; اجتهادات ونظرات في الانتخابات | مجلة المجتمع

العنوان اجتهادات ونظرات في الانتخابات

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 24-فبراير-1981

مشاهدات 70

نشر في العدد 517

نشر في الصفحة 11

الثلاثاء 24-فبراير-1981

  • هل هناك أسس شرعية تدعو المسلم للدخول في انتخابات مجلس الأمة؟

  • فريق من العلماء يقول: المشاركة في مجلس الأمة تكريس للنظام الجاهلي الذي يجب تغييره!

  • فريق آخر يرى أن دخول مجلس الأمة بغية التغيير نحو الإسلام أمر جائز.

  • ما تبعية الفوارق بين البرلمانات التي تسن القوانين ومجلس الشورى الإسلامي؟

  • يجب أن يعلم الجميع أن كل ما نزل به وحي لم يجز مشاورة الأمة فيه لأنه اجتهاد في مورد النص.

  • صور في استشارات النبي r توضح مهمة أهل الشورى ودورهم في البت في قضايا الأمة.

  • ما الشروط التي يجب أن تتوفر في الناخب، وذلك من خلال المنظور الإسلامي؟

  • كيفية التصويت: هل هي قضية فردية أم قضية جماعية؟

  • الشريعة لا تمنع قيام الأحزاب الإسلامية التي لا تتعارض مع مبادئ الشريعة

قبل الخوض في الموضوع، لا بد من التنبيه بأن ما أسطره لا يعدو أن يكون اجتهادات استغرقت جهدي في الوصول إليها، وهي عرضة كغيرها للخطأ والصواب، فإن كان منها ما هو صواب فهو من فضل الله، وإن كان منها ما هو خطأ فمن نفسي وأستغفر الله منه.. ثم لا بد من التنويه بأن منها ما يخالف كثيرًا ممن له حق الاجتهاد في هذه الأمور، خصوصًا وإني علمت وقرأت في مجلة المجتمع عن أناس يوجدون في ساعات قليلة من طلبة العلم مجتهدين، فإلى هؤلاء المجتهدين أقول: إن الأمر يسعني ويسعكم فارحموا أنفسكم من غيبتي.. والله نسأل أن يعيننا وإياكم للوصول إلى الحق.

القضية الأولى: وهي شرعية دخول المسلم في الانتخابات لمجلس الأمة: أقول وبالله التوفيق: إن الشباب الباحث عن سبل الصواب على قولين:

القول الأول: يرى الدخول للمجلس... وللأسف الشديد إن الكثير من هؤلاء سلم بحتمية الدخول من غير البحث في الشرعية أو عدمها، معتمدًا على إقرار الشيخ الفلاني أو عدم اعتراض العالم العلاني... والعجب أن هذا الذي سلم هنا، لا يرى لنفسه أو لغيره من الناس أن يسلم في أن ‏الاستنشاق في الوضوء سنة أم واجب اتباعًا لأحد الأئمة، بل لا بد من وضوح الدليل وقيامه حتى يسلم ويعتمد في وضوئه الاستنشاق سنة أم واجب!

القول الثاني: لا يرى الدخول للمجلس لا الترشيح ولا الانتخاب، وقبل الحكم في المسألة سنستعرض كلا الرأيين:

أدلة الرأي المانع:

١‏) قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ (النساء: 140)

ووجه الدلالة في الآية أن مجلس الأمة فيه أناس يتطاولون على آيات الله، ويستهزئون بها لكونه يضم شرائح اجتماعية متعددة فيها من هو يساري، ومنهم إباحي، إلى غير هذه الأصناف ذات المناهج الأرضية، وجلوس المسلم في وسطهم سيصيبه قوله تعالى ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ ۗ ﴾... الآية.

‎٢)‏ قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (الأنعام: 68).

ووجه الدلالة السابقة في الآية السابقة كذلك في هذه الآية، آية 68.

3)‏ قوله تعالى في سورة هود: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ (هود: 112 ،113).

ووجه الدلالة في الآية: إن المشاركة في المجلس مع ما فيه من مخالفات لمنهجية هذا الدين يعد نوعًا من المجاراة للكارهين لما أنزل الله، وهذا لا يجوز ولو في بعض الأمر.

‎٤‏) قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 73-74)

5) من واقع سيرة النبي r فيقولون: إنه كان في قريش ما يشابه مجلس الأمة اليوم وهو ما يسمى «بدار الندوة»، فكان بإمكان النبي rأن يغير المجتمع إلى الاتجاه الإسلامي عن طريق دخوله إلى دار الندوة، ولكن لم يفعل لفهمه لمراد الله في النهي عن ذلك كما هو موضح في الآيات السابقة.

٦) إن‏ النهي هو ما قرره علماء الدعوة في العصر الحالي وفصلوا فيه كأمثال العملاقين الأستاذ الشهيد سيد قطب، والعلامة أبي الأعلى المودودي رحمهما الله.

‎٧‏) إن المشاركة في مجلس الأمة تكريس للنظام الجاهلي الذي يجب تغييره.

هذه نماذج من أدلة المانعين.

القول الثاني: وهم المجيزون للدخول في مجلس الأمة، قالوا: لا نسلم لكم في أدلتكم السابقة من حيث دلالاتها على موضوع المجلس، ولبيان هذا الأمر سنرجع إلى قول أشد العلماء في هذا الموضوع فيما يتعلق لها وهو السيد رحمه الله في الظلال:

فيقول في الآية الأولى التي من سورة النساء (فمن سمع الاستهزاء بدينه في مجلس فإما أن يدفع، وإما أن يقاطع المجلس وأهله، فأما التغاضي والسكوت فهو أولى مراحل الهزيمة)، ثم يقول: «حقيقة أن غشيان هذه المجالس والسكوت على ما يجري فيها هو أولى مراحل الهزيمة»، إذًا فالنهي عن مجالسة المستهزئين هو المقرون بالسكوت عن غيهم وكفرهم، أما الرد عليهم وتسفيه أقوالهم وأحلامهم فلا.

أما الآية الثانية من سورة الأنعام فيقول فيها: «كان هذا الأمر بألا يجلس النبي r إلى مجالس المشركين متى رآهم يخوضون في آيات الله ويذكرون دينه بغير توقير. إذًا النهي عن مجالسة المستهزئين ليس على إطلاقه، بل «متى رآهم يخوضون في آيات الله» والناظر إلى واقع المجلس يرى أن المستهزئين بالدين قلة، والمجال لا يسعهم كثيرًا للطعن والغمز في آيات الله ... ثم إن المسلم إن لم يستطع أن يرد فيسعه أن ينسحب من الجلسة حتى يخوضوا في حديث غيره.

وفي سورة هود يقول رحمه الله: ‏«لا تستندوا ولا تطمئنوا إلى الذين ظلموا إلى الجبارين الطغاة الظالمين، أصحاب القوة في الأرض الذين يقهرون العباد بقوتهم، ويعبدونهم لغير الله من العبيد»، إذًا النهي ينصب على المساندة والركون إلى الذين ظلموا، فأين هذا من محل الخلاف، ثم إن في الآية نفسها في مطلعها ردًا على هذا الإفراط في الفهم، فيقول السيد رحمه الله: «وإنه مما يستحق الانتباه هنا أن النهي الذي أعقب الأمر بالاستقامة وما يتبعه في الضمير من يقظة وتحرج قد ينتهي إلى الغلو والمبالغة التي تحول هذا الدين من يسر إلى عسر، والله يريد دينه كما أنزله ويريد الاستقامة على ما أمر دون إفراط ولا غلو.

أما الآية الثالثة والسبعون التي من سورة الإسراء 73‏ ﴿وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي...﴾‏ الآية، يقول سيد قطب رحمه الله: «هي محاولات أصحاب السلطان مع أصحاب الدعوات دائمًا، محاولة إغرائهم لينحرفوا ولو قليلًا عن استقامة الدعوة وصلابتها، ويرضوا بالحلول الوسط التي يغرونهم بها في مقابل مغانم كثيرة».

هذا كلام سيد رحمه الله، فأين يكون الانحراف فيم يدخل إلى منبر يقول من خلاله كلمة الحق؟ إنما يكون انحرافًا عندما يسكت أصحاب الحق عن الصدع بكلمة الحق استجابة لأمر البشر، وخوفًا على رزقهم وأجلهم منهم.. هنا يكون الانحراف وهنا تنطبق الآية..

أما الحجة بأن مجلس الأمة اليوم هو شبيه بدار الندوة، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يغير الواقع الجاهلي من خلال هذه الدار، فنحن لا نسلم بهذا التشبيه، ويكفي لإبطاله أن نذكر هذه الملاحظات.

أ) إن المجتمع المكي آنذاك كان كافرًا كفرًا صريحًا بأفراده ونظامه، ولا يقول عاقل أن مجتمعنا اليوم هو كذلك.

ب) إن دخول النبي صلى الله عليه وسلم لدار الندوة كان يحتم عليه أن يترك دعوته في تسفيه أحلام وأصنام قريش، ولا أحد يقول ذلك لمن يدخل مجلس الأمة.

‏ج) إن سن القوانين في دار الندوة لا يستند لأي قاعدة شرعية أو أصول ديانة، بل كل ما يصدر إنما يكون عن هوى بشري، وفي مجلس الأمة ليس بهذه الصورة.

وفوارق كثيرة تجعلنا لا نسلم لكم في هذا القياس والتشبيه.

إن المنع هو ما قرره رجال الدعوة كسيد قطب رحمه الله، وأبو الأعلى رحمه الله، فهذا لا نسلم له.. أما قول سيد رحمه الله فهو كما بينا في تعرضه للآيات التي يستشهدون بها لا يتعرض للمنع بإطلاقه، وفي تقولنا وضوح، أما الأستاذ أبو الأعلى المودودي رحمه الله... فقبل أن نحكم على رأيه سنستعرض ما قاله في أشد رسالاته في هذا الموضوع «نظرية الإسلام السياسية» فيقول رحمه الله:

‎١)‏ ليس لفرد أو أسرة أو طبقة أو حزب أو لسائر القاطنين في الدولة نصيب من الحكمية،‏ فإن الحكم الحقيقي هو لله، والسلطة الحقيقية مختصة بذاته تعالى وحده، والذين من دونه في هذه المعمورة إنما هم رعايا في سلطانه العظيم».

٢)‏ ليس لأحد من دون الله شيء من أمر التشريع، والمسلمون جميعًا ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا لا يستطيعون أن يشرعوا قانونًا ولا يقدرون أن يغيروا شيئا مما شرع الله لهم.

‏هذا الذي ذكرناه أشد ما قيل من أستاذنا أبي الأعلى المودودي رحمه الله... وهنا لا نعتقد أن أحدًا يخالف فيه، بل هو أمر مقرر في أصول العقيدة، ولكن الذي نختلف فيه مع أصحاب الرأي المانع أن دخول المسلم في مجلس الأمة ليصدع بكلمة الحق، وليبين ما يظنه ويعتقده أنه حكم الله في قضية من القضايا لا يتعارض مع ما ذكره الأستاذ المودودي، بل يتعارض عندما يدخل وهو يعتقد أنه له الحق بإصدار الأحكام بعيدًا عن الله، وإنه يمثل الشعب، فلا بد أن يحكم بالأمر الذي يريده الشعب، بهذه الصورة نقول له: لا تدخل هذا من جانب، ومن جانب آخر إن الجماعة الإسلامية في الباكستان والأستاذ المودودي رحمه الله أميرًا لها من قبل البروفسور طفيل -شاركت في الحكم وفي الجهاز التنفيذي نفسه فتعين منها وزراء في الحكومة الحالية- ومن شارك في الجهاز التنفيذي كيف يحرم الجهاز التشريعي؟ كما أنهم شاركوا في الانتخابات الأخيرة ووجد منهم أعدادًا كبيرة في البرلمان، وبهذا نظن أنه وضح رأي الأستاذ المودودي.

‎أما أن المشاركة تكريس للنظام الموجود... فأقول: إن هذا الأمر عندما يقوله قائل فيجب عليه أن يعيش في القضاء، لأن العمل في أي جهاز وظيفي تقوية للنظام، والعمل الحر التجاري والزراعي كذلك تقوية للنظام الاقتصادي، وحتى الرعي في الصحراء مع الأغنام تكريس للنظام الاجتماعي.. وعلى ذلك فحيث كان الإنسان ويتحرك فهو بصورة أو بأخرى يعمل على بناء المكان الذي يتحرك فيه، وإن كان جهده وقصده هدم هذا المكان.. هذا بوجه عام.. وعلى وجه التفصيل نذكر مثالًا، ثم ليقل بعد ذلك صاحب المنع أين يكون التكريس للنظام.

«عرض في المجلس الماضي موضوع شرب الخمر على الخطوط الجوية الكويتية، وطرح للنقاش، فتصدى له بعض من يريد أن يبرأ ذمته أمام الله، ودار الحوار، ثم بعد ذلك صدر قانون يمنع الشرب، وأنه يسرى المنع في الجو كما هو في الأرض» هذه صورة فأين التكريس للنظام؟؟ اترك ذلك بدون تعليق.

وبعد أن ناقشنا أدلة المانعين نقول: إن استقراء نصوص الشريعة، والنظر في روح التشريع يجعلنا نقول بجواز الدخول، وقد حصل مثل هذا الأمر المشتبه لي زمن ابن تيمية رحمه الله فأفتي بالجواز.. فقد سئل رحمه الله: عن الكفار المتحصنين في حصون على ثغور المسلمين يعمدون إلى الإغارة على بيضة المسلمين فينهبون ويقتلون ثم يتحصنون بحصونهم، ويتدرعون بأطفالهم وشيوخهم، وبأسرى المسلمين، فكيف نصل إليهم؟

‏فأجاب رحمه الله: بجواز قتل المسلمين المتترس بهم، مع أن قتلهم حرام لأنه لو ‏يمكن الوصول إلى حماية أرض الإسلام وتدمير حصون الكفر إلا عن هذا الطريق!! كذلك أفتى ابن تيمية رحمه الله بجواز انغماس المسلم في صف الكفار لمصلحة، ولو غلب على ظنه أنهم يقتلونه.

وهنا لا بد من ذكر بعض القضايا المهمة:

في المجلس:

‎١‏) اتفق أهل العلم على أن كل ما نزل به وحي لم يجز مشاورة الأمة فيه لأنه لا اجتهاد في مورد النص.

٢‏) إن هناك فروقًا بين مجلس الشورى ومجلس الأمة أو أي برلمان آخر ومن أهمها:

أ- أن مجلس البرلمان: يسن القوانين والأنظمة التي تحتاجها الدولة في جميع مرافقها حسبما يراه الأعضاء موافقًا للظروف.

ب- أما مجلس الشورى ‎الإسلامي: فإنه يقوم بتنظيم ما ذكرناه بما يوافق روح الشريعة الإسلامية، ولا يصطدم بنص وارد في القرآن الكر يم والسنة النبوية.

‏وهناك فروق أخرى نكتفي هنا بما يتعلق بموضوعنا.

أقول وبعد استعراض الرأيين يتبين لي أن من يقول بالجواز هو الراجح والله أعلم، على أنه لا يفوتني أن أبين أن هذه من الأمور الاجتهادية التي تسع الطرفين، وعلى ذلك لا أرى أن يوصف أهل المنع بصفات وعبارات التسفيه، كما أنه لا يجوز للمانعين أن يتهموا المجيزين في دينهم وعقيدتهم، والله يهدي الصواب.

القضية الثانية: من هم أهل الشورى؟‏ ولا نعني الصفات اللازمة لهم، بل نقصد النوعية التي يتم استشارتها، وقبل الحكم بذلك سنتعرض لصور من استشارات النبي صلى الله عليه وسلم.

الصورة الأولى: جمهور الأمة وكان ذلك حين استشار النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بالأمر الذي يتخذه في شأن من أشاع حديث الإفك في شأن أم المؤمنين السيدة عائشة رضى الله عنها فقال صلى الله عليه وسلم: «أشيروا على» والخطاب في المسجد لجمهور الأمة.

الصورة الثانية: جماعة معينة - كاستشارة النبي r للأنصار في غزوة بدر.

الصورة الثالثة: استشارة أصحاب الرأي كاستشارة النبي صلى الله عليه وسلم للحباب بن المنذر في موضع القتال في غزوة بدر.

‏ومن استعراض هذه الصور نرى أن أهل الشورى يكونون حسب كل زمن، لذلك كان سلفنا يستعملون هذه الأمور على حسبها.

‏القضية الثالثة: شروط المنتخب وحقوقه:

شروطه: لو نظر الإنسان في كتب الفقه لم يجد شروطًا بهذا الاسم «أي شروط المنتخب» ولكنا نجد شروطًا للشاهد، والمشابهة بينهما واضحة، والشاهد له شروط متفق عليها نعتمدها ونقول فيها: الإسلام، والعقل، عدم الغفلة، البلوغ، العدالة، التي عرفها العلماء بـ «اجتناب الكبائر، وعدم الإصرار على الصغائر، مع الحافظة على المروءة».

‏وعلى هذا فلا اعتبار لكون المنتخب ذكرًا أو أنثى، إذا توفرت فيه الشروط السابقة، كذلك لا اعتبار لكونه عبدًا أو حرًا.

حقوق المنتخب على العضو في المجلس... من أهم الحقوق أنه يحق محاسبته ومناقشته في كل أمر وقرار يتخذه، ونأخذ ذلك من وجه الشبه بين الانتخابات وعقد الوكالة، فالطرف الأول هو «الشعب» وهو الموكل، والطرف الثاني عضو مجلس الأمة، وهو الوكيل، وعلى ذلك يجب أن يكون المقر الانتخابي لعضو مجلس الأمة قائمًا على الأقل يومين في الأسبوع، يوم قبل الجلسة ويوم بعد الجلسة الأسبوعية للمجلس.

القضية الرابعة: تبعية التصويت فردية أم جماعية؟؟

في عموم القضية أن التبعية فردية، فهي شهادة يقوم بها الإنسان، وسيسأل أمام الله عنها يوم القيامة. وفي هذا الجانب لا إشكال في القضية، فيتبقى بعد ذلك كيف يستطيع أن يتعرف على الرجل الذي تتوفر فيه القوة والأمانة، ويتحلى بأكثر صفات المرشح الصالح.. لا يختلف اثنان بأن مدارك الناس تختلف في قدراتها على معرفة الناس، لأن المعرفة تتطلب أمورًا كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر: تمسك المرشح بتعاليم الإسلام هو وأهل بيته، وتمثله للإسلام في حياته، قدراته الفكرية والثقافية وعمقه في الفهم والاستنباط، واستطاعته التعبير عن الفكر الإسلامي الصافي، وقدرته على الإقناع، معرفة غاياته وأهدافه من دخول المجلس، فهم مراده من بيانه الانتخابي إلى غير ذلك مما يعين على تمييز الرجل المناسب لهذا المكان من بين عموم المرشحين.

إذًا هذه المسألة لا تعدو أن تكون كمسائل الفقه فيها المجتهد الذي ينظر إلى «الأدلة» وأقصد بذلك أنه يذهب بنفسه إلى المرشحين الموجودين في منطقته ويحاورهم، ثم بعد ذلك يتوصل إلى أفضل الموجود، كوصول المجتهد إلى ما يظنه أنه حكم الله في المسألة، ولكن يجب التنويه إلى أنه يجب ألا يكون كمجتهدي عصر السرعة الذي لا ينظر إلا في دليل شيخه، فيعمل على أن يتصل في مرشحه الذي يرتبط معه بأي صورة من الصور «قبلية أو عائلية- أو حزبية» ثم بعد ذلك يفتي بأن مرشحه أفضل الموجودين، كمن يقول بأن دليل شيخه أقوى الأدلة وأرجحها وهو لم يكلف نفسه ساعات قليلة في النظر في أدلة الآخرين، فيجب أن ينتبه المنتخِب - بكسر الخاء- إلى ذلك وعلى ذلك نخلص أن المجتهد ينظر بنفسه ثم ينتخب، ومن ينطق بنفسه أنه لا يبلغ درجة النظر فيسأل من يظن فيه الصلاح ليبينوا له ويفصلوا في ميزة من يرشحونه لهذا المنصب.

وقبل ختم هذه القضية لا بد من بيان مسألة مهمة قد لا تتضح كثيرًا في الكويت، ولكن هي أكثر وضوحًا في البلاد الحزبية... وهي: هل المسلم الملتزم في تجمع معين ملزم بالرجل الذي يختاره هذا التجمع أم لا؟؟‏ وهنا لا بد من التفصيل فنقول: هل هذا التجمع عنده الآلات التي يستطيع أن يجتهد فيها في الوصول للرجل المناسب أم لا، ثم هل استغرق جهده فعلًا في الوصول إلى معرفة الرجال واتصل بجميع المرشحين وحاورهم وجالسهم وخلص إلى أفضلهم أم لا؟؟

فإن كان الجواب بالنفي بأحدهما فلا يلزم الفرد الذي في هذا التجمع بأي صورة من الصور في الالتزام، لأنه سيكون مقلدًا من يجهل حاله، أو من لم يبلغ درجة الاجتهاد وهذا لا يجوز وإن كان الجواب بالإيجاب، فالغالب أن تكون في كل تجمع من لم يبلغوا درجة النظر وأناس مجتهدون، وعلى ذلك يلزم التجمع بمن ترشحه الجماعة بجميع أفراده المجتهدين، وأنا حين أذكر ذلك لا أنكر أن ذلك فيه نوعًا من المعذرة لهذه التجمعات، حيث إنها لا تستطيع أن تضبط إحصائياتها في عملية التخطيط والاتفاق في العملية التنفيذية للترشيح، كما أنه يتيح لكثيرين من أصحاب الالتزام الضعيف بعدم الالتزام بحجة أنهم بلغوا درجة الاجتهاد، مع مثل هذه السلبيات وغيرها لا يمنع من أن نقول ما نعتقد أنه حق والله يهدي إلى طريق الصواب.

القضية الخامسة: هل نزول أكثر من واحد من التجمعات الإسلامية في المنطقة الانتخابية الواحدة مخالف لأصل الأمة الواحدة، والاعتصام بحبل الله.. أم لا؟؟

وهنا تطرح مسائل لا بد من بيانها:

‎١‏- إن الشريعة لا تمنع من قيام الأحزاب الإسلامية على أن تكون الآراء المطروحة منها لا تتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية، ويكون قصد قيامها النصح لا إحداث الفتن.

2- ‏إن الأصل الذي يجب أن يجمع التجمعات الإسلامية هو قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ﴾ (آل عمران: 103) وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: 1).

‎3- إن الخلاف بين التجمعات الذي لا يفرق الصف لا ضرر فيه كخلاف أبي بكر الصديق وعمر الفاروق في بعض المسائل كقتال المرتدين - حيث إن كلاهما باق في الجماعة، كما أنه يجب ألا يتعدى المسائل الفرعية والطرق الاجتهادية التي لا ‏يوجد دليل قطعي فيها، وعلى أن يكون قصد كل تجمع الوصول إلى الحق والصواب، لذلك قال ابن حزم رحمه الله: «لا يلحق الذم الصحابة في اختلافهم لأنهم تحروا الحق واجتهدوا فيه للوصول إليه فهم مأجورون»، كما أنه يلزم كل تجمع بأن يبذل أقصى جهد للوصول إلى الحق، فإن قصد أحدهم في الجهد المبذول ولم يوفق إلى الصواب ومن ثم خالف المصيب فخلافه مذموم، ونحن مع ذكرنا هذا لا نحرض على وقوع الخلاف، ونعمل على أن تكون التجمعات تجمع واحدًا يرهب الأعداء ويزيد البناء قوًة وتماسكًا، ونحن حين نذكر ذلك فقصدنا ألا يندهش من يراه ويسمع به.

‏أما الخلاف المذموم فهو ذلك الذي يفرق الصف ويشتت الجهود، وعادة ما يكون نتيجة للبغي ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ﴾ (آل عمران: 19).

‏اتباع الهوى والجهل: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ۚ﴾ (القصص: 50).

‏ويلاحظ هنا أن ما أجزناه إنما يكون إذا كان جميع المرشحين أو المتوقع نجاحهم ممن تنطبق عليهم الشروط.. أما إذا كان اختلاف أصحاب التجمعات الإسلامية يؤدي إلى تأخر من يتحلى بالصفات اللازمة وظهور صاحب بدعة، فهذا لا يجوز، وقد يكون آثمًا من تسبب في وجود مثل هذا الخلاف، بل قد يكون مدسوسًا في صفوف المسلمين فتمسح بأثواب المتنسكين لابسًا جبة الوعاظ العلماء.

‏القضية السادسة: ما شروط المنتخب -بفتح الخاء-: ونحن في هذا الأمر لا نحصي صفات وخواص العضو، بل نذكر قواعد في ضوئها يعرف المرشح -بفتح الراء-

القاعدة الأولى: أن يكون ذا قوة وأمانة لقوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (القصص: 26).

‏وقول عمر : «استشر في دينك الذين يخشون الله عز وجل».

القاعدة الثانية: الإسلام لقوله تعالى ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ﴾ (االنساء: 59)

القاعدة الثالثة: الرجولة: لقوله تعالى ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (النساء: 34)، ولقوله صلى الله عليه وسلم : «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة».

القاعدة الرابعة: العقل والبلوغ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (النساء: 5).

القاعدة الخامسة: ألا يكون صاحب بدعة لقوله صلى الله عليه وسلم: «من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام».

هذه بعض القضايا، وقضايا الانتخابات كثيرة، ولكن نكتفي بما ذكر، ونذكر الآن ببعض الملاحظات المتعلقة بالانتخابات، وسأذكر ما هو سلبي لأن ما هو إيجابي قد ذكر في مواطن كثيرة، وسأتناول بعض ما طفا على السطح، سائلًا المولى عز وجل أن تتلافي، و يقطع دبرها.

الملاحظة الأولى: ظهور بعض الأخلاقيات اللاإسلامية في غفلة من الإيمان والمشي في الطين الأرضي تناسى بعض الناس الأخلاقية التي تحكم المسلمين مع بعضهم البعض، فنرى أن ناموس الأخلاق المكيافيلية قد حلت مكان الأخلاق الإسلامية فنرى «الكذب» ظهر بين ما يسمونهم «بالمفاتيح الانتخابية».

غير اسمه وأطلق عليه «الثورة» «الحيكة الانتخابية» إلى غير ذلك من الأسماء، وقد أخبر النبي r عن الخمر بأنه سيأتي زمان يسمونها بغير اسمها ليحلوها...

«ظهور النفاق» بين المرشحين والناس وأطلقوا عليه «الدبلوماسية» «والإتكيت»، فنرى أناسًا لم يعرفوا المسجد إلا هذه الأيام. وآخرون لم يبتسموا لأحد من قبل تجده يوزع الابتسامات على من يعرف ومن لا يعرف، ومجموعة تراها تنازلت عن كثير من مبادئها، وصافحت واعتنقت من كانت تغتابه بالليل والنهار.

«الفجور في المخاصمة» فتجد شعور أكثر المرشحين -بفتح الراء- إن لم تكن معه فأنت ضده، ويبدأ يكيد لك، ويعمل على تشويه سمعتك ما استطاع لذلك سبيلًا، بل الأكثر من ذلك أن مجموعة المرشح الذي لا تعمل معه يكيدون لك، ويدسون لك في كل مكان.

«الاصطياد في الماء العكر» وهذا السمت الأخلاقي في الشيوعي تسمع به وترى أثره حتى في الأوساط التي يسمونها إسلامية، فتلاحظ أن قاعدة عدو عدوك صديقك واضحة، فترى أناسًا يختلفون كلية في شريعتهم ومنهجهم عن فئة معينة، ولم يكن يتصور في يوم من الأيام أن يتحركوا في إطار واحد، وإذا بنا نسمع ونرى تحرك هاتين الشريعتين في نسق واحد منتظم بصورة يتعجب لها المشاهد، وليكن كما قيل عند معرفة السبب يبطل العجب، وإذا بالأمور تتكشف وتتبين أن هذا الإخاء المشبوه تكون للكيد لمرشح آخر لا لشيء سوى أن أقارب هذا المرشح المتآمر عليه لن يعطوا المرشح المتآخين في منطقة أخرى!!

هذه الأخلاقيات وغيرها مما يحز في الصدر أن تخرج وتنتشر حتى في أوساط ‏الإسلاميين‎!!

الملاحظة الثانية:

انعدام الثقة بين الناس، سواء كانوا مرشحين -بفتح الراء- أو منتخبين -بجر الخاء- وكل ذلك مترتب على عدم التأكد من الوفاء بالعهد، وقد عالج القرآن هذه القضية بصورة قاطعة فقال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (النحل: 91) وفي هذه نتلمس ما فتحه الله سبحانه على سيد قطب في الظلال حيث يقول: «والوفاء بعهد الله يشمل كل عهد على معروف يأمر به الله، والوفاء بالعهود هو الضمان لبقاء عنصر الثقة إلى التعامل بين الناس، وبدون هذه الثقة لا يقوم مجتمع. ولا تقوم إنسانية، وقد تشدد الإسلام في مسألة الوفاء بالعهود فلم يتسامح فيها أبدًا، لأنها قاعدة الثقة التي ينفرط بدونها عقد الجماعة ويتهدم.

الملاحظة الثالثة:

إن عملية الانتخابات فرقت بين الأقرباء، كان من المتصور والمتوقع أن في عملية الانتخابات تزداد روابط الأسرة، وتقوى روابط القبائل، وتتجمع عرى التجمعات... هذا هو المتبادر إلى الذهن، وهو المنظور للناظر من بعد، ولكن للأسف عند التعمق والنظر من الداخل نجد النفوس متشنجة، ومعاني روابط الرحم أوهن من خيوط العنكبوت... وقد يكون هذا الوضع الذي لا يسر من في قلبه أدنى غيرة على توحد الصف ونقاء السرائر، تكون من وجود الأهواء،‏ وحب النفس والتنافس على المنصب والوجاهات، والكل يدعى أنه أتى للمصلحة العامة، وأنه أهدر المصلحة الفردية في مقدمة برنامجه الانتخابي -مقدمة لا طائل من عرضها- وهذه كلها كانت بمثابة الوقود لبناء الفتنة.... إنما الذي أشعلها وعمل على تأجيجها أحفاد عبد الله بن سبأ بالمبدأ، فقد أشعلها ابن سبأ بالأمس بين أبناء العم، فكانت حربًا لا زلنا إلى اليوم نحصد شرها ويشعلها اليوم السبئيون بين التجمعات والأسر والقبائل ... وهم بذلك يقولون لا يريدون إلا الإصلاح!! وقد قلل من فعاليات السبئيين في القديم وجود السحت التربوي الذي كان يتمثله الصحابة رضوان الله عليهم فأي شيء يخفف نار تفريقنا اليوم، بل للأسف أننا نعينهم على فتنتهم عندما نصدرهم ونصغي لهم مسامعنا، ونطيعهم في بعض الأمر.

الرابط المختصر :