; إلامَ ندعو وكيف؟ | مجلة المجتمع

العنوان إلامَ ندعو وكيف؟

الكاتب محمد عبد العزيز جبر

تاريخ النشر الثلاثاء 15-أغسطس-1972

مشاهدات 102

نشر في العدد 113

نشر في الصفحة 15

الثلاثاء 15-أغسطس-1972

الدعوة إلى الله، دعوة من عند الله، فينبغي ألا تكون إلا لله، وأن يسلم الداعون أمرهم إلى الله، وألا يلتزموا إلا بأمر الله، وألا يهتدوا إلا بهديه، ويعلموا أن ليس لهم الخِيَرَةُ بعد حكم الله ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (سورة الأحزاب: 36)، الدعوة إلى الله حق خالص لله، فليس لأحد أن يخط فيها خطًّا إلا اتباعًا لأمر الله، وليس لأحد أن يدَّعي دعوى إلا أن يأتي عليها بشاهد من كتاب الله، أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الدعوة إلى الله ليس فيها مكان لهوى مدعٍ، ولكن التزام داعٍ، وليس فيها مكان لتجديد مبتدع، ولكن اجتهاد متبع، غايتُهم ببيان الله، وخـطُّ طريقِهم بوحي الله، فيما جاء به رسول الله، ومضوا عليه بأمر الله .

فلا خيار من بعد ولا مراء.

أقول ما قلت، لأنني أجهر بقوة، بأن الدعوة قد ابتليت من بعض أهلها بمن أصابها بالعجز والركود، لقصور في إدراك الغاية، وانحراف عن سلوك المنهاج، فمكنوا لأعدائها منها بحسـن نية، فكيلت لها الضربات تلو الضربات، ولولا عناية الله، لما بقي داعٍ إلى الله.

أقول ذلك، وأطالِب نفسي بالدليل قبل أن أطالَب به.

بيان الغاية..

إن الدعوات الإلهية كلها من مبدئها إلى منتهاها تتلخص في كلمة واحدة، هي الغاية القصوى التي عليها مدار الرسل أجمعين ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ ﴾ (سورة النحل: 36). وما عدا ذلك، فوسائل مؤديات إلى تلك الغاية القصوى.

ولم يأل إمامنا الشهيد حسن البنا رحمه الله جهدًا في بيان الغاية ورسم المنهاج، وكذلك خليفته من بعده أكرمه الله، وأستاذنا الشهيد سيد قطب رحمه الله، فكلهم والحمد لله على فقه كبير، وبصيرة نافذة، وقد بلغوا الرسالة، وأدوا الأمانة، فجزاهم الله خيرًا.

وإنما البلاء جاء من خلافهم، وكذلك شأن البشر مع كل من جاءهم بالحق من ربهم حتى أتباع الرسل، خالفوا أنبياءهم فذاقوا وبال خلافهم، ولنا فيما أصاب المسلمين بأُحُدٍ عظة وعبرة، وفي خلافهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية ما تتبدى معه طبيعة البشر من إنكار ما خفيت عليهم ثمرته، ودقت حكمته، وغابت سرائره.

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ۖ  وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ ( سورة النساء : 66-٦٨).

قرأت لكاتب إسلامي في مجلة «المسلمون» مقالة افتتاحية بعنوان «من الأصيل ومن العميل» وذلك في عدد من أعداد سنة ١٩٦٢ ولا أذكر رقمه، قال: -والرواية هنا بالمعنى- إن الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله اجتمع بطلبة الإخوان في الجامعة في عام ١٩٤٦ إبَّان اشتداد الحركة الوطنية ضد الإنجليز، وكانت مطالبهم أن يأذن لهم مرشدهم بالاشتراك في الحركة الوطنية والمظاهرات، فقال لهم إمامنا الشهيد: «أيها الإخوان إنكم على ثُغرة ليس عليها غيركم، بينما ثُغرة الوطنية عليها كافة الأحزاب السياسية، فلا تصرفوا جهودكم عن أصل دعوتكم فتغرقوا في دوامة الوطنية وتنسوا ما خلقتم من أجله» وطال الجدال ولـم يقتنع الشباب الثائر وقالوا إذا لم نشترك سنُتَّهَمُ بالعمالة للاستعمار، وفي النهاية سمح لهم حسن البنا رحمه الله بالاشتراك، ولكن بصفتهـم الفردية لا باعتبارهم «جماعة الإخوان» وخرج وهو مشفق من هذا (الترخص) البسيط، وخرجوا وهم غير راضين عن هذا الإذن المحدود.

ويروي الكاتب في نفس المقالة عن الشهيد حسن البنا قوله: «أشد ما أخشى على الدعوة، هؤلاء الإخوان الذين دخلوا إليها من باب (تحيا مصر)«

هذا ما كان من أمر حسن البنا رحمه الله، أما ما وقع من خليفته أكرمه الله، فأشهر من أن يذكر، غير أني أذكر واقعة واحدة هي حسبي في الاستشهاد على ما أقول من فقه أئمتنا في مقصود دعوتنا، ونفاذ بصيرتهم في أسلم طرائقنا.

حين اختير حسن الهضيبي مرشدًا عامًّا للإخوان؛ كانت أول كلمة قالها في أول خطبة له: «أيها الإخوان اتقوا الله» وقال: «لا تهتموا بالسياسة كثيرًا»، وقد كنت حاضرًا في ذلك الجمع وسمعت تلك الكلمات بنفسي وأثارت هذه الكلمة التي ألقاها المرشد في جموع الإخوان المتلهفة على سماع أول كلمة من خليفة حسن البنا، وفي الوقت الذي ألغيت فيه معاهدة ١٩٣٦ واشتعلت فيه الثورة المسلحة ضد الإنجليز، في هذا الوقت يستنكر طائفة من الإخوان أن يقول لهم مرشدهم في أول كلمة يوجهها إليهم «أيها الإخوان اتقوا الله».

فإن قلت: لمَ كان هذا القصور عن إدراك الغاية، والانحراف عن الالتزام بالوسيلة حتى خالف فيهما من خالف؟ أقول: أما الغاية فلدقة معناها، وبُعد مرماها.

وأما الوسيلة فلمشقة الالتزام بها والسير على نهجها حتى لَتحتاجُ إلى أصحـاب العزائم.

وسأبين ذلك إن شاء الله، فأفصّل ما أجملت، وأوضح ما أبهمت، والله المستعان.

1-   إلامّ ندعو..

قال تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (سورة الذاريات: الآية 56)، وقال سبحانه ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (سورة الأنعام: الآية 162، 163).

تجرد كامل لله، وفناء تام فيه، وإسلام وخضوع إليه، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (سورة الذاريات: الآية 56)  وحسبُ .. أما ما عدا ذلك، فشرعة ومنهاج، أي طريق وسنة، أي وسيلة إلى تحقيق الغاية الكبرى، عبادة الله، أو توحيده، أو معرفته، قل ما شئت، فالمعنى واحد، والألفاظ متعددة.

تأمل يا أخي قول إبراهيم الخليل عليه وعلى أنبياء الله أفضل الصلاة والسلام.. تأمل قوله وهو العارف بربه ﴿رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ﴾ (سورة إبراهيم: الآية 37)، انظر قوله عليه السلام: ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ (سورة إبراهيم: الآية 37)، فكأنه ما جاء بهم إلى ذلك الوادي السحيق إلا لغاية وحيدة ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ (سورة إبراهيم: الآية 37).

غير أن تحقيق تلك الغاية يحتاج إلى وسائل، يحتاج إلى مجتمع متعاون ﴿فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ﴾ (سورة إبراهيم: الآية 37). ويحتاج الى ضرورات مادية ﴿وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ﴾ (سورة إبراهيم: الآية 37).

الحمد لله .. الآن يمكن أن تتحقق الغاية بتحقق مقدماتها ولكن، هل العبادة هي  تلك الشعائر التعبدية من صلاة وصيام وزكاة وحج؟ أم هي أمر آخر وراء ذلك كله؟ الحق أن العبادة أرفع من مجرد ذلك وأبعد، إن الشعائر التعبدية (جسد) حياته (المشاعر الروحية)، إن الشعائر التعبدية (صورة) حقيقتها (التذلل إلى المعبود).

إن الشعائر التعبدية (مرکب) سِرُّه (الوصول إلى المعبود).

وبهذا يتبين لنا سر تفسير بعض العلماء قوله تعالى: «ليعبدون»  بمعنـى «ليوحـدون» وقيل : «ليعرفون».

ولأن الدعاء يجتمع فيه معرفة أنه لا إله إلا الله، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، والإيمان بأنه لا نافع ولا ضار إلا الله، وأنه لا يأتي بالحسنات إلا الله، ولا يُعرف إلا الله، لهـذه المعاني وغيرها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدعاء مخ العبادة».

وما لم تتمكن تلك المعاني من فكر الداعية، وتستقر تلك الغاية في أعماق قلبه، وتشرق حقائقها في طوايا روحه، فلن يبلغ أن يكون داعية إلى الله ومن لا يعرف الله، فكيف يدل الناس على الله؟

وحوار الإسلاميين اليوم حول (تقنين التشريع الإسلامي) الذي يرفضه مفكرون إسلامیون بشدة، هذا الحوار ناشئ عن عدم إدراكهم لأعماق هذه الغاية وعدم إشراقها في قلوبهم.

والقلب إذا صفا ورق، أشرقت فيه أنوار المعرفة، وتفجرت منه ينابيع الحكمة؛ ولشرف هذه الغاية، ورفعة شأنها، ما دعا رسل الله أول ما دعوا إلا إليها: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ ﴾ (سورة النحل: الآية 36). ولشرف هذه الغاية ورفعة شأنها، خلق الله السموات والأرض من أجل تحقيقها ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ (سورة الملك: الآية 2) ولشرف هذه الغاية ورفعة شأنها، ما قامت السموات والأرض إلا بقيامها في قلب المؤمن، ولن تزول السموات والأرض حتى تزول تلك الحقيقة من قلوب الناس، يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض، الله، الله» (رواه مسلم).

فإذا انعدم الإيمان من القلوب، ولم يبق في الأرض من يعرف الله، كانت هنالك النهاية.

فتأمل يا أخي يرحمني الله وإياك، وانظر أین نحن من فهم تلك الغاية.

فإن قلت: فما هي دقائق هذه الغاية، وما هي حقائقها؟

أقول: كثيرًا ما تختلط الغاية بالوسيلة أو كثيرًا ما نخلط بين ما هو غاية في نفسه، وبين ما هو غاية بالقياس إلى غيره، فنعتقد مثلًا أن عبادة الله وسيلة لنشر دين الله، بينما الحق أن نشر دين الله هو الوسيلة لعبادة الله.

وكثيرًا ما نعتقد أن الحكم بما أنزل الله غاية الدعاة إلى الله، والحقيقة أن الحكم بما أنزل الله وسيلة لتحقيق عدل الله، وإعلاء كلمة الله.

وإذا تحقق عدل الله في الأرض، وعلت كلمته، أمكـن للناس أن يعبدوا الله على اطمئنان، ويقيموا شعائر الإسلام في أمان.. ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ ( سورة الحج: الآية 41).

أ- بناء الجماعة الإسلامية غاية.

 ب- وإقامة الدولة المسلمة غاية.

ج-  والجهاد في سبيل الله غاية.

د- ونشر دين الله في الأرض غاية.

نعم.. ولكنها غايات لما دونها، مقدمات لما فوقها، وكلها مقصودة لتحقيق الغاية الكبرى ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ ﴾ ( سورة النحل: الآية 36 )، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله»، وهو وجه تفسير من فسر العبادة بالتوحيد والمعرفة.

بناء الجماعة المسلمة غاية ووسيلة.

غاية.. حين نعمل على إیجادها.

ووسيلة.. حين نعبر منها إلى إقامة الدولة المسلمة..

والدولة المسلمة غاية ووسيلة..

غاية لحزب الله... ووسيلة للحكم بما أنزل الله..

والحكم بما أنزل الله غاية ووسيلة..

غاية لحكومة الله.. ووسيلة لتحقيق عدل الله.

وجهاد أعداء الله، غاية لجند الله، وهو وسيلتهم لإزالة الطواغيت عن طريق دعوة الله، لإعلاء كلمة الله.

وإعلاء كلمة الله غاية الجهاد في سبيل الله، ووسيلة لتمكين عباد الله من عبادة الله، أي توحيده ومعرفته والوصول إليه.. فالعبادة بهذا المعنى غاية الغايات..

فمن ظن أنها وسيلة لدخول الجنة، فذلك جزاء وليس بغاية ..

ومن ظن أنها وسيلة لرضوان الله، رضوان الله من ثمار العبادة، ومن مقدماتها كذلك.. وليس شيئًا غير ذلك..

ومن ظن العبادة وسيلة لتزكية النفس وطهارتها، فقد قلب الحقائق والتبست عليه الأمور، فتزكية النفس وطهارتها شرط استعدادها لابتداء معرفة الله، بالتصديق بظاهر قول (لا إله إلا الله) ثم على قدر التزكية تكون المعرفة، معرفة الله، أي توحيده ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾(سورة الأنعام: الآية 125).

ألم تر كيف ألهم الله رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم بالخلوة في غار حِراء يتعبد اللياليَ الطوالَ أي يطلب المعرفة فيسعى بالخلوة إلى التجرد الكامل لله، والفناء التام فيه، وتزكية القلب عن كل ما سواه، حتى أشرقت فيه أنوار النبوة بإذن الله، ونزل عليه جبريل بالوحي بأمر الله وصدق الله العظيم ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ۗ وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو كنتم في بيوتكم كما تكونون معي لصافحتكم الملائكة».

ولعل شكًّا يخامر القلوب مما أقول ولا تثريب، فقد انحسر معنى العبادة في النفوس إلى مجموعة من الشعائر التعبدية؛ تؤدى غالبًا في غيبة القلب عن الحضور، فكيف نجعلها غاية الغايات؟

الحق أن العبادة في حقيقتها وسرها هي (معرفة الله) وأدنى مراتب المعرفة، الإيمان بظاهر معنى لا إله إلا الله، وبهذا القدر من المعرفة ينجو عامة المسلمين من العذاب إن صلحت أعمالهم، أو يعذبون ما شاء الله إن أساءوا فـي دنياهم «أخرجوا من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان»، وفوق هذا من درجات الإيمان والمعرفة ما لا يحصيه إلا الله ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (سورة يوسف: الآية 76).

ولعلنا ندرك الآن سر قول عمر رضي الله عنه: «لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان العالمين لرجح» (رواه البيهقي في الشعب بسند صحيح )

أرأيت يا أخي.. لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان العالمين؛ وفيهم عمر وعثمان وعلي.. لرجح.. أي لزاد إيمانه على إيمانهم.

تُرى بماذا..؟ أبشعائر يؤديها فاقت ما يؤدون..؟

لا وربي، فلو قام ليلَه لا يَفتُر، وصام نهاره لا يفطر، لوُجِد من عامة المسلمين من يساويه في عبادته..

ولكنها المعرفة بالله، وإليها أشار أبو بكر بن عبد الله المزني بقوله رحمه الله: «ما فَضَلَ أبو بكر الناسَ بكثرة صلاة ولا صيام، ولكن بسِرٍّ وقر في صدره».

وبهذا السر الذي وقر في صدره، ثبت رضي الله عنه حين زُلزل الصحابة زلزالًا شديدًا بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم..

وبهذا السر الذي وقر في صدره، أصر على إنفاذ بعث أسامة لحرب الروم؛ والمسلمون في المدينة في أشد الحاجة إلى رجل واحد.

وبهذا السر الذي وقر في صدره أصر على حرب من منع عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

وما هذا السر الذي وقر في صدره رضي الله عنه إلا معرفته أنه (لا إله إلا الله) معرفة شهودية، تلاشت معها الأشياء، وانمحى الشركاء، فلم يعد يرى في الكون فاعلًا إلا الله، ولا معبودًا إلا هو، ولا حُكمًا إلا له، ولا رغبة ولا رهبة إلا له ومنه.

بهذا التوحيد الخالص، وبهذه المعرفة الشهودية اليقينية، لم يهتز لانتقـال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، لأنه ما كان يرى إلا الله، أما رسول الله فكان رسولَ الله، ولذلك تلا ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ  وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ ﴾ (سورة آل عمران: الآية 144).

ولقد كان عمر والصحابة رضوان الله عليهم يعرفون ذلك ويوقنون أنه لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، غير أن تلك المعرفة لو وزنت بمعرفة الصديق لرجح إيمان الصديق ورضي الله عـن الجميع، وهذا سر ثباته وزلزالهم وبصيرته ودهشتهم.

وهكذا تُظهر الأحداثُ الجسامُ ما في قلب كل إنسان، والله يختص برحمته من يشاء ويصطفي من عباده من يشاء، ما كان لهم الخيرة.

وكان عمر رضي الله عنه يعرف ذلك له ويُجِلُّه لأجله، ويقدمه على نفسه .

وبهذا السر ينتصر المؤمنون إذا وقر في صدورهم، وانطوت عليه قلوبهم، وتحركت به جوارحهم ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ (سورة محمد: الآية 19).

 

الرابط المختصر :