العنوان ازدواجية جماعية
الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي
تاريخ النشر الثلاثاء 18-نوفمبر-1980
مشاهدات 71
نشر في العدد 505
نشر في الصفحة 15
الثلاثاء 18-نوفمبر-1980
درسونا في المدارس قصصاً كثيرة وتاريخاً كثيراً حول المبادئ والأخلاق، قالوا لنا كلاماً كثيراً عن الوفاء والإخلاص في العمل والأمانة وحب الله والوطن والعفاف والصدق وضرورة الصدع بكلمة الحق، اختبرونا شفهياً وتحريرياً بذلك، وصححوا لنا أوراقاً كثيرة حول ذلك، كان المدرس - رضي الله عنه - يتكلم عن عمر بن الخطاب بخشوع وتدمع عيناه حين يجيء ذكر عمار بن ياسر ويشعر – كما قال - أنه في رحاب جبل عندما يروي كلاماً للإمام على بن أبي طالبـ حفظونا آيات كثيرة عن المنافقين والمطففين والكفار، وحذرونا أن نكون منهم، قالوا لنا إن السرقة خيانة لله تعالى قبل أن تكون خيانة للنفس والمجتمع، وروى لنا المدرس قصة الرجل المؤمن مع الكلب الذي كاد يأكل الثرى من العطش، فكتمت في الفصل رغبة حارقة بالبكاء الشديد، قال لنا المدرس - رضي الله عنه ـ إن الخمر حرام ومضيعة للمال والصحة والعقل، وقص علينا كل ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم في الغزوات «۲۷ غزوة» وكيف أنه جرح وضُرب وكاد أن يُقتل قال لنا إنهم - أي الكفار - شتموا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبوه ووضعوا روث البقر على رأسه الشريف، واتهموه بالسحر والشعر والجنون وحب الرياسة والمنصب، تأثرنا كثيراً بالمدرس وكنا نحبه لأنه كان يحب الله.
وأخذ علينا عهداً أن نكون أوفياء للتعاليم جزاه الله كل خير، وتخرجنا في المدرسة وليتنا لم نتخرج، ودخلنا المجتمع وتعاملنا معه وليتنا لم نفعل، انهارت كل التعاليم أمامنا، نحاول أن نكون تلاميذ أوفياء للتعاليم فنوصف بالغباء، عندما نتكلم مع الناس نخاطبهم بصدق وأمانة وبلا نفاق فيقولون عنا بسطاء، نقول كلمة الحق تأسيا بالأعرابي الذي قاطع عمر بالمسجد فاذا الجميع يقول: أنا .. مسكين والله مقرود.
ونكتشف بعد ذلك ما هو أخطر، نكتشف أنه رغم إعجاب الناس بصيغة عمر بن الخطاب وعمار بن ياسر وعلى بن أبي طالب - رضي الله عنهم أجمعين - إلا أنهم - أي الناس – غير مستعدين للحياة وفقها، لا بل حتى التعايش معها، ونكتشف أن الناس لا يعرفون من عدل عمر وفدائية عمار وتقوى علي وصدق أبي ذر، إلا الأقاصيص.
ومن هنا نقول إننا لا بد أن نرسى على بر يا جماعة، فإما أن نعيد النظر في تركيبة المجتمع على ضوء ما ندرسه من تعاليم سامية في المدارس، وهذا ما نتمناه، وإما أن نعيد النظر في مناهج المدارس على ضوء ما نقاسيه من سقوط وكسور ورضوض ومهاوي في حياتنا العملية، وهذا ما لا نتمناه، ونسأل الله ألا يضيعنا فيما بين ما نتمنى وما لا نتمنى إنه على كل شيء قدير.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل