العنوان اختيار منتظري بين الرفض والقبول
الكاتب عبد الرحمن الناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 31-ديسمبر-1985
مشاهدات 48
نشر في العدد 748
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 31-ديسمبر-1985
اختيار منتظري محاولة من الخميني للالتفاف على المراجع الشيعية العليا.
هل يقبل منتظري منصب ولاية الفقيه رغم معارضة المراجع الشيعية.
قلنا في موضوعات سابقة عن الخلافات الإيرانية إن السؤال الذي يفرض نفسه على جميع الإيرانيين هو ماذا سيحدث بعد وفاة الخميني؟ وهذا السؤال الذي يعيشه الإيرانيون باستمرار يعود إلى كون الخميني هو الشخص الوحيد الذي تمكن من وضع جميع الخيوط بيده من خلال احتواء وتجميد الخلافات القوية بين القوى المختلفة العاملة على الساحة الإيرانية، وقلنا أيضًا إن الخميني على علم تام بمدى الخطر الذي يحيط بالثورة الإيرانية نتيجة الخلافات، ولذا عمد إلى تشكيل مجلس الخبراء الذي يختار الخليفة حسب وصية الخميني وأشرنا إلى أن الاحتمال الأقوى يدور مع ترشيح آية الله لا حسين منتظري خليفة للخميني.
اختيار منتظري بين الرفض والقبول
ما أشرنا إليه حول احتمال ترشيح منتظري لخلافة الخميني أكدته وكالة الأنباء الإيرانية يوم ٢٢ نوفمبر من خلال إعلان رسمي صادر عن مجلس الخبراء تضمن اختيار المجلس لآية الله حسين منتظري كخليفة للإمام الخميني وذلك إثر اجتماعات مغلقة عقدها مجلس الخبراء لهذا الغرض، وقد جاء هذا الاختيار متفقًا مع رغبة الخميني نفسه الذي اجتمع إلى مجلس الخبراء قبل جلسة الاختيار، «ولا بد هنا من الإشارة إلى أن مجلس الخبراء تم تشكيله من قبل الخميني ليضمن اختيار الشخص الذي يقوم بترشيحه».
ولكن الملفت للنظر هنا أن إعلان مجلس الخبراء لم يكن متفقًا مع وصية سابقة للخميني أودعها لدى أمانة سر المجلس وتقضي بالإعلان عن اختيار خليفته بعد وفاته، لذا كان الإعلان عن اختيار منتظري في هذا الوقت مثيرًا للدهشة حتى في أوساط القيادة الإيرانية حيث أعلن هاشمي رافسنجاني أنه لم يكن ينبغي الكشف عن هذه الخطوة علنًا في الوقت الحاضر على الأقل من حيث إن الرجل الذي سيحكم إيران بعد وفاة الخميني يجب أن يبقى أمره سرًا إلى الوقت المناسب، وهذا ما كان يريده الخميني نفسه عندما أرسل وصيته إلى مجلس الخبراء مقرونة برغبته أن يبقى الأمر سرًا لما بعد وفاته. وفي محاولة لتفسير قيام مجلس الخبراء بإعلان اختيار الخليفة يقول حجة الإسلام باريكباني إن اختيار منتظري يحبط المؤامرات الخارجية ضد إيران، وذلك في إشارة منه إلى قوى المعارضة الإيرانية إضافة إلى القوى الخارجية التي تنتظر فترة ما بعد الخميني، ومن الواضح أن تفسير باريكباني لم يكن واضحًا تمامًا، فالمعروف أن الدستور الإيراني ينص على أن لمجلس الخبراء سلطة اختيار المرشد الجديد «خليفة الخميني» في حالة وفاة الفقيه «أي الخميني» على أن يتم الاختيار من قبل الجميع ولكن اختيار منتظري حسب الأنباء التي تسربت من المجلس لم يكن اختيارًا إجماعيًا بالإضافة إلى أن المادة «107» من الدستور تنص على أنه في حال تعذر الوصول إلى إجماع في الرأي حول اختيار الفقيه الجديد.. فإن على الخبراء تعيين مجلس للوصاية يضم ثلاثة أو خمسة فقهاء.. وإذا ما قارنا هاتين المادتين الدستوريتين بالنسبة لإعلان اختيار منتظري فإننا نلاحظ أن هذا الاختيار خالف الدستور مرتين الأول لأنه خالف قاعدة الإجماع والثانية لكون الاختيار تم قبل وفاة الإمام الخميني، ولهذا يقول هاشمي رافسنجاني في تبريره لهذا الاتجاه:
إن مجلس الخبراء كان مضطرًا لتعيين خليفة للإمام وهو على قيد الحياة حتى يمكن تفادي حدوث فراغ في السلطة في حالة ما إذا وقع شيء ما للإمام. وما ذهب إليه رافسنجاني يدل دلالة قطعية على أن التخوف من حدوث أمر ما في مرحلة ما بعد الخميني دفع القيادة الإيرانية إلى مخالفة الدستور والتعجيل بالإعلان عن اختيار خليفة للإمام الخميني.
والملفت للنظر في قضية الإعلان عن اختيار منتظري أن هذا الإعلان قوبل بما يشبه الصمت المطبق على صعيد الإعلام الإيراني، فالصحف الإيرانية السبعة باستثناء صحيفة كيهان تجاهلت الإعلان الصادر عن مجلس الخدام باختيار منتظري وراديو طهران والتلفزيون الإيراني لم يتعرضا لهذا الاختيار من قريب أو بعيد على غير العادة المتبعة في مثل تلك المناسبات التي تعتبر في غاية الأهمية، وهذا ما آثار دهشة الأوساط الإيرانية المختلفة إضافة إلى دهشة الدبلوماسيين الأجانب في العاصمة الإيرانية. وإن كان الأمر قد قوبل بمثل هذا التجاهل الواضح.
فلماذا تم الإعلان عن اختيار منتظري؟
بداية نقول إنه من غير المقبول أن يكون اختيار المجلس لمنتظري قد تم بدون علمه فالمعروف أن منتظري هو الشخص الأكثر قربًا والتصاقًا بالخميني فهو زوج شقيقته وتلميذه ومن أكثر رجال الدين الإيرانيين تأييدًا وطاعة للخميني، الذي منحه لقب آية الله، وهو اللقب الذي أثار حفيظة واستياء المراجع الشيعية المعروفة لاعتقادهم أن منتظري لا يستحق هذا اللقب.. ومن هنا فإننا نعتقد بأن منتظري كان على علم بترشيح أستاذه لهذا المنصب الكبير، ومع أنه لا يهمنا كثيرًا إن كان منتظري قد علم بترشيحه أم لم يعلم، إلا أننا نريد أن نصل من ذلك إلى سكوت منتظري طوال تلك الفترة عن ترشيحه ومن ثم إعلان عدم رغبته في ذلك المنصب بعد صدور الإعلان الرسمي لمجلس الخبراء، وهنا يمكن القول إن منتظري أو بالأحرى الإمام الخميني ومجلس خبرائه أرادوا بهذا الإعلان الوصول إلى النقاط التالية:
- جس نبض الشارع الإيراني من اختيار منتظري.
- إعطاء القيادة الإيرانية فرصة للمناورة إذا ما تبين وجود تجاه رافض ومؤثر لهذا الاختيار.
- التأكيد على خط القيادة الحالية الممثلة بخط الإمام الخميني.
- محاولة احتواء أي خلاف أو صراع على السلطة يمكن أن يظهر بعد وفاة الخميني.
- الالتفاف على المراجع الشيعية العليا الرافضة لاتجاهات الخميني وخاصة فيما يتعلق بولاية
الفقيه.
والملاحظ في هذا كله أن الإمام الخميني رغم أن ترشيح منتظري يعبر عن رغبته، ورغم مرور
ما يقرب من شهر على إعلان مجلس الخبراء اختيار منتظري إلا أنه «أي الخميني» لم يصدر أي بيان يعبر من خلاله عن وجهة نظره الرسمية في هذا الاختيار، نظرًا لأن إعلانًا رسميًا من الخميني له أثر كبير في مسألة رفض الاختيار أو قبوله لدى الأوساط الإيرانية المختلفة، وحتى منتظري نفسه فإنه ينتظر الإعلان الرسمي الصادر عن الخميني، ورغم أنه أرسل لمجلس الخبراء طلبًا يتضمن رغبته في أن يتراجع المجلس عن اختياره إلا أن هذا الطلب أو تلك الرغبة لا تعني شيئًا إذا ما أصر الخميني على تثبيت اختيار منتظري لخلافته.
لماذا ترفض المراجع الشيعية اختيار منتظري
معظم الوسائل الإعلامية التي تعرضت لمسألة اختيار منتظري لخلافة الخميني ذهبت في تحليلها إلى الجوانب السياسية فقط، على اعتبار أن هذه المسألة- حسب رأي هذه الوسائل- تدخل في إطار الصراع السياسي على السلطة ونحن لا ننكر على هذه الوسائل ما ذهبت إليه في تحليلاتها إلا أننا نود أن نشير إلى الخلاف في أن هذه المسألة ليست سياسية بالدرجة الأولى كما هو مشاهد في كثير من الأنظمة السياسية في العالم، لأنه لو كان الأمر كذلك لقلنا إن ما يحدث في إيران يحدث مثيله في كثير من دول العالم.. ولكن الحقيقة في مسألة الخلاف الدائر اليوم على الساحة الإيرانية كونه خلافًا دينيًا بحتًا يتناول إحدى دعائم المذهب الشيعي المتمثلة «بالمرجعية».
ومن هنا فإن هذا الخلاف حتى وإن تمت تسويته أو بالأحرى الالتفاف حوله لصالح رغبة الإمام الخميني فإن آثاره السلبية ستظهر مستقبلًا على الساحة الإيرانية بشكل خاص وعلى الساحة الشيعية بوجه عام.
وبعيدًا عن جذور الخلافات الدينية في المذهب الشيعي نقول إن الغالبية العظمى من الشيعة وبخاصة أولئك الذين يقطنون العراق وإیران يعتمدون في عبادتهم على التقليد بمعنى أن هذه العبادة وتلك الطاعة لا يتمان إلا بتقليد مرجع ديني حي، أما المرجع المتوفى فتنقطع طاعته أو تقليده بعد الوفاة. والمرجعية هي مرتبة عليا لا يحوزها إلا من يحمل لقب آية الله، وأن يكون ممن قدموا أبحاثًا ودراسات متعددة في العلوم الشرعية، بمعنى أن كل مرجع يجب أن يكون ممن يحملون لقب آية الله وليس كل من يحمل هذا اللقب يكون مرجعًا، ولهذا فرغم تعدد من حملوا أو يحملون لقب آية الله إلا أن عدد المراجع لا يتجاوز الثمانية وهم:
من إیران
١ - الخميني
۲ - شريعتمداري
3- المرعشي
٤ - جوليجاني
5- الشيرازي
من العراق
6- محمد باقر الصدر
7- الخوئي
8- العسكري
ومن المعروف أن محمد باقر الصدر قد أعدم قبل عدة سنوات بسبب قيادته لحزب الدعوة المعارض لنظام الحكم في العراق.
والمعروف أيضًا أن كل مرجع من هذه المراجع يعيش في استقلالية تامة عن المراجع الأخرى بمعنى أنه لا يحق للمرجع أن يتدخل في توجيه أتباع المرجع الآخر، فكل مرجع يفتي لأتباعه كل ما يهمهم من شؤون الحياة.
واستمر الأمر على هذا النحو إلى أن قامت الثورة الإيرانية عام ۱۹۷۸ بقيادة المرجع آية الله الخميني الذي فرض نفسه كإمام عام ومن هنا بدأت الخلافات تظهر على السطح بين الخميني وبين تلك المراجع، وخاصة أن الخميني مع كونه مرجعًا إلا أنه لم يكن بأفقههم ولا أعلمهم، لذلك كان تنازل المراجع عن بعض سلطاتهم الدينية أمرًا في غاية التعقيد .
ومن هنا فإن السبب المباشر للصدام بين الخميني وآية الله شريعتمداري كان يدور حول مسألة تنازل المراجع عن بعض سلطاتهم للخميني وهذا ما رفضه شريعتمداري بشدة أدت إلى محاصرته ومن ثم تجميده وإبعاده عن مسرح الأحداث في إيران.
وكانت وجهة نظر الخميني آنذاك أن الثورة تحتاج إلى جهة واحدة تديرها وتقود جماهير الشيعة في إيران، لذلك طالب المراجع الأخرى بالتنازل عن بعض سلطاتهم حتى يتيسر له إدارة دفة الدولة، وكانت إجابة المراجع لطلب الخميني متفاوتة، فمنهم من اكتفى بالموقف السلبي كالمرعشي والجوليجاني ومنهم من تصدى له كآية الله شريعتمداري.. لذلك وجد الخميني نفسه مضطرًا للإعلان عن إنشاء المركز الديني المعروف باسم ولاية الفقيه كوسيلة للالتفاف على المراجع الشيعية الأخرى وحصر معظم السلطات الدينية في يده فقط.
ومن خلال تنصيب الخميني في مركز ولاية الفقيه تم له الحكم المطلق والسيطرة التامة على مقاليد الأمور في إيران.
ولكن هذه السيطرة لم تكن تعني انتهاء سلطة المراجع الأخرى أو تأثيرها على الرأي العام واستمر لذلك عامل الثقة مقطوعًا بين المراجع والخميني، وحين جاء الوقت المناسب لاختيار خليفة للخميني لم يجد من المراجع من هو أهل لثقته للأسباب التي ذكرناها سابقًا بالإضافة إلى أن الخميني يعتقد أن هذه المراجع لا تملك الرؤية السياسية الواضحة التي تمكنها من إدارة شؤون الثورة والدولة، ولهذا كان اختياره لآية الله منتظري الذي لم يصل إلى رتبة المرجعية حيث يطلق عليه لقب المجتهد فقط، وكون منتظري لا يحمل لقب مرجع فإن اختياره خليفة للخميني يسبب له إحراجًا كبيرًا أمام المراجع الشيعية، ولكنه مع هذا الإحراج الذي دفعه إلى مناشدة مجلس الخبراء إعادة النظر في قرار اختياره إلا أننا لا نعتقد أن المنتظري يستطيع- رغم الإحراج- أن يرفض تأييد الخميني لقرار مجلس الخبراء في اختياره لمركز ولاية الفقيه بعد وفاة الخميني.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل