العنوان رغم التأجيل وسوء اختيار التوقيت.. نائب الإخوان يحقق الهدف :استجواب رئيس الحكومة المصرية عن حادث قطار الصعيد
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر السبت 15-يونيو-2002
مشاهدات 78
نشر في العدد 1505
نشر في الصفحة 34
السبت 15-يونيو-2002
تقرير لجنة تقصي الحقائق التي شكلها البرلمان جاء متوافقًا مع ما طرحه الاستجواب
إذا كانت الحكومة المصرية ورئيس مجلس الشعب نجحوا في تأجيل نظر الاستجواب الذي تقدم به زعيم الكتلة البرلمانية لنواب الإخوان المسلمين الدكتور محمد مرسي فإنهم فشلوا في إسقاط الاستجواب أو الرد على ما جاء به من اتهامات خطيرة.
ويمثل الاستجواب قمة الأدوات البرلمانية التي يستخدمها النائب في رقابته على أعمال الحكومة، فهو يحمل اتهامات للحكومة بمخالفة الدستور أو التعدي على القانون أو الإهمال والتقصير.
وقد تقدم نواب الإخوان خلال الدورة السابقة التي كانت الأولى في تجربتهم البرلمانية باستجوابين كان أحدهما ناجحًا موفقًا.
وخلال هذه الدورة الثانية التي قاربت على الانتهاء لم يتقدم الإخوان باستجوابات كثيرة ونجح الدكتور فتحي سرور رئيس المجلس في تعويق نظر الاستجوابات التي قدمها بقية أعضاء المجلس ثم إجهاضها عن طريق ابتداع تقليد برلماني جديد، وهو أن يتقدم النائب بمستنداته مع مذكرة الاستجواب مما يكشف أوراق النائب أمام الحكومة ويعطيها فرصة لتغيير الحقائق وتزييفها أو التخلص من الاتهامات.
وعندما وقعت كارثة قطار الصعيد منذ شهور كان النائب د. محمد مرسي أول من تقدم باستجواب يتهم فيه الحكومة ورئيسها.. عاطف عبيد بالإهمال والتقصير في تحقيق الأمن والسلامة لملايين المصريين من ركاب القطارات خاصة البسطاء والفقراء من ركاب قطارات الصعيد والدرجة الثالثة أمثال أولئك الذين راحوا ضحية قطار ۲۲ فبراير الماضي.
كانت مشاعر الجماهير ملتهبة هائجة بسبب الحادث وزادتها تصريحات رئيس الوزراء هيجانًا مما اضطر رئيس الجمهورية لتقديم كلمة عزاء للشعب للتخفيف من وقع الكارثة وتلطيف كلام رئيس الوزراء.
ونجحت الحكومة في الإفلات من المحاسبة الوقتية السريعة عبر مجلس الشعب عندما قامت الأغلبية بإحالة الأمر إلى لجنة تقصي الحقائق التي شكلها المجلس وقتها للبحث في أسباب الكارثة، وعندها تحججت الحكومة بعدم نظر الاستجواب الوحيد الذي قدمه د. محمد مرسي لحين تقديم تقرير اللجنة كي ينظر الأمر دفعة واحدة، وطبعًا الهدف هو امتصاص غضب الشعب وكسب الوقت لعل أحداثًا أخرى تحدث تخفف من وقع الكارثة.
ومن هنا جاء نظر الاستجواب بعد شهور من الكارثة وفي وقت انشغل الشعب المصري فيه بهموم الامتحانات السنوية التي داهمت كل بيت وفي وقت استعد الناس فيه لمشاهدة مباريات كأس العالم لكرة القدم تلك الملهاة الكبرى التي تستغرق شهرًا كاملًا.
محاور الاستجواب: ركز المستجوب الدكتور محمد مرسي على اتهام الحكومة صراحة باتهامات عدة أهمها:
1- إخفاء الرقم الحقيقي للضحايا:
فقد صممت الحكومة على أن عدد الضحايا في الكارثة لا يزيد على ٤٠٠ بينما تدل كل الشواهد على أن الرقم أضعاف ذلك لأن عدد العربات المحترقة بالكامل 7 عربات وعدد الناجين من الكارثة لا يزيد على ٧٠ وبحسبة بسيطة إذا كان العدد المفترض لركاب كل عربة أكثر من ١٥٠ ويزداد ذلك إلى الضعف في المواسم، فإن عدد الضحايا لا يقل عن ١٥٠٠ ضحية.
ويزداد الاهتمام بهذه المسألة إذا علمنا أن حجم التبرعات التي تدفقت على الضحايا كبير، ولا يعرف أحد حتى الآن على أي أساس سيتم تعويض أسر الضحايا وكيف يتم إثبات الوفاة خاصة وقد اختفت معالم الجثث بحيث لم يتم التعرف إلا على أقل من مائة ضحية فقط.
2- الحكومة هي المسؤولة عن الحادث:
استفز رئيس الحكومة المواطنين عندما حملهم مسؤولية الكارثة نتيجة إهمالهم وعدم مراعاتهم قواعد الأمن والسلامة، وقد حمل النائب الحكومة المسؤولية مؤكدًا أنها هي المنوطة بتشغيل مرفق السكك الحديدية وبالتالي هي المسؤولة عن أمن الركاب وسلامتهم.
وقد أكد ذلك تقرير لجنة تقصي الحقائق الذي نظر في نفس الجلسة، حيث حذر التقرير من قصور وتدهور نظم الإدارة والتشغيل والصيانة والرقابة والأمن بهيئة السكك الحديدية، مطالبًا بوضع حد للإهمال والتقصير القائم في هذا القطاع.
وقد استند النائب إلى الأحكام القضائية الصادرة في حوادث قطارات السكك الحديدية منذ عام ۱۹۳۱م، وحتى الآن حيث حمل جميعها الحكومة المسؤولية باعتبارها القائمة بتشغيل المرفق، وتعجب من عدم معالجة القصور والإهمال الواضحين وأن المحاسبة الجنائية اقتصرت على صغار الموظفين بينما أفلت كبار المسؤولين من العقاب وأدى ذلك إلى تكرار الحوادث حيث وقعت 5 حوادث للقطارات بعد كارثة ٢/٢٢ مما يدلل على تفشي القصور والإهمال.
3- إخفاء السبب الحقيقي للكارثة:
أصرت الحكومة على أن السبب هو موقد كيروسين بينما نفت سلطات التحقيق ذلك خلال معاينتها للقطار عقب الحادث.
وقد تناول النائب ذلك بالتفصيل متعجبًا من أن يتسبب موقد صغير في اشتعال ۷ عربات من القطار خلال ٨ دقائق وبقوة نيران تسببت في انصهار بعض العربات مما يعني أن درجة الحرارة زادت على ١٥٠٠ درجة مئوية، وتساءل عن كيفية انتقال النيران عكس اتجاه الريح من عربة المؤخرة إلى بقية العربات، وكيف تبقى بعد الحادث آثار كيروسين سائل وأحذية وملابس بدون احتراق في ظل درجة حرارة صهرت الصلب فهل تتهرب الحكومة من إعلان السبب الحقيقي؟! وهل ضغطت على جهات التحقيق لعدم كشف الأسباب الحقيقية.
4- الاستهانة بالأرواح:
وتمثل ذلك في التصريح المستفز لرئيس الحكومة أنه حمد الله أن القطار لم يكن به ركاب أجانب مما يعني أن الحكومة تحرص فقط على توفير الأمن والأمان والراحة والاطمئنان للركاب الأجانب بينما لا يهمها من قليل أو بعيد أرواح المصريين.
وفي الحقيقة كان هذا التصريح إعلانًا بدون قصد أو رمية من غير رام يكشف ولاء الحكومات وحرصها على رضا الأجانب الذين يدعمونها بينما لا تعبأ بالرأي العام المحلي الذي لا تشعر بخطورته ولا أهميته لأن الانتخابات مزورة أو ملغاة أو مؤجلة.
تقرير تقصي الحقائق
لم يستطع تقرير اللجنة التي شكلها المجلس لتقصي الحقائق حول الكارثة أن يخفي التقصير والإهمال اللذين شملا هذا المرفق الخطير، إذ قرر أن جميع عربات الدرجة الثانية العادية والثالثة وهي التي تستخدمها غالبية المواطنين انتهي عمرها الافتراضي ولا توجد بها إنارة أو دورات مياه بل إن معظم أبوابها غير قابلة للفتح حتى إن فرق الإنقاذ اضطرت لاستخدام البلط لفتح أبواب القطار المنكوب.
كما طالبت بوضع حد للإهمال والتقصير القائمين في نظم الإدارة والتشغيل والصيانة والرقابة والأمن.
وحذرت من أن ١٢ ألف عربة لقطارات نقل البضائع التي تم صنعها محليًا تعمل بدون فرامل وأن رئيس الدفاع المدني بالهيئة لا يحمل سوى الشهادة الابتدائية.
رئيس الحكومة يتهرب
كان الاستجواب مقدمًا إلى رئيس الوزراء وليس إلى وزير النقل.
والتقاليد البرلمانية تقضي بأن الاستجواب يسقط إذا استقال الوزير المستجوب أو الحكومة كلها.. ولذلك قدم النائب استجوابه لرئيس الوزراء شخصيًا بحكم المسؤولية التضامنية للوزارة وبحكم مسؤوليته السياسية.
إلا أن د. عاطف عبيد تهرب من مناقشة الاستجواب، وانتدب وزير النقل الجديد حمدي الشايب الذي تم تعيينه عقب استقالة أو إقالة الوزير السابق د. إبراهيم الدميري بعد الحادث.
وقدم الوزير الجديد وعودًا بتطوير الهيئة عبر خطة تتكلف ٨٤٢ مليون جنيه «١٧٠مليون دولار» في مجالات الرقابة والأمن والسلامة ورفع كفاءة الخطوط الفرعية وتجديد عربات الدرجتين الثانية والثالثة بالكامل خلال ٥ سنوات.
الملفات الساخنة والكثيرة التي فتحها الاستجواب أحرجت الحكومة ومعها الأغلبية البرلمانية التلقائية التي تجدد لها الثقة مما دفع معظم النواب للتوحد ضد الحكومة، بل إن رئيس المجلس أشاد بالموضوعية والدقة التي بنى عليها المستجوب أدلة الاستجواب مما دفع القاعة للتجاوب معه بالإنصات والتصفيق الحار ثم مهاجمة الحكومة في الكلمات والتعقيب على تقرير لجنة تقصي الحقائق الذي حاز أيضًا قبول الجميع لموضوعيته وقوته.
حاول الوزير كمال الشاذلي إنقاذ الموقف نظرًا لعدم خبرة الوزير الجديد وقال إن الحكومة أقالت الوزير المسؤول فورًا ونفى التصريحات المنسوبة لرئيس الوزراء حول الأجانب.
ولم تستطع الحكومة ولا المجلس المرور على الاستجواب مرور الكرام أو الاستهانة به ولكنها تعهدت بتنفيذ توصيات لجنة تقصي الحقائق.
لقد كان استجواب حادث القطار أقوى استجواب وعمل برلماني لهذه الدورة وأثبت أن نواب الإخوان يحملون هموم الشعب ويتصدون لقضاياه الحياتية ويتقدمون بخطوات ثابتة في أدائهم البرلماني.
وتبقى الجماهير منتظرة تحديد المسؤولية الجنائية حول الكارثة التي ظنت الحكومة أن الشعب قد نسيها حتى جاء الاستجواب لإحياء ذكرى هؤلاء «الغلابة» من الضحايا الأبرياء الذين لقوا حتفهم نتيجة الإهمال وعدم الإحساس بالمسؤولية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل