العنوان اتقوا الله في دول الجوار
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يناير-1998
مشاهدات 63
نشر في العدد 1285
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 20-يناير-1998
الافتتاحية
إلى وزراء داخلية الدول العربية
اتقوا الله في الجوار .ولا تعينوا الظالم على ظلمه
أقر وزراء الداخلية العرب في اجتماعهم في تونس مطلع هذا الشهر مشروع الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب والتي تنتظر موافقة وزراء العدل العرب في اجتماعهم في القاهرة في ٢ ٢ أبريل المقبل لتصبح سارية المفعول.
ومن بين ما تنص عليه الاتفاقية تسليم أفراد تبحث عنهم سلطاتهم أو سبق وصدرت أحكام بحقهم. إن مسألة تسليم أشخاص مطلوبين في أقطارهم ترتبط في نظرنا بأمرين اثنين:
1-مبدأ الاحتماء أو الجوار في ظل مبادئ الإسلام والمروءة الإنسانية.
۲ -شرعية الحكم الصادر بحق الشخص المطلوب.
(1)
عرف العرب قبل الإسلام نظام الاحتماء أو الدخول في الجوار وقد دخل النبي جوار المطعم بن عدي حين عودته من الطائف، كما دخل المسلمون المهاجرون إلى الحبشة في جوار ملكها النجاشي الذي أبَى تسليمهم لوفود قريش رغم ما بينه وبين قريش من مصالح اقتصادية وعلاقات سياسية ورغم محاولات التخويف التي حاولت قريش زرعها في قلب النجاشي من هؤلاء المستضعفين، وقد تحرى النجاشي الأمر بنفسه وحين تأكد أن المسلمين مظلومون لا ظالمين... معتدَى عليهم لا معتدين أبَى تسليمهم لقريش، بل رحب ببقائهم وأكرمهم غاية الإكرام. وبعد أن أصبح للإسلام دولة قوية نزلت آية سورة التوبة ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ﴾ وهي تخاطب النبي وكل حاكم مسلم يأتي بعده، يقول صاحب التفسير الواضح في تفسير هذه الآية: ثم أبلغه مكان أمنه وأوصله للدار التي يأمن فيها، إن أسلم أو لم يسلم.
وإذا كان هذا هو الحال مع المشرك المستجير بالمسلم فكيف! إذا كان المستجير مسلما يطلب اللجوء لبلد إسلامي ليأمن على نفسه أو أهله من القتل أو السجن من أنظمة ظالمة لا تحكم بالإسلام؟
لقد آوت المملكة العربية السعودية والكويت ودول عربية أخرى، وعلى الأخص في منطقة الخليج. المسلمين المضطهدين حين كانت تطاردهم أعواد المشانق والأحكام الظالمة التي أصدرتها محاكم لا تعرف معنى العدل، فكسبت هذه الدول الخير وحققت لنفسها مكانة أدبية سامية في نفوس المسلمين، بل لقد منحت بعض الدول حق اللجوء لعلمانيين وماركسيين ويساريين، وأولى من هؤلاء الإسلاميون الذين لم يرتكبوا عنفًا ولم يخططوا لجريمة وكل ذنبهم أنهم مسلمون ملتزمون يدعون إلى الحق ويشجبون الظلم ويدينون الدعوة الجائرة من بعض الدول بتجفيف منابع العقيدة ويطالبون بتحقيق العدالة الإسلامية وأسلمة القوانين وتنشئة الأجيال تنشئة ترضي الله ورسوله.
(۲)
إن كثيرًا من أقطارنا العربية والإسلامية يحكم وفق القوانين الوضعية، بل يحكم بعضها وفق هوى الحاكم ورغبته الفردية المطلقة، وفي هذه الحالات قد يفر أناس من طغيان بعض الحكومات ويلجئون إلى الدول التي يشتركون معها في العقيدة والقيم آملين في مستقر آمن ولكنهم يفاجئون بمن يتعقبهم في الخارج طالبًا إعادتهم بالقوة أو بظاهر القانون بعد أن تكون قد لفقت لهم الاتهامات الكاذبة وصدرت ضدهم الأحكام الجائرة، كثير من الأحكام التي تصدر بحق المطلوبين هي أحكام تحركها أوامر ديكتاتورية ظالمة، وأساسها اتهامات مختلفة، كما أن كثيرًا منها يصدر عن محاكم عسكرية مستعجلة لا تراعى فيها قواعد العدالة ولا يتاح للمتهم أن يدافع عن نفسه، كما أن أحكامها نافذة، لا تقبل الطعن أو النقض، وهذا مما يفقدها أبسط قواعد العدالة، بل هي تمثل انتهاكًا صارخًا للحقوق الإنسان.
فهل من الدين والعدل أن يسلـَّم إنسان آمن في بلد كدول مجلس التعاون الخليجي إلى قُطر يحكم شعبه بالحديد والنار والظلم والجور والتعسف؟ وقد يكون مصير الشخص المطلوب القتل، فلماذا تزج دول مجلس التعاون بنفسها في قتل أبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم مسلمون رفعوا أصواتهم منادين بالعدل؟ ونظرة إلى بعض السجون العربية - حيث تنتهك حقوق الإنسان - نراها مليئة بأبرياء ليس لهم ذنب إلا انتماؤهم الديني وهم لم يقوموا بأي فعل ضد تلك الأقطار الظالم حكامها. لذلك نلح بشدة على دول مجلس التعاون الخليجي ألَّا تدخل في اتفاق يثير عليها مشكلات كثيرة وقد يعرض مصالحها وشعوبها لردود فعل هي في غنى عنها ولاسيما أن أقطارها بعيدة بفضل الله - عن مشكلات العنف والإرهاب.
إن من الحكمة إلا يسلم مظلوم لظالم لأن هذا العمل سيكون بمثابة إعانة للظالم على ظلمه وإذا لم تجد الحكومات المعنية عندها رغبة في إجارة هؤلاء المستجيرين فبوسعها أن تطلب منهم مغادرة البلاد
إلى أي جهة آمنة يحددونها هم، فذلك أقرب إلى أخلاق الإسلام وقيمه الفاضلة وصيانة حقوق الإنسان ..
ندعو الله في هذه الأيام المباركة أن يحفظ الدول العربية والإسلامية ودول مجلس التعاون الخليجي من كيد الكائدين وظلم الظالمين.