأخبار ٢/١٨.
(١٢)طبقات الشعراني ١/٢٧.
(١٣)ديوان المثاني /۹۷.
(١٤)رسالة المسترشدين /۱۲۲.
(١٥)أدب الدنيا والدين للماوردي/ ٢٥٧.
(١٦)صحيح البخاري ٢/١٤٧.
(١٧)فتح الباري طبعة البابي ١/٨٨.
(١٨)صحيح البخاري ٤/١٤٧.
(١٩)رواه البخاري في تاريخه الكبير ج/ق ١/٣٢ بسند صحيح وابن سعد في الطبقات ٨٠/٣.
(٢٠)تهذيب التهذيب ٥/٣٢٤.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل