العنوان ادعوني أستجب لكم
الكاتب سمية رمضان
تاريخ النشر السبت 01-يوليو-2006
مشاهدات 57
نشر في العدد 1708
نشر في الصفحة 52
السبت 01-يوليو-2006
- كل خلق الله يدعون. فالملائكة لهم أدعية وإبليس له أدعية والبشر لهم أدعية سواء كانوا مؤمنين أو كفارًا.
- الله سبحانه وتعالى يجيب دعوة المظلوم ولو كان كافرًا.
تركها زوجها ومعها ثلاث فتيات جميلات في عمر الزهور وقررت أن تكرس حياتها من أجل تربيتهن تربية إسلامية، فيكن لها حجابًا من النار، فاستجابت لها اثنتان، أما الثالثة فلم تستجب إلا لدعوة الشيطان، فسارت في فلكه، وقد أصمت أذنها عن نداء الأم التي أصيبت بالهلع وحاولت إنقاذ فلذة كبدها من براثن الشيطان ولكنه كان يزداد بها تشبثًا، فقررت الاستعانة بأهل العلم فكانت النصيحة أن تخفف قبضتها على ابنتها، وتمتنع تمامًا عن استخدام العنف.
وعليها بالكلمة الطيبة والنصيحة الهادئة، والدعاء الدائم إلى الله، فهو الذي يملك قلب فتاتها وهو القادر على هدايتها ولم يكن للأم خيار، ومن حرصها الشديد على ضم ابنتها مرة أخرى بجناحيها أرادت أن يكون عملها بإخلاص وفهم، لذا فقد أخذت تردد آية من آيات القرآن ليتسنى لقلبها فهمها فتتحرك بها جوارحها فتحدث يقظة حقيقية للروح والعقل:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة: 186).
وعندما أبصرت قول الله بقلبها قالت: سبحان الله فهو على عظمته وكبريائه إن دعاه عبده استجاب بكرم ولطف فما بالها وهي الأمة. يدعوها انشغلت الله إلى كثير من الأشياء وقد قيدتها العادات والتقاليد عن الاستجابة لله؟ لذا فقد بادرت إلى فك قيودها وتحرير نفسها عن كل ما يبعدها عن الاستجابة إلى المولى سبحانه، وعمدت إلى تنقية قنوات الاتصال بينها وبين هذا الإله العظيم في السماء وفي الأرض وبالفعل انشغلت عن ابنتها بإصلاح ذاتها، وكلما نجحت في فك قيد دعت الله بإخلاص واضطرار إلى فك قيود ابنتها وتحريرها من عبودية الشيطان الذي يحيطها بشرنقة من الفتن المزيلة بلعب الدنيا ولهوها فأعمى بصرها وبصيرتها، ودارت الأيام... وتقدم أحد الشباب لابنتها وبالطبع كان على شاكلتها وتمسكت الفتاة به وتمسك بها فأخذتهما دوامة الدنيا وأفلتت يد الفتاة من يديها فاستسلمت للواقع وفوضت أمرها إلى رب السموات والأرض وما بينهما وهي مستمرة في دعاء لا ينقطع، فهي على ثقة ويقين من وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم: »ما من مسلم يدعو الله عز وجل بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال:
إما أن تعجل له دعوته.
وإما أن يدخرها له في الأخرى.
وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها».. (رواه الإمام أحمد).
وفي يوم الحنة أراد عريس ابنتها أن يسافر مع عروسه إلى أهله في بني سويف (إحدى محافظات صعيد مصر) ليعطيهم بنفسه كروت الدعوة، فقد قررا إقامة العرس في أحد الفنادق الكبيرة وتم الاتفاق مع عدة راقصات لإحياء الحفل الذي قررت الأم ألا تحضره مهما كانت الظروف، وأمام إلحاح العروسين لم يكن هناك حل إلا مصاحبة الأم لهما مع أحد المحارم، وبالفعل تحركت السيارة وجلست الأم في الكرسي الخلفي مع ابنتها، وكانت مستاءة من صوت الكاسيت الذي تندفع منه سهام من الأغاني المبتذلة فتصيب الأم في صميم القلب، ولم تلق توسلاتها لهم بإغلاق المذياع أي آذان صاغية، فأخرجت المصحف بهدوء وأخذت تقرأ فيه، وتدلي بآخر دلو بها حيث كانت تشرح لابنتها بعض الآيات التي تقرأها.
استمع الجميع.. وأذان العصر
وأمام إصرارها أغلق الكاسيت واستمع الجميع، وأذن العصر، فأشارت الأم إلى أحد المساجد وطلبت توقف السيارة لأداء الصلاة وبالفعل تهلل وجهها
وأشرقت نفسها وهي تقف أمام بيت الله ثم رجعت لمن في السيارة وقالت لهم: الله يناديكم فلبوا النداء حتى يبارك لكم في الزواج، ونزل الجميع فقالت لها ابنتها إني غير محجبة ولن أستطيع الصلاة وعلى الفور، أخرجت لها ما يكفي لستر ما انكشف من جسدها واصطحبتها معها، وأدى الجميع صلاة العصر، وبعد الصلاة شعرت بانتصارها في هذه الجولة على الشيطان، وبلعت ريقها فهو مازال متربصًا يريد أن يخطف خطفته وانطلقت السيارة، وأرادت السماء أن تهبهم بعضًا من قطراتها بإذن الله وتواصل العطاء، فكانت الأمطار تنزل كحبات اللؤلؤ تبعث الحياة في الموات فاقتربت الأم من ابنتها وأسرت لها: حبيبتي.. هذه لحظة من لحظات إجابة الدعاء فادعي الله في بداية حياتك وستجدينه سميعًا بصيرًا، نظرت الفتاة إلى حبات المطر. وقد لمس بريق لؤلؤها شغاف قلبها فقالت: اللهم أحسن خاتمتي، وشعر الجميع باصطدام شديد جعل السيارة تدور وكأنها تحولت إلى لعبة في يد قوة فائقة، وفي ثوان معدودة كانت السيارة تغوص في ترعة الإبراهيمية التي يسميها الناس ترعة الموت مع صراخ الفتاة صراخًا هستيريًا وترديدها لا يا رب.. لا يا رب.. لا يا رب حتى أهتدي، وبدأت المياه ترتفع بسرعة في السيارة ولم يكن هناك مخرج إلا فتحة زجاج السيارة الصغير بالنسبة لأجسادهم وأخذت الأم تردد الشهادة وتطلب منهم ذلك، والفتاة تقول: لا يا رب حتى أهتدي، وبسرعة مرت الأحداث وقد سخر الله لهم مجموعة من الشباب أعانها الرحمن فأخرجتهم جميعًا، وتهاوت السيارة في القاع.
كانوا ممددين على اليابسة والفتاة تطلب من الشباب أن يأتوا بثياب تسترها، وسجدت لله شاكرة مستغفرة تائبة وتم إلغاء عقود الراقصات، وكان الحفل إسلاميًا لعروس محجبة يلهج لسانها بالثناء على الله وشكر نعمائه، وكانت الأم في أقصى حالات الخشوع والذلة لله الذي إن أراد أمرًا يكفي كن فيكون، وتذكرت وثقتها في صدق رسول الله وثقتها في كرم الرحمن فكانت تردد: الحمد للم الذي هدانا لهذا تخرج من فمها كباقات الزهور تنثرها على العروسين.
سمعت هذه القصة بإصغاء شديد فقد كانت الأم هي: الراوية وتذكرت البذرة والمطر، فإن المطر عندما يتساقط على بذرة صالحة فلا بد حتى يخرج نباتها أن تشق البذرة قشرتها فيشق الله بها الصخر، وأشرقت نفسي بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الحافظ: »إن لربكم في بقية أيام دهركم نفحات فتعرضوا لها لعل دعوة أن توافق رحمة فيسعد بها صاحبها سعادة لا يخسر بعدها أبدًا» .
تأثر كل الحضور من هذه القصة فقالت إحدى الحاضرات: »سبحان من خلقنا ولم يتركنا فقد لفت نظري من آيات القرآن الكريم أن كل خلق الله يدعون: فالملائكة لهم أدعية.
وإبليس له أدعية.
والبشر لهم أدعية سواء أكانوا أنبياء أم صالحين أم مؤمنين أم كفارًا.. سواء أكان ذلك في الدنيا أم في الآخرة في الجنة أم في النار. أُخذنا بحديثها وطلبنا منها أن تفصل ما أجملت ابتسمت للحضور قائلة.
أما الملائكة فقد سخرهم سبحانه لحبنا والدعاء لنا: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ (غافر: 7)
وروى الشيخان: «الملائكة يُقبلون على أحدكم مادام في مجلسه الذي صلى فيه يقولون: اللهم ارحمه اللهم اغفر له، اللهم تب عليه»....
قالت إحدى الحاضرات سبحان الله ولكن كيف هو دعاء إبليس؟ قالت المتحدثة إنه دعا الله واستجاب له، ألم تسمعي قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (الحجر: 36)
﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ (الحجر: 37) ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ (الحجر: 38). وليته أراد ذلك ليتوب ولكنه لينفس عن حقده وحسده:
﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الحجر: 39)
﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (الحجر: 40).
أما دعاء الكافرين:
فهناك أدعية في الدنيا وأدعية في الآخرة، ففي الدنيا يستجيب سبحانه:
لدعاء الكافر المظلوم.
ودعاء الكافر المضطر ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (العنكبوت: 65).
وفي حديث متفق عليه:» واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». ولا يوفقهم الله بالدعاء في الدنيا عمومًا لضلال معتقداتهم: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الأنفال: 32).
أما أدعيتهم في الآخرة فهي غير مستجابة: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ (غافر: 49)
﴿قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالِ﴾ (غافر: 50)
تأخر بنا الوقت ولم نشعر به فكأننا لأول مرة نفهم هذا الكتاب العظيم، وافترقنا على وعد من الأخت أن نلتقي بها في أقرب وقت لتكمل لنا الحديث، وعند اللقاء كان موعدنا مع دعاء المؤمنين قالت الأخت المحاضرة: ستكون بدايتي مع شذى الأنبياء وسنبدأ صحبتنا بأبي الأنبياء خليل الرحمن عليه السلام، ففي أدعية إبراهيم عليه السلام. يظهر بشكل جلي تحقق حديث الرسول صلى الله عليه وسلم أن دعاء المسلم يعطى به إحدى ثلاث خصال، فهناك أدعية لسيدنا إبراهيم عليه السلام تحققت بعد مئات السنين:
﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة: 129).
فكان محمد صلى الله عليه وسلم ولكن كانت إجابة مؤجلة، ومن دعائه عليه السلام:
﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ (الصافات: 100 -101).
وقد عجل سبحانه له بالإجابة فكان ميلاد إسماعيل عليه السلام، وله دعوة ادخرها الله له في الآخرة علمنا من القرآن الكريم أن الله ضمن له إجابتها: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (الشعراء: 83).
﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (البقرة: 130).
وهيا بنا نتجول في حديقة الأنبياء لتسعد النفوس بهذه الزهرات الرائعة الجمال وسأقتصر على إجابة الله الفورية لبعض الرسل:
يوسف عليه السلام: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (يوسف: 34).
موسى عليه السلام: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (القصص: 16).
أيوب عليه السلام: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (الأنبياء: 83).
يونس عليه السلام: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (الأنبياء: 87).
زكريا عليه السلام: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ (الأنبياء: 89).
سليمان عليه السلام: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (ص:35). ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ (ص: 36).
نوح عليه السلام: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ (الصافات: 75) ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ (الصافات: 76).
نلاحظ حرف الفاء مع كل إجابة بما يفيد تعجيلها، فسبحانه سميع بصير قادر. قالت إحدى الأخوات: لقد جعلتني أشتاق إلى معاودة الحديث عن دعاء النبي. ففيما روى البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: إنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية الفًا وأربعمائة أو أكثر فنزلوا على بئر فنزحوها فأتوا رسول الله ﷺ فأتى البئر وقعد على شفيرها ثم قال: »ائتوني بدلو من مائها، فأتي به فبصق فدعا ثم قال: دعوها ساعة فأرووا أنفسهم وركابهم حتى ارتحلوا» انتهى.
وكلما سرح فكري في هذه الساعة وأتصور المياه وهي تأتي من كل مكان إلى حيث دعوة النبي ﷺ يزيد قلبي خشوعًا لله. شعرنا جميعًا بسكينة تغشي أفئدتنا وطمأنينة تظهر آثارها على وجوهنا وقطع هذا السكوت فتاة جامعية حيث قالت: وأين دعاء الصالحين وعامة المؤمنين؟ انتبهت الأخت الراوية وكأنها كانت تسبح مثلنا في عالم من الشفافية. فريدة أوقاته، فقالت الراوية: لدي قصة رائعة بطلها عمر بن الخطاب، فأعطوني آذانكم.
في رواية لأبي بكر بن عياش سمعها من إسحاق يقول: »كان رجل من أهل الشام ذو بأس وكان يفد إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ففقده عمر فقال: ما فعل فلان ابن فلان؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين تتابع في هذا الشراب، فدعا عمر كاتبه فقال: اكتب: من عمر بن الخطاب إلى فلان ابن فلان سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، ثم قال: ادعو الله لأخيكم أن يُقبل بقلبه ويتوب الله عليه فلما بلغ الرجل كتاب عمر مازال يردد الآية حتى تاب وترك الشراب، فلما بلغ عمر خبره قال: هكذا فاصنعوا، إذا رأيتم أخًا لكم ذل ذلة فسددوه ووفقوه وادعوا الله له أن يتوب ولا تكونوا أعوانًا للشيطان عليه من تفسير القرآن العظيم لابن كثير الجزء السابع (ص: 820).
قلت في نفسي: سبحان الله ! هل هذا عمر ابن الخطاب المعروف بشدته ولكني أشهد أنه كان ينطبق عليه قول الله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الفتح: 29).
وأخرجتني من أفكاري أخت هتفت قائلة: هذا هو الفهم الصحيح للإسلام الذي يبني ولا يدمر، رضي الله عن عمر ومن كان معه من عامة المؤمنين.
وعندما نادى المؤمنون رب العزة استجاب لهم برحمته: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (الأنفال: 9).
أما أدعية المؤمنين في الآخرة فهي مستجابة، فلهم في الجنة كل ما يتمنون وكل ادعيتهم مجابة بإذن الله: ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ (الصافات:54) ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ (الصافات: 55).
قالت أخت بصوت خافت بالكاد كنا نسمعها: هل الأمر بهذا اليسر؟ لمجرد أن نرفع أكفنا إلى الباري تكون الإجابة؟ ردت الراوية: نعم، بإذن الله، وله الأمر من قبل ومن بعد إما يعجل الإجابة أو يؤجلها أو يدخرها للآخرة. ولا نريد أن ننسى قصة الأعمى والأعرج والأقرع كان لكل منهم دعوة أجابها الرحمن وعند الابتلاء كانت فتنة الأعرج والأقرع ونجاة الأعمى أي واحد من ثلاث فالأمر لله يفعل ما شاء وما أراد فهو عالم الغيب والشهادة خبير بالنفس التي هي بين جنباتنا وكفانا فخرًا أن إلهنا قادر وقوي ووعده الحق وقد قال: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: ٦٠). المهم أن يكون الدعاء من قلب متيقظ.
عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «القلوب أوعية وبعضها أوعى من بعض فإذا سألتم الله أيها الناس فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة، فإنه لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل. وفي رواية غافل لاه».
ولتسأل كل منا حاجتها الآن فهو سبحانه معنا الآن ومرت لحظات اختلت كل أخت فينا مع ربها تتضرع إليه وتدعوه لا تسمع إحدانا الأخرى وهو يسمع الجميع ويعلم حاجته وشعرنا وكأن الملائكة تشاركنا الدعاء، فما أروع مجالس الذكر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل