العنوان ابن تيمية.. والتكفير!
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 15-أغسطس-2009
مشاهدات 83
نشر في العدد 1865
نشر في الصفحة 22
السبت 15-أغسطس-2009
هذه كلمات قلائل كتبها كل من: الأستاذ الدكتور محمد
عمارة «المفكر الإسلامي» الكبير، والدكتور عائض القرني الداعية المعروف، والشيخ
الدكتور عبد الله الغصن، عن الإمام ابن تيمية ومنهجه وفكره، وهي غيض من فيض.. ترد
على أباطيل المبطلين وأراجيفهم الظالمة بحق هذا الإمام، كما ترد على الفرية التي
يروج لها هؤلاء باتهامه- ظلمًا -بالمسؤولية عن شيوع التكفير.
«الناس أعداء لما يجهلون».. دائمًا أتذكر هذه الحكمة
كلما قرأت لأحد من الجاهلين بتراث شيخ الإسلام «ابن تيمية» (٦٦١-٧٢٨هـ /
١٢٦٣-١٣٢٨م) اتهامه لهذا الإمام المجدد بأنه المسؤول عن شيوع نزعة «التكفير» في
فكرنا الإسلامي الحديث والمعاصر.
ولو
أن أحدًا من هؤلاء الذين يتهمون «ابن تيمية» بهذه التهمة الظالمة قرأ تراث هذا
الإمام المجدد لما اتهمه بهذه التهمة، بل لو أن أحدًا من الذين يسارعون إلى تكفير
من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله قرأ وفقه ما كتبه «ابن تيمية» في
هذا المقام لما شاعت آفة التكفير وفتنته على النحو الذي نشكو منه هذه الأيام!
لقد
كتب ابن تيمية في رفض
المسارعة إلى التكفير كلامًا نفيسًا؛ عرض فيه لمذهبه والمذهب أئمة أهل السنة
والجماعة، قال فيه:
«والذي
نختاره ألا نكفر أحدًا من أهل القبلة، والدليل عليه أن نقول: إن المسائل التي
اختلف أهل القبلة فيها، مثل: هل الله عز وجل عالم بالعلم أم بالذات؟ وهل الله جل
شأنه موجد لأفعال العباد أم لا؟ وهل الله سبحانه وتعالى متحيز؟ وهل الله جل وعلا
في مكان وجهة؟ وهل الله سبحانه مرئي أم لا؟
لا
تخلو «هذه المسائل» إما أن تتوقف صحة الدين على معرفة الحق فيها أو لا تتوقف، والأول
باطل؛ إذ لو كانت معرفة هذه الأصول من الدين لكان الواجب على النبي ﷺ أن يطالبهم بهذه المسائل، ويبحث عن كيفية اعتقادهم فيها، فلما لم
يطالبهم بهذه المسائل، بل ما جرى حديث عنها في زمانه ﷺ ولا في زمان الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، علمنا أنه لا يتوقف
صحة الإسلام على معرفة هذه الأصول، وإذا كان كذلك لم يكن الخطأ في هذه المسائل فادحًا
في حقيقة الإسلام، وذلك يقتضي الامتناع عن تكفير أهل القبلة..».
وبعد
أن أثبت «ابن تيمية» بالمنطق العقلي أن المسائل التي اختلف فيها المسلمون لا تمس
حقيقة الإسلام، ومن ثم فلا تكفير لفرقاء الخلاف فيها، تحدث عن أن «الكفر حكم شرعي
يتلقى عن صاحب الشريعة، والعقل قد يعلم به صواب القول وخطأه، وليس كل ما كان خطأ
في العقل يكون كفرًا في الشرع، كما أنه ليس كل ما كان صوابًا في العقل تجب في
الشرع معرفته.. وإنما الكفر يكون بتكذيب الرسول فيما أخبر به أو الامتناع عن
متابعته مع العلم بصدقه..».
هكذا
قطع ابن تيمية بأن التكفير
حكم شرعي لابد فيه من نص، ولا يصح أن يكون ثمرة للاجتهادات، ثم أضاف ما يقطع بأن
هذا هو مذهب أئمة أهل السنة والجماعة، فقال: «وقد نقل عن الإمام الشافعي (١٥٠-
٢٠٤هـ/ ٧٦٧-٨٢٠م) رضي الله عنه أنه قال: «لا أرد شهادة أهل الأهواء إلا «الخطابية»
«من غلاة الشيعة» فإنهم يعتقدون حل الكذب، أما الإمام أبو حنيفة (٨٠-١٥٠هـ /
٦٩٩-٧٦٧م) رضي الله عنه فقد روي عنه أنه لم يكفر أحدًا من أهل القبلة».
هكذا
أعلن شيخ الإسلام ابن
تيمية في كتابه «بيان موافقة صريح المعقول الصحيح المنقول» رفضه تكفير أحد من
الذين يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، لأن مسائل الخلاف التي
اختلف فيها المسلمون لا يتوقف عليها الإيمان بأصول الاعتقاد وأركان الإسلام التي
جاءت بها النصوص قطعية الدلالة والثبوت، ولأن الكفر حكم شرعي لابد فيه من نص محكم،
أو قياس على النص المحكم، ولا يجوز أن يكون كلًا مباحا من الاجتهادات العقلية فضلًا
عن الأهواء، كما أعلن هذا الإمام المجدد أن هذا الموقف الذي اختاره هو موقف أئمة
أهل السنة والجماعة عليهم رضوان الله.
«الهوامش»
(*) نشر بموقع «الألوكة».. المجلس العلمي في ٢٤/٩/٢٠٠٧م