; إسلام.. موجه! | مجلة المجتمع

العنوان إسلام.. موجه!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 07-سبتمبر-1971

مشاهدات 91

نشر في العدد 76

نشر في الصفحة 3

الثلاثاء 07-سبتمبر-1971

إسلام.. موجه!

 على طريقةِ الاقتصادِ الموجهِ.. والديمقراطية الموجهة تريد القوى العالميةُ المناوئةُ للإسلامِ أنْ تجعلَ الإسلامَ «دينًا موجهًا!»؛ فالاقتصادُ الموجهُ يخدمُ مصالحَ اقتصادية وسياسيةً معينة تريدُ دولةٌ ما أنْ تحققها، والديمقراطية الموجهة تخدمُ أوضاعًا سياسيةً واجتماعيةً بذاتها.. سواءً كانَ بقاء هذهِ الأوضاعِ مرتبطًا بزعامةِ فرد.. أو باستراتيجيةٍ دوليةٍ.. أوْ بقتلِ شعبٍ ما بالكبتِ والحرمانِ من الحرياتِ الحقيقيةِ تحتَ شعار: الديمقراطية الموجهة.

 وفي منطقتنا هذه يريدونَ أن يطبقوا نفس النظريةِ على الإسلام.. أن يكونَ «إسلامًا موجهًا» يخدمُ مصالح اقتصادية، وسياسية، وعقائدية، واجتماعية للقوى العالمية الحريصة كل الحرصِ على عدم قيام نهضة إسلامية أصيلة.

 لقدْ تحدثَ مايلزْ كوبلاندْ في كتابهِ «لعبة الأمم» عنْ استراتيجيةٍ «تحويلِ المجاري» وتنفيس الطوفان بطريقةٍ يسهلُ التحكمُ فيها، وسياسة تحويلِ المجاري تعتمدُ على رصدِ الاتجاهاتِ الشعبيةِ.. وربما الاتجاهات التاريخية أيضًا.. وبعد عمليةِ الرصدِ يتضحُ أن هناكَ ثلاثة حلول:

 • أنْ يتركَ المجرى ليبلغَ غايته.. ومنْ ثمَّ، تندفعُ حركة التغييرِ الأصيلةِ إلى غاياتها دونَ عوائقَ.. وبلا تضليلٍ.

• أوْ أنْ يردمَ المجرى، أو يحجزُ تدفقهُ.. وهذا أمرٌ محفوفٌ بالمخاطرِ إذْ إن حجز المياهِ لا يعني سوى تزايدِ كمياتها باستمرار؛ لتضغط في النهايةِ على الحاجز، فيحدثُ الطوفان.

 •أوْ أنْ يحولَ المجرى، ويدفع في طريق تختاره القوى العالمية الشريرة؛ بمعنى أن مسيرةَ حركةِ التغييرِ تضلل.. ويحرف اتجاهها، والحلُ الأخيرُ هو الذي اختاره طغاةُ العالمِ ومفسدوه، وواضح أن الإسلامَ قد انتعش نسبيًّا -رغمَ كلِ شيءٍ- في السنواتِ الأخيرةِ وظاهرةُ الانتعاشِ تردُ إلى أكثرَ منْ سببٍ.

 ففشلَ كلُ محاولاتِ النهضةِ -بغيرِ الإسلامِ- جعلتْ الناسَ يكفرونَ بالشعاراتِ والاتجاهاتِ الغريبةِ.. الوجه، والقلب، الأجنبية، الوجهة، والمصلحة، والهدف.. وقيام إسرائيل على أساس ديني جعل الشعوب تفكر في هذا الأمرِ، وتشكُ في الذين يدعونها إلى حجر دينها، وهي ترى أن عدوها ما جاءَ إلى بلادها إلا لتحقيقِ وعودِ التوراةِ المزعومةِ! والهزائمِ الماحقةِ التي تمتْ في مناخِ الرذيلةِ والتمردِ على اللهِ جعلتْ جماهيرَ غفيرةً تقبلُ على الإسلامِ منْ جديدٍ.. سواءً كانَ الإقبالُ بعاملَ مردِ الفعلِ الطبيعي -أو بسببِ وعيٍ جديدٍ لأسبابِ الهزائمِ المتكررةِ، إذن هناكَ اتجاهٌ شعبي ينعطفُ نحوَ الإسلامِ بقوةِ؛ فهل يتركُ هذا الاتجاهِ مندفعًا في مجراه الطبيعي.. ليبلغ غايتهُ؟؟ لا.! إن تركَ هذا الاتجاهِ يمضي بقوةٍ وأصالةٍ يعني -في نظرِ القوى العالميةِ المناوئةِ للإسلام- قيام نهضةٍ إسلاميةٍ شعبيةٍ جادةٍ.. وقيام هذهِ النهضةِ يبطلُ كل حساباتهم وتقديراتهمْ.. فخطأُ بناءِ مصالحهمْ على أنقاضِ الإسلامِ يجعلهم يتصورونَ أن وجودًا إسلاميًّا حقيقيًّا في المنطقةِ؛ إنما هوَ تهديدٌ مباشرٌ لهذهِ المصالحِ، ودفنَ هذا الاتجاهِ أمر غيرُ ممكن؛ ذلكَ أنَ الاتجاهَ المرتبط بزعيمٍ أوْ بمجموعةٍ لا يهمها غيرَ السلطةِ يمكنُ جدًّا أنْ يدفنَ عنْ طريقِ تحويلِ الزعيمِ أوْ المجموعة إلى عملاءَ.. أما الاتجاهاتُ الشعبية العامة والتلقائيةُ فمنْ العسيرِ دفنها؛ لأنه من العسيرِ تحويل الشعوبِ كلها إلى عملاءَ، وباستبعادَ الحلينِ الآنفينْ يصبح أمام طغاة العالم ومفسديهْ الحلُ الثالث فحسب؛ وهوَ: تحويلُ المجرى.. وتضليل الاتجاهِ، ففجأةً كَثرَ الحديث عنْ الإسلامِ.. وارتفعتْ شعاراتٌ سيقَ إلى السجنِ واقتيدَ إلى المشنقةِ منْ رفعها منذُ سنواتٍ... فلماذا؟

إن المقياسَ الحقيقيَ لصدق منْ يرفعُ شعاراتٍ إسلاميةً هوَ: جديتهُ في عملٍ حقيقي للإسلامِ داخلَ المجتمعاتِ وأجهزةِ الحكمِ، والواقعُ أن الشعاراتِ المرفوعةَ غير مقترنةٍ بعملٍ حقيقيٍ منْ أجلِ الإسلامِ.. ولا بخطةٍ واضحةٍ تنزعُ بالمجتمعاتِ، وتتدرجُ بها إلى حياةٍ إسلاميةٍ تخرجها منْ الظلماتِ إلى النور.

 إن الإسلامَ مفصولٌ عنْ أنظمةِ الحكمِ عمدًا.. ومعَ ذلكَ تبررُ إجراءاتِ الأنظمةِ وخطواتها وسياساتها «إسلاميًّا» والتغييرُ الاجتماعي يتمُ بعيدًا عن الإسلامِ، وإذا رأينا شعارات إسلاميةٌ ترفعُ دونَ أنْ يكونَ لها مدلولٌ حقيقي في الواقعِ.. ورأينا اتخاذَ الإسلامِ «مبررًا» دينيًّا لسياساتٍ وأوضاعٍ تمتْ في غيبتهِ.. بلْ في جو عدائي لهُ.. ورأينا التغييرَ الاجتماعي يجري بعيدًا عن الإسلامِ، وفلسفتهِ، وشرائعهِ، وأهدافه.. فإن موجةَ الشعاراتِ الإسلاميةِ المفاجئةِ لا تخدمُ عندئذٍ الإسلامَ في شيءٍ؛ وإنما تخدمُ مصالحَ اقتصادية وسياسية وفقَ الطريقةِ الجديدةِ.. طريقةٌ «إسلام موجه».

وبرصدَ فصولِ استراتيجيةِ القوى العالميةِ في الحقبةِ الأخيرةِ تتضحُ الصورةُ أكثرَ.. فبعدَ رحيلِ الاستعمارِ بدأتْ موجة التغريبِ الاجتماعي والثقافي والفكري.. بيدَ أن رد الفعلِ أوْ حداثةِ عهدِ الناسِ بكراهيةِ الاستعمارِ أدتْ إلى اتجاهِ الناسِ نحوَ مقوماتهم الأصيلةِ.. وفي أكثرَ منْ بلدٍ إسلامي قامتْ حركات إسلامية جادة أثرت تأثيرًا واضحًا في الحياةِ العقليةِ، والثقافيةِ، والاجتماعيةِ في تلكَ البلدانِ، ثم طرحتْ شعارات القوميةِ.. واستغلتْ لخدمةِ مصالحَ دوليةٍ في مرحلةٍ لا يصلحُ فيها إلا الشعارات القومية.. وعلى أنقاضِ لافتاتِ القوميةِ برزتْ شعارات الاشتراكيةِ والشيوعيةِ.. واستغلتْ كذلكَ لخدمةِ مصالحَ دوليةٍ في مرحلةٍ أصابوا فيها أكثُر منْ عصفور بحجرٍ واحدٍ: تشويه الشيوعيةِ وتنفير الناسِ منها.. وضرب الإسلام وتخريب عقائدهِ بالفكرِ الماركسي.. وتغليفَ المصالحِ والمطامعِ بسياسةٍ معاديةٍ -في ظاهرها- للمصالحِ والمطامعِ!! وبعدَ الردةِ الواضحةِ إلى اليمينِ عمدوا إلى استغلالِ الإسلامِ في هذه المرحلةِ، ويريدون أنْ يضعوه في خدمةِ مصالحهم ومآربهم، وهذا المكرُ ليسَ ابتكارًا عصريًّا؛ فقدْ عرفنا القرآنُ أن أقوامًا حاولوا أنْ يحققوا مصالحهم وأغراضهم.. وأنْ يضربوا الإسلام في نفسِ الوقتِ.. تحتَ شعارات وشعائرَ إسلاميةٍ ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ ۖ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ.  لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ.  أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.

الرابط المختصر :