العنوان استراتيجية الأمن القومي الأمريكي والتحدي الكبير أمام العرب والمسلمين
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 26-أكتوبر-2002
مشاهدات 62
نشر في العدد 1524
نشر في الصفحة 9
السبت 26-أكتوبر-2002
لا تفتأ واشنطن - وقد صار الجو ممهدًا لها حسب تصورها بعد أحداث سبتمبر 2001م- تفصح عما في جعبة سياستها من جديد في الخطط والأهداف والغايات التي ينال العرب والمسلمين جانب من آثارها، إن لم يكن الجانب الأكبر.
وآخر ما أفصحت عنه الجمعية الأمريكية، الوثيقة التي أصدرها البيت الأبيض تحت عنوان «استراتيجية الأمن القومي الأمريكي» والتي وصفها البعض بأنها تحول تام في الأفكار والمبادئ التي قامت عليها السياسة الأمريكية طوال خمسين عامًا.
وهي بمثابة تقنين للسعي الأمريكي من أجل فرض الهيمنة وإحكام القبضة على العالم، كما تمثل إمعانًا في استغلال الظروف والأجواء التي أفرزتها أحداث سبتمبر.
الوثيقة تقول بوضوح:
- إن أمريكا لن تسمح لأي جهة بتحدي تقدمها العسكري العالمي، أو تحول دون قدراتها العسكرية، وإنها ستكون قوية بما يكفي لمنع أي منافسين محتملين لها من بناء قوة عسكرية بصورة يمكن أن تتساوى مع قوة أمريكا.
- وتضيف الوثيقة أن أمريكا سوف تستخدم قواتها المسلحة وإمكاناتها الاقتصادية لتشجيع المجتمعات الحرة والمفتوحة مع التركيز على استخدام المعونة والبنك الدولي.. وصندوق النقد الدولي لكسب معركة القيم والأفكار المتنافسة.
وتعتبر الوثيقة أن الإرهاب وفق النظرة الأمريكية والذي يلحق به أو يدخل فيه امتلاك أسلحة الدمار الشامل هو المشكلة الوحيدة في العالم أو المحور الذي تدور حوله استراتيجيات الأمن القومي الأمريكي مما يجعل تلك الرؤية شاحبة وضعيفة تجاه المشكلات والتحديات الأخرى، ومن أجل هذا نجد الوثيقة تنص على «ردع الذين يكرهون أمريكا وردع أي شر يدعون إليه».
وتؤكد الوثيقة أن أمريكا لن تتردد في التصرف بشكل منفرد أو القيام بأي هجوم وقائي ضد ما تراه خطرًا من قبل الدول المارقة أو التهديدات الإرهابية التي تشكل ما ترى أنه يهدد أمنها، كما أن أمريكا لن تظل تعتمد على موقف رد الفعل ولا يمكنها أن تترك الأعداء يبادرون بتوجيه الضربة الأولى.
وهكذا نرى أن الوثيقة تعطي أمريكا الحق في تفسير الأخطار وتحديدها وتعتمد أسلوب إرغام الدول على قبول مسؤوليتها عن ظهور ما تسميه بالإرهاب على أرضها ومسؤوليتها في دعم حملة أمريكا ضده، وهذا ما نرى أحدث تطبيق له في إندونيسيا.
وحسب الوثيقة ترى أمريكا نفسها المسؤول الوحيد عن العالم، ومصدر القيم فيه، وقد كتب الرئيس الأمريكي في مقدمة الوثيقة يقول: «إن أمريكا ستستخدم نفوذها لفتح مجتمعات العالم أمام قيمها»!!
وإذا علمنا أن أمريكا هي راعية النظام الدكتاتورية فإن حديث الوثيقة عن الحريات وقيم الديمقراطية لا يُقصد من ورائه إلا تبرير السياسات والأفعال التي نراها الآن، ولو كانت هناك مصداقية في تبني قيم الحريات والانحياز لحق الشعوب في التمتع بأمنها وحريتها لكان أولى بأمريكا أن تترك أقطار العرب والمسلمين تختار طريقها ومنهجها في حرية ودون تدخل أو تهديد أو وصاية.. وأن تُحرر أرضها.. وأبرز مثال هو الموقف الأمريكي من القضية الفلسطينية.. ودعمها الكيان الصهيوني بالسلاح والمال والغطاء السياسي.
الوثيقة كشفت إذن عن النيات الأمريكية إزاء العرب والمسلمين في المستقبل، وأكدت أن ما هو قادم في الغد إنما هو استمرار لما هو جارٍ اليوم، ولكن في إطار مقنن لاجتياح أقطارنا.. واستئصال هويتنا وتفتيت وتجزئة عالمنا.. مع تأكيد على سياسة الأمركة التي تعتمد سيادة نمط الحياة الأمريكي تحت وصاية أمريكية تختار لنا.. وتمتلك حق توجيهنا.. وتتصرف في شؤوننا.
نحن نمر بأخطر المراحل في تاريخنا.. ونواجه مخططا سلح نفسه بكافة الأسلحة.. وأعطى نفسه في محاولة إخضاعنا لمشروعاته.. ودفعنا للاستسلام، وليس أمامنا إلا أن نختار بين أن نكون أو لا نكون.
تتناوشنا الأمم من كل جانب ويتكأكأ علينا الأعداء من كل صوب.. ولا نعاني من قلة في العدد أو ندرة في الإمكانات.. ولكن نعاني من فرقة في الصف.. وخلاف بين الحكومات وجفوة بلغت حد العداء والتربص والخوف وفقدان الثقة بين أكثر الحكومات والشعوب.
ولكي نظل أصحاب دور ووجود فليس أمامنا إلا طريق التزمه ومضى فيه سلفنا فسادوا وعاشوا أعزاء يملكون إرادتهم وقرارهم ويرفضون طأطأة الرؤوس.. أو إعلان الخضوع.
الطريق الوحيد للنجاة.. بل الفوز.. والعيش في عز وكرامة.. وتحرير الأرض وردع العدوان واسترداد القدس والأقصى وصون المقدسات شعاره، وعلامته قول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام: 153) وعنوانه قول الرسول صلى الله عليه وسلم «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا.. كتاب الله وسنتي».
إن هذه أمة لا يصلح آخرها إلا بما صلح أولها: أن تلتزم بإسلامها.. وتتحرى من إيمانها، تجمعها وتؤلف بين أفرادها أخوة هي رابطة الإسلام التي وحدت صفهم وجمع كلمتهم على مدى تاريخهم، وتنبعث في النفوس عزة.. تجعل الجميع يأبون الضيم.. ويرفضون الاستسلام ويحرصون على الحرية.. وتحرير القرار.
ومن أجل ذلك نقول: إنه لا منجاة.. ولا فوز إلا بالعيش في أقطارنا إسلامًا يتحرك على أرض الواقع بعد أن تنطق به الألسنة.. إسلامًا يقيم العدل ويدفع المظالم.. وينهي ممارسات الظلم والقهر.. ويؤكد نبذ الخلافات وإزالة العداء والجفوات باعتماده الحب والأخوة.. لتكون الأمة أُمة واحدة.. تبغي وجه ربها.. وتستلهمه النصر، وقد توفرت فيها حكامًا وشعوبًا أسباب ومظاهر الطاعة والخشية وصدق ربها القائل: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (آل عمران: 110)، وصدق سبحانه: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (المؤمنون: 52) وتبارك القائل: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: 8) ويوم نسلك هذا الطريق.. تكون الوحدة.. ويكون اجتماع الجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي اجتماعا فاعلًا مثمرًا لمواجهة الخطر الداهم.. يصدر القرار الفاعل.. ويحشد الإمكانات ويفعل اتفاقيات الدفاع المشترك.. والوحدة الاقتصادية دون عوائق.. ويعلن فيه إقدام: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة: 111) وتكون الأمة حُكامًا وشعوبًا قد باعت الأرواح.. والأموال.. سعيًا للنصر.. منتظرة قوله.. وقوله الصدق ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7).