العنوان اثنا عشر أستاذًا في العلوم السياسية يحللون: الانتفاضة الفلسطينية
الكاتب أحمد إبراهيم خضر
تاريخ النشر الثلاثاء 15-نوفمبر-1988
مشاهدات 64
نشر في العدد 891
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 15-نوفمبر-1988
البروفيسور «دون بيريز» أستاذ العلوم السياسية بجامعة ولاية نيويورك في «بينهامتون» منذ عام ١٩٦٦ ومدير برنامج الشرق الأوسط بها، كشف النقاب عن اجتماع عقدَه بالقدس اثنا عشر أستاذًا في العلوم السياسية في مارس ۱۹۸۸ تحت إشراف جامعة «بير زيت» لمناقشة قضية الانتفاضة الفلسطينية. كان الاجتماع في أصله -كما يزعم بيريز- مؤتمرًا دعت إليه إسرائيل لمناقشة التأثيرات البعيدة المدى لاحتلالها الأراضي الفلسطينية، كما اعترف بأن إسرائيل خططت لهذا المؤتمر جيدًا.
يقول «دون بيريز» إن القليل من السياسيين الإسرائيليين والقادة العسكريين هم الذين توقعوا أن المظاهرات التي اندلعت ضد الاحتلال الإسرائيلي في ٨ و٩ ديسمبر ۱۹۸۷ هي شيء آخر يختلف عن تلك التي حدثت في العشرين سنة الماضية. تصورت السلطات الإسرائيلية أن ما حدث في الضفة الغربية وغزة يمكن إخماده في أسابيع قليلة وربما في شهر أو شهرين على الأكثر. ولما تخطت هذه المظاهرات الفترة التي قُدرت لها، أدرك إسحق رابين وقادة جيشه أن الأسباب الحقيقية وراءها لا تعالَج إلا بحل سياسي وليس باستخدام القوة العسكرية. ووصل الأمر إلى أن تبنَّى بعض ضباط الميدان وأعضاء في هيئة الأركان نفس المصطلح العربي «الانتفاضة» الذي يستخدمه الفلسطينيون لوصف مجريات الأحداث.
● مسؤول في الأمم المتحدة يتنبأ بالانتفاضة
قبل الانتفاضة بقرابة الشهر تنبأ مسؤول رسمي في الأمم المتحدة بحدوثها، وأدرك أن هذه الانتفاضة أمر حتمي بعد عشرين سنة من الاحتلال والإحباط وخيبة الأمل التي أصابت الفلسطينيين الذين شعروا أنهم يتعاملون مع قوى سياسية عاجزة عن إيجاد الحلول لمعاناتهم أو لتحسين أحوالهم. لم يكن الإسرائيليون فقط -في نظر هذا المسؤول- هم المعنيون بالانتفاضة، وإنما كان الأمريكيون والأمم المتحدة وكل الأنظمة العربية، بل وحتى منظمة التحرير الفلسطينية أيضًا.
● الجيل الجديد:
نشأ الجيل الجديد من الفلسطينيين نشأة كاملة في ظل الاحتلال الإسرائيلي معظم سنيّ حياته تقريبًا. ويقول «بيرين» إن الفلسطينيين عاشوا تحت حكم بريطاني وإسرائيلي وأردني ومصري، ومهما كانت طبيعة الحياة التي عاشوها فإنهم يرون أنه من الإهانة لهم أن يعيشوا تحت حكم غير عربي أيًّا كانت الفوائد والمزايا التي يجنوها من ورائه. ولم تستطع السياسات المعتدلة ولا القادة الهادئون من الجيل القديم، ولا الوجهاء التقليديون من الفلسطينيين، ولا تهديد إسرائيل باستخدام القوة، ولا وعود تحسين الحياة من قبل إدارة ريغان وشمعون بيريز والملك حسين، أن تنعطف بحالة الغضب الشديد والإحباط الذي سيطر على هذا الجيل إلى غير ما آلت إليه.
● الإحباط الاجتماعي:
تزايد عدد سكان الأراضي المحتلة بمعدل أسرع من ذلك الذي كان يتوقعه الإسرائيليون، وترتب عليه أن عاش الفلسطينيون في قرى ومدن ومعسكرات مزدحمة، تفاقمت ضغوط الحياة عليهم وخاصة مع سياسة قيدت من توسع المناطق العربية الحضرية، فقد وضع الإسرائيليون الأرض ومصادر المياه تحت رقابتهم حتى يضمنوا توفيرها للمستوطنين الجدد من اليهود، وسجلت السجون الإسرائيلية منذ عام ١٩٦٧ ما يزيد على ثلاثمائة ألف حالة قبض واحتجاز في الأراضي المحتلة، وذلك حسب التقديرات الإسرائيلية ذاتها.
هناك عامل آخر يضاف إلى قسوة خبرات الحياة اليومية في الأراضي المحتلة، يتمثل في إحساس الفلسطينيين بأن العالم عامة وإخوانهم العرب خاصة قد تخلوا عنهم، ولم يشعروا أن هناك أحدًا فعل شيئًا لإنهاء حرب المخيمات في لبنان، ولا لإنقاذهم من حصار ميليشيا أمل الشيعية لأقربائهم. وحتى مؤتمر القمة العربي لم يعط -في نظرهم- إلا اهتمامًا ثانويًّا لمشكلات سكان الأراضي المحتلة.
● بداية الانفجار
كانت هذه الإحباطات الاجتماعية والسياسية في حاجة فقط إلى شرارة ليحدث الانفجار الكبير، حادثة صغيرة تمثلت في عربة إسرائيلية قتلت أربعة من العمال الفلسطينيين، اعتبر الفلسطينيون أن الاسرائيليين فعلوا ذلك عمدًا وانتقامًا لطعن إسرائيلي في غزة في اليوم السابق للحادث. خرج طلبة المدارس من معسكرات اللاجئين في مظاهرة ضد إسرائيل، وحينما وصل الجيش لقمع المظاهرة، رشقهم الطلاب بالحجارة ثم استخدموا معها القضبان الحديدية وزجاجات المولوتوف، كما رفعوا العلم الفلسطيني كرمز للمقاومة ضد الحكم الإسرائيلي، وأصبح هذا الأمر فيما بعد شيئًا روتينيًّا.
● تكتيكات القيادة
هذه المظاهرات المتفرقة التي قام بها بعض الشباب بطريقة عشوائية -كما يقول بيريز- تطورت إلى حركة مقاومة منظمة تحت قيادة سرية وغير معروفة ذات أهداف سياسية واضحة جيدة التخطيط على أسس من الاستراتيجية المتكاملة. استنبطت القيادة لتوسيع مشاركة المجتمع الفلسطيني بأسْرِه تكتيكات أخرى، كانت منها: المقاطعة الاقتصادية للعديد من المنتجات الإسرائيلية، والامتناع عن دفع الضرائب لإسرائيل، والاستقالات الجماعية لرجال البوليس والرسميين الحكوميين المحليين من العرب الذين تعينهم إسرائيل، والإضرابات التي قد تصل إلى فترة أسبوع كامل. ولأسباب خاصة -كما يقول بيريز- رأت القيادة الامتناع عن استخدام الأسلحة والبنادق والمتفجرات، على الرغم من ادعاء المخابرات الإسرائيلية بوجود أسلحة مخبأة في كل الأراضي المحتلة. وقد أدى هذا العنف المحدود أو المقاومة السلبية إلى تعاطف وسائل الإعلام الغربية مع الفلسطينيين، وأدرك الغرب أن هؤلاء المدنيين وما يستخدمونه من وسائل في المقاومة يواجهون قوة مسلحة مدعمة بدبابات وعربات مدرعة وطائرات هليكوبتر وغازات مسيلة للدموع.
● التصورات عن قيادة الانتفاضة
بالرغم من أن قيادة الانتفاضة سرية وغير معروفة، فإن «بريز» يرى أنها قيادة من الشباب المتعلم جيدًا من الجيل الجديد الذي يرفض الاعتراف بالحقوق التاريخية للوجهاء والطبقات الخاصة والقادة الذين تعينهم السلطات الإسرائيلية. يتصور «بيريز» أن القيادة الجديدة تتمثل في خريجي الجامعات الذين كانوا أبناءً لوجهاء يملكون المال الضروري فأصبحوا قادة في الخمسينيات، ويتخصص أبناؤهم الآن في مهن متعددة. كما يتصورهم في الجماعات العاملة مع منظمات الأمم المتحدة التي تكون شبكة الخدمات لمعسكرات اللاجئين، وتتكون هذه الجماعات من الآلاف من المديرين والأطباء والممرضات والمحاسبين والمدرسين والعاملين في مجال الصحة والخدمة الاجتماعية، تنتشر هذه الكوادر جميعها عبر كل قطاعات المجتمع الفلسطيني وتُعد أساسًا في نظر «بيريز» للخدمة المدنية الفلسطينية.
● الانتفاضة وتماسك المجتمع الفلسطيني
كان للانتفاضة تأثير واسع على المجتمع الفلسطيني، لقد كان الانقسام بين الفلسطينيين في نظر «بيريز» هو السبب الرئيسي لفشل ثورتهم عبر نصف قرن مضى، ونتج عنه صراع ضروس بين الفئات والأسر والطبقات في المناطق الفلسطينية المحتلة، كان العربي يقتله العربي بأكثر مما كان يقتله البريطاني أو اليهودي، أما الآن فإن الوضع قد اختلف؛ إذ اختفت التوترات التقليدية ولم تظهر على السطح، ووقف الجميع وراء الانتفاضة بما فيهم هذه الجماعات التي تساندها بعض من الدول العربية.
● الانتفاضة وما يسمى بالعرب الإسرائيليين:
هناك سبعمائة ألف مواطن عربي في إسرائيل أصبحوا الآن أكثر احتواء من الإسرائيليين في هذه الأزمة التي تواجهها إسرائيل، ويرى «بيريز» أن ذلك أمر طبيعي لأن لمعظم هؤلاء المواطنين أقارب في الأرض المحتلة وفي الدول العربية المجاورة. وقد أعاد العرب الإسرائيليون في الفترة من ١٩٦٧ إلى ۱۹۸۷ صلاتهم مع العالم العربي ومع الفلسطينيين في الضفة الغربية، وأعادوا علاقاتهم مع أقاربهم وأصدقائهم القدامى وأزالوا الحواجز المادية والنفسية التي كانت تفصل بينهم. ويقول «بيريز»: إذا كان هناك نوع من الولاء لإسرائيل بين هؤلاء الفلسطينيين فإنهم أوجدوا لأنفسهم الآن هوية فلسطينية جديدة، وقليل من الإسرائيليين هو الذي يعترف بهذه الهوية المزدوجة؛ ذلك لأنهم يتوقعون أن اليهودي غير الإسرائيلي يؤيد الدولة اليهودية أيضًا.
وقد أعلن العرب الإسرائيليون تأييدهم للانتفاضة منذ أن بدأت، وشاركوا في الإضرابات والمظاهرات السلمية في حدود تصل إلى عشرين ألفًا. كما أعلن «عبد الوهاب دروشه» العضو العربي الوحيد في الكنيست استقالته احتجاجًا على سياسة رابين. وعلى الرغم من أن السلطات الإسرائيلية قد سمحت بهذه المظاهرات، فإن هذه المظاهرات قد أزعجت الإسرائيليين، وقد حذر بعض السياسيين من أن المواطنين العرب يجب ألا يذهبوا إلى أبعد من ذلك.
● الانتفاضة والمرأة الفلسطينية
لعبت المرأة الفلسطينية دورًا رئيسيًّا في الانتفاضة، وكانت تضطلع بأدوار قيادية، وهناك العديد من النساء الفلسطينيات من اللاتي تخصصن في الطب والتعليم والقانون أقمن فرقًا للطوارئ لمعالجة الجرحى ولرعاية الأطفال. كان للمرأة في رام الله دور هام في تنظيم الأمور بعد الاستقالة الجماعية لرجال البوليس المحلي.
وقامت معظم النساء -مع إغلاق مخازن الطعام- لمعظم الوقت بمساعدة غير القادرين على الحصول على إمداداتهم في الساعات المقررة ومساعدة الذين نفدت أموالهم أو الذين مات عائلهم أو قُبض عليه.
● الانتفاضة وفشل استراتيجية «ميلسون - شارون» في توسيع الانقسامات بين القرويين وساكني المدن
عينت إسرائيل في أواخر السبعينيات إدارة مدنية للتعامل مع الفلسطينيين تخضع للحاكم العسكري للضفة الغربية، وهو الكولونيل احتياط «مناحيم ميلسون» الذي كان في إجازة من عمله كأستاذ للأدب العربي في الجامعة العبرية. نجح «ميلسون» في إقناع «شارون» وزير الدفاع بتبني سياسة جديدة في الضفة الغربية تقوم على استغلال التوترات الريفية الحضرية بين الفلسطينيين؛ وذلك بتأسيس لجان في القرى تؤيدها السلطات وتمنح مكافآت للمتعاونين معها لتحقيق هذا الهدف. لم تكن هذه الجماعات ناجحة قط، وكانت غير مقبولة من الناس، وفي الوقت الذي فكرت فيه السلطات الإسرائيلية في إعادة إحياء هذه الجماعات من جديد حدثت الانتفاضة. وعلى غير ما تتوقع السلطات، أيَّد قادة هذه اللجان الانتفاضة، وكان القرويون في الضفة الغربية في طليعتها، واشترك الأهالي في الإضرابات وأغلقت المدارس ومكاتب البلدية، ورفع القرويون العلم الفلسطيني. وبالرغم من الخسائر المأساوية التي أحدثها الجيش الإسرائيلي في هذه القرى، فإن هذه الخسائر عززت الانتفاضة وحطمت آمال الإسرائيليين في توسيع الانقسامات بين القرويين وساكني المدن.
● محاولات كبح الانتفاضة:
استخدمت القوات الإسرائيلية طبقًا للتوجيهات السياسية عدة وسائل لكبح الانتفاضة، مثل الذخيرة الحية والرصاص المطاطي والأنواع المختلفة من الغاز المسيل للدموع، بالإضافة إلى الوسائل الأخرى كالاعتقالات والطرد وتدمير المنازل والغارات العنيفة على القرى والضغط الاقتصادي. ولم تؤدِّ المحاولات الإسرائيلية بالقبض على الآلاف وسجنهم إلى نتائج إيجابية، فكلما ازداد عدد حالات القبض ازدادت حدة الانتفاضة.
وقد اعتقلت الشرطة الإسرائيلية ألفًا من المسلحين في يوم الأرض، ووصل العدد الكلي من المسجونين إلى أربعة آلاف، ولم يؤد ذلك إلى منع التظاهرات المخططة ليوم الأرض ولا أن يهدئ من حدة المقاومة، وبالرغم من قسوة الظروف وحالات القتل والسجن والضرب ظلت المعنويات عالية، وكان الفلسطينيون يتباهون بقدرتهم على مواجهة الدبابات والعربات المدرعة والهليكوبتر، وأعطتهم هذه المواجهة إحساسًا بالشرف بعد عشرين سنة من الإذلال في ظل الاحتلال.
● موقف الرأي العام اليهودي من إجراءات الجيش لكبح الانتفاضة:
يؤيد الرأي العام اليهودي بصفة عامة هذه الإجراءات، وإن كان هناك البعض من المستوطنين اليهود الجدد في المستعمرات يعترضون على ذلك، وهناك بعض آخر يعترض على استعانة الجيش بأبنائهم في قمع المدنيين.
وعلى مستوى مؤيدي الأحزاب هناك مؤيدو حزب «الليكود»، والأحزاب اليمينية الأخرى يساندون إجراءات الجيش بلا قيد ولا شرط، بل إن البعض من المستوطنين يلومون الجيش لتساهله في هذه الإجراءات، مما ترتب عليه نوع من التنسيق بينهما أدى إلى اضطلاع المستوطنين المسلحين بمهمة تخريب القرى العربية.
أما مؤيدو حزب «العمل» فهم أقل حماسًا لإجراءات الجيش القمعية، لكنهم يرون أن هذه الإجراءات ضرورية. وهناك بعض من الاعتراض أيضًا على قضاء الخدمة العسكرية في الأراضي المحتلة أو إلزام الشباب بقضاء فترة الاحتياط في الضفة الغربية.
● الانتفاضة والأوضاع الاقتصادية
اعتمدت اقتصاديات الأراضي المحتلة منذ عام ١٩٦٧ على إسرائيل، وكان القطاع الأساسي من قوة العمل في الضفة الغربية وغزة يعمل فيها وإن كانت عمالة غير ماهرة في الغالب، انتشرت المنازل والسيارات الجديدة والبضائع المنزلية والمواد الاستهلاكية، كما حدث تطور صناعي محدود وأغرقت إسرائيل الأراضي المحتلة بمنتجاتها، وأصبحت غزة والضفة الغربية بصفة خاصة أسواقًا رئيسية للمنتجات الإسرائيلية تستورد من المحتل أكثر مما تصدره إليه. أما الأردن فكانت هي السوق الأساسي للتصدير وخاصة للمنتجات الزراعية في الضفة. ويمكن القول بصفة عامة إن الضفة الغربية وغزة أصبحتا تعتمدان على إسرائيل كمصدر أساسي في العمالة والدخل ومعظم الاستهلاك اليومي والملابس والطعام المحفوظ وما شابه ذلك.
وبعد الانتفاضة انقلبت الموازين وبدأ الناس يشعرون بتأثيرها الاقتصادي: انخفض عدد العمال الذين يسافرون إلى إسرائيل يوميًّا، وانخفضت أسعار المنازل وأعلنت قيادة الانتفاضة المقاطعة الاقتصادية، فانقطعت بذلك كل سبل الاتصال الاقتصادي بين إسرائيل والأراضي المحتلة. يضاف إلى ذلك أن إغلاق الجسور بين هذه الأراضي والأردن لفترات طويلة سد الطريق أمام أكبر سوق تصدير للضفة الغربية. كل ذلك أدى إلى ركود اقتصادي يكاد يكون كاملًا.
نظر البعض إلى انهيار الأوضاع الاقتصادية على أنه انهيار مؤقت، ورأوا فيه سبيلًا لحث الناس على الاكتفاء الذاتي الذي يكون مع شدته مفيدًا للفلسطينيين، خاصة وأنهم كانوا يعتمدون على إسرائيل بدرجة كبيرة. ويقول الأساتذة الذين اجتمعوا لبحث الانتفاضة إنهم سمعوا نداءات تطالب المرفهين بالتخلي عن السيارات والعودة إلى الحياة البسيطة.
ويصف «دون بيريز» مجريات الأمور في إحدى القرى الفلسطينية بعد هذا الانهيار الاقتصادي فيقول: إن القرية عادت إلى شكل من أشكال الاقتصاد ما قبل الحديث المعتمد على نفسه ذاتيًّا. حُرمت القرية من الكهرباء والمياه الجارية وخدمات التليفون والطعام الطازج، فلجأ الأهالي إلى استبدال التراكتورات العاطلة بالحمير وشربوا من مياه الآبار عوضًا عن مياه الأنابيب. وقد تماسك القرويون تحت هذه الظروف الصعبة وكانوا أكثر مرونة من سكان الضفة الغربية والمدن الأخرى مثل نابلس ورام الله والقدس. لم تعد هذه الأعداد الهائلة التي قد تصل إلى المائة وعشرين ألفًا من العمال العرب تعمل في إسرائيل، مما أثر بدوره على معظم الخدمات في المقاولات والزراعة والصناعة التي تشكل قوة العمل العربية فيها إلى ما يقرب من ٤٠%، لهذا لجأت وزارة العمل الإسرائيلية تحت تأثير المقاطعة الفلسطينية إلى إعطاء تصاريح لأرباب الأعمال باستيراد عمالة أجنبية، كما قامت بعض الصناعات بإجراء تجارب الميكنة والآليات؛ آملة أن تحل محل العمال العرب الذين يتميزون بأجورهم المنخفضة.
ويصل الإنتاج الإسرائيلي إلى حدود البليون دولار سنويًّا في صناعات النسيج ومواد البناء ومنتجات الأغذية كانت تباع إلى عهد قريب في الأراضي المحتلة، إلا أن المقاطعة الفلسطينية قد أدت إلى انخفاض جوهري في نسبة ما تصدره إسرائيل إلى هذه الأراضي، بل وأربكت بعض خطوط الإنتاج فيها، لهذا فإن إسرائيل تحاول الآن وعلى المدى البعيد إيجاد حل لهذه المشكلة أيضًا.
التأثيرات السياسية للانتفاضة «داخل إسرائيل»:
١ - الانتفاضة كانتصار سياسي:
يرى «دون بيريز» أن الفلسطينيين تمكنوا في الجولة الأولى من الصراع مع الجيش الإسرائيلي من تحقيق انتصار ليس هو بالعسكري، ولكنه انتصار سياسي واجتماعي. لقد باغتت الانتفاضة إسرائيل وأحدثت اضطرابًا سياسيًّا بها ووجهت أنظار العالم إلى المشكلة الفلسطينية.
٢ - رفض الضباط الإسرائيليين تشبيه «شامير» العرب بالجنادب:
صحيح أن الانتفاضة لم تؤد حتى الآن إلى تغييرات سياسية أساسية بالنسبة للفلسطينيين، لكن هناك ما يشير إلى حدوث تغير في الاتجاهات تظهر عبر مقالات القادة من السياسيين في الصحف الإسرائيلية. وقد أدت مواجهة الشباب العربي الشجاعة للقوات الإسرائيلية إلى رفض الضباط الإسرائيليين لمقولة «إسحاق شامير» رئيس الوزراء بأن الإسرائيليين سوف يسحقون المشاغبين من العرب الذين هم كالجنادب بالنسبة لهم. ويقول «دون بيريز» إن الضباط الذين قابلهم قد وصفوا مقولة شامير هذه بأنها مقولة «منسقة وفارغة وغبية».
٣ - إعادة تقييم النظرة لمنظمة التحرير:
أدت الانتفاضة إلى إعادة تقييم نظرة الإسرائيليين إلى المنظمة كواقع فعلي، واشتد الجدل حول مسألة رفض التعاون معها بحجة أنها إرهابية، إلى درجة أن العديد من السياسيين والجنرالات المتقاعدين الذين لم تكن تروق لهم المنظمة بدأوا الآن ينظرون إليها كقوة سياسية لا بد أن تدخل معها إسرائيل في حوار فورًا، ومن هنا يظهر أن مقاطعة الليكود للمنظمة تكمن في أنها ليست إرهابية كما يصفونها، ولكن لأن الاعتراف بها سوف يتضمن اعترافًا بالحقوق السياسية للفلسطينيين.
٤- الانتفاضة وحرب لبنان واستمرار الحرب ضد وجود إسرائيل:
تبين التقارير التي صدرت من الشؤون الخارجية في الكنيست ولجنة الأمن أن وزير الدفاع «إسحق رابين» يرى أن الانتفاضة هي استمرار الحرب ۱۹۸۲ ضد المنظمة في لبنان، وهي الحرب التي رآها الكثيرون على أنها خطأ استراتيجي، وذلك على عكس رئيس الوزراء «شامير» الذي كان واحدًا من مهندسي هذه الحرب فإنه لا يزال ينظر إليها على أنها إنجاز، ويصف الانتفاضة بأنها استمرار للحرب العربية ضد وجود إسرائيل، وأنها يجب أن تحارب كأي حرب أخرى من أجل بقاء إسرائيل.
ه - الانتفاضة وحدود حرب ١٩٦٧:
لا ينكر الإسرائيليون أن الانتفاضة قد هزت بعنف فكرة (أرض إسرائيل ERETZ ISRAEL) تلك الفكرة التي أعلن بمقتضاها «مناحيم بيغن» أن حدود إسرائيل التي كانت قائمة في عام ١٩٤٩ قد أعيد تكوينها في عام ۱۹۹۷، وأنها لن تعود إلى سابق وضعها أبدًا. أما الآن وبعد الانتفاضة فإن الأمر قد اختلف؛ إذ أعاد الجيش فرض الحواجز القديمة ومنع اليهود من غير المستوطنين والفلسطينيين من غير المواطنين من دخول حدود ما قبل ١٩٦٧.
٦- الانتفاضة وتبديد فكرة الاحتلال التنويري
هناك مفاهيم تسود بين الإسرائيليين، من أمثلتها أن احتلالهم للأراضي يجب أن يكون احتلالًا تنويريًّا- سيبراليًّا وليس بالاحتلال القمعي. يقول «دون بيريز» إن الانتفاضة بددت هذا المفهوم، وأنه من الصعب أن تجد اليوم صحيفة إسرائيلية أو أي مسؤول سياسي يمكن أن يتباهى بأن إسرائيل قد حققت فوائد ملموسة للأراضي التي احتلتها، واعترفت معظم الفئات الإسرائيلية بأن استمرار الاحتلال يتطلب إجراءات قمعية ووحشية، وأنه إذا كان هناك تفكير الآن فيما يسمونه بالاحتلال التنويري، فإن وقته يكون قد فات.
٧ - الانتفاضة ورجل الشارع في إسرائيل:
يقول «دون بيريز» إن هناك مؤشرات قليلة تدل على أن الانتفاضة قد أثرت على الروتين اليومي لحياة اليهود في إسرائيل، لكن واقع الأمر وما يظهر على السطح يبين أن محاولة تهدئة الانتفاضة قد أدت إلى اضطراب سياسي خطير لم يحدث من قبل، ويمكن أن يقال إنه اضطراب ذو آثار بعيدة المدى كتلك الآثار التي سببتها حروب عام ٦٧ و٧٣ و١٩٨٢.
لم يعد رجل الشارع العادي في إسرائيل ولا حكومته يسلمون بأن الاحتلال أمر غير قابل للجدل. وينقسم الرأي العام في إسرائيل بدرجة متساوية إلى قطاعين: أحدهما يؤيد استمرار السيطرة على الأرض المحتلة إما بالضم وإما بشكل من أشكال الوجود العسكري، وقطاع آخر يقبل بمبدأ الأرض مقابل السلام، لكن هناك إجماعًا قوميًّا واسعًا ضد إنشاء دولة فلسطينية مستقلة بين الأردن والبحر المتوسط أيًّا كانت، ولكن الانتفاضة قد أدت إلى اهتزاز هذا الإجماع، وحتى هؤلاء الذين يدافعون عن الضم التام اعترفوا بأن الانتفاضة قد أبرزت وجهًا جديدًا في العلاقات العربية الإسرائيلية. وهناك اختلافات واسعة حول الكيفية التي يمكن بها مواجهة الموقف والتكتيك قصير المدى لقمع الانتفاضة، وحول الكيفية التي يمكن بها تحقيق حل سياسي بعيد المدى.
٨- الانتفاضة وأبا إيبان وحزب العمل وحزب ليكود
وسعت الانتفاضة أكثر من أي وقت مضى من هذه الهوة العميقة بين الإسرائيليين الذين يريدون الاحتفاظ بالأراضي وأولئك الذين يريدون التخلص منها. ويرجع تاريخ هذا الانقسام في الرأي إلى بدء الاحتلال في عام ١٩٦٧ أما الآن فإن آراء مؤيدي كل جانب قد ازدادت صلابة. وزير الخارجية الأسبق «أبا إيبان» يرى أن الحاجة الآن أصبحت ملحة إلى قبول مبدأ الأرض مقابل السلام، ويرى أن الأراضي المحتلة لا تمثل فقط تهديدًا لمستقبل أمن الدولة اليهودية لاحتفاظها بمليون وسبعمائة وخمسين ألفًا من العرب تحت سيطرتها، ولكن لأن هذا العدد أصبح خطرًا قائمًا وواضحًا للاستقرار السياسي الإسرائيلي. أما حزب العمل فقد أجبرته الانتفاضة بالرغم من انقساماته الداخلية حول قضية الأرض المحتلة إلى اتخاذ موقف أكثر إيجابية لتأييد مبادرات السلام، مثل تلك التي عرضها «شولتز» والدعوة إلى مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط.
أما حزب الليكود ومؤيدوه فإنهم يرون أن الربط بين الانتفاضة ومبادرات السلام هو جزء من مؤامرة لإنهاء وجود إسرائيل.
● التأثيرات السياسية للانتفاضة... «خارج إسرائيل»
١- الانتفاضة وإدارة ريغان
أعادت الانتفاضة اهتمام إدارة ريغان بما يسمى بـ «الصراع العربي الإسرائيلي»، ودفعت الولايات المتحدة لتقديم مبادرات مثل اقتراحات «شولتز»، لكن هذه الاقتراحات قوبلت بفتور من كل الأطراف، ورأى الفلسطينيون فيها مراوغةً وانحرافًا عن القضايا الأساسية التي كانت من أهداف الانتفاضة، وهي الإنهاء السريع للاحتلال الإسرائيلي والاعتراف بالحقوق الفلسطينية بإنشاء حكومة لهم بعيدة عن التدخل الخارجي سواء من الإسرائيليين أو الأردنيين.
٢- الانتفاضة والبرلمان الأوروبي:
جذبت الانتفاضة الاهتمام العالمي وأبرزت المشكلة الفلسطينية على السطح، ودفعت البرلمان إلى نقد السياسة الإسرائيلية والاتجاه نحو اتخاذ إجراءات ضدها، مما تسبب في مظاهرات في القدس احتجاجًا على ما يسمونه بـ «التأييد الأوروبي للمنظمة»، واقتنع الأوروبيون بأنه يجب عدم تجاهل الفلسطينيين عند البحث عن السلام في الشرق الأوسط، وأنه يجب ألا ينظر إليهم كلاجئين يضطلع الآخرون بتمثيل مصالحهم.
والمحصِّلة النهائية التي توصل إليها أساتذة العلوم السياسية هي أن الانتفاضة قد أدت إلى ما يسميه «دون بيريز» بإعادة فلسطنة الصراع الذي بدأ في العشرينيات بين العرب واليهود، ثم تحول إلى صراع دولي في عام ١٩٤٨ ثم عاد مرة أخرى إلى صراع على فلسطين ذاتها من قبل جهتين تتصارعان من أجل السيطرة عليها. ويدرك الإسرائيليون أن اتفاقًا مع العرب على غرار ما حدث مع مصر في كامب ديفيد، لن يساعد كثيرًا على إنهاء الصراع داخل فلسطين؛ لأن الانتفاضة أثبتت أنه ليس لمثل هذه الاتفاقيات تأثير كبير على العلاقات العربية الإسرائيلية.
كما كشفت الانتفاضة -كما يرى بيريز- أن العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية تسير في طريق مسدود؛ لأن الحد الأدنى الذي يوافق عليه مكان الأراضي المحتلة هو الانسحاب الكامل لإسرائيل وتقرير المصير الذاتي، وهما أمران لا يسلم بهما أي حزب أو قائد سياسي في إسرائيل. فقط هناك ١٥٪ من أعضاء الكنيست يعتبرون أن هذه الأمور يمكن أن تصلح للمتفاوض مع إسرائيل، كما لا يمكن للإسرائيليين أن يتغلبوا على خوفهم من إقامة دولة فلسطينية مستقلة، لأن الانتفاضة والتصميم الفلسطيني عمَّق من إدراك الإسرائيليين من أن إقامة هذه الدولة لا تعني بالضرورة أنها ستكون جارة مسالمة لهم.
وعززت الانتفاضة ما يسميه «دون بيريز» بصراع الإرادات بين الفلسطينيين والإسرائيليين. هذا الصراع الذي تملك فيه إسرائيل على منافسها مزايا عسكرية واقتصادية تجعل الإسرائيليين يشعرون بأنه لا بد لهم من تحمل كل المخاطر المترتبة على اختبار مدى جدية التصميم الفلسطيني، وهم يتصورون أن إسرائيل يمكنها أن تصمد طويلًا وأن التضامن الفلسطيني سوف ينهار كما انهار من قبل. أما الفلسطينيون على الجانب الآخر فيرون أن الانتفاضة قد أشعلت فيهم روحًا شبابية، وأن كثيرًا من الأوقات الصعبة قادمة، وأن ديسمبر ۱۹۸۷ كان ترجمة فلسطينية عن تعبير يعني أن الصراع لن ينتهي قبل أن يصل إلى أهدافه. بقي لنا في تحليل هؤلاء الأساتذة مسألة مهمة، وهي مدى إمكانية إقدام إسرائيل على سحق الانتفاضة. يقول «دون بيريز» إن القيادة العليا للجيش الإسرائيلي تبدو محايدة سياسيًّا ولا تتحدث عن مسائل مستقبل الأراضي المحتلة، وتنظر إلى الأعمال التي يكلفها بها السياسيون على أنها ضرورة، وتعترف القيادة العليا بأنها غير معدة للتعامل مع انتفاضة جماهيرية، ولهذا فإنها تُخطِّئ الحكومة وتتهمها بعدم وضوح أهدافها.
ويتساءل «بيريز»: كيف يمكن لهذه القيادة أن تحافظ طويلًا على التوازن بين اختياري (سحق الانتفاضة ومجرد استخدام القوة)؟ ترى قيادة الجيش الإسرائيلي أنها قادرة من الناحية التكتيكية وفي فترة وجيزة على إنجاز الاختيار الأول، وأن الأمر ليس جديدًا على المنطقة العربية، فقد حدث مثيل له مرتين في أقل من ثمانية عشر عامًا. وبالرغم من سذاجة التبرير الذي يقدمه الضباط الإسرائيليون من أن الشعب الإسرائيلي لن يرضى بهذا الاختيار، فإن الأمر يتطلب منا جميعًا الاستعداد لمواجهته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل