العنوان أنابيب السلام والأمن المائي
الكاتب طالب المسلم
تاريخ النشر الأحد 01-ديسمبر-1991
مشاهدات 48
نشر في العدد 978
نشر في الصفحة 30
الأحد 01-ديسمبر-1991
· استراتيجية العدو: تحقيق أمنه المائي وزيادة التصحر في الوطن العربي.
· التصحر من أبرز المشاكل التي تواجه العالم العربي.
كان لانعقاد مؤتمر مدريد في نهاية شهر أكتوبر 1991 دور كبير في تأجيل قمة "أنابيب السلام" في إسطنبول في الرابع من تشرين الثاني 1991، بسبب رفض سوريا لحضور القمة في حال حضور دولة العدو الصهيوني لها. غير أن مؤتمر مدريد حل هذا الإشكال وبات من المفترض أن يطرح المشروع التركي ضمن المباحثات العربية-اليهودية. وتأجيل قمة المياه لا يعني إلغاء المشروع وهذا يستدعي تسليط الضوء على قضية المياه في المنطقة العربية وموقعها في الصراع العربي-اليهودي.
مشروع أنابيب السلام
ستنقل أنابيب السلام المياه من نهري سيحون وجيحون عبر الأراضي التركية إلى فلسطين والدول المجاورة لها، وخط متفرع منه ينقل المياه إلى دول الخليج والجزيرة العربية. ومن المتوقع أن ينقل هذا المشروع "7" ملايين متر مكعب يوميًا، أي بأكثر من "2.5" مليار متر مكعب سنويًا، علمًا بأن أحد خطوط المشروع يضخ "12.75" مليار متر مكعب من المياه سنويًا. وكانت الولايات المتحدة ممثلة بشركة براون وروت هي التي قامت سنة 1986 بإجراء دراسات الجدوى الاقتصادية للمشروع، وتقدر تكلفة المشروع بـ "21" مليار دولار. وكانت الولايات المتحدة تتبنى تمويل هذا المشروع، غير أنها عدلت عن ذلك مؤخرًا؛ ليأتي تمويل المشروع من اليابان وبعض الدول المشتركة في المشروع.
الأمن المائي
وبنظرة متعمقة في تفاصيل هذا المشروع وإسقاطها على واقع شعوب المنطقة، نكتشف أنه يصب في مصلحة العدو الإسرائيلي، الذي يسعى لتحقيق أمنه المائي خصوصًا مع ازدياد معدلات الهجرة إلى فلسطين المحتلة، خصوصًا إذا عرفنا أن حجم العجز في المياه لدى الكيان الصهيوني يبلغ قرابة المليار متر مكعب سنويًا.
ويمكن تغطية هذا العجز بكل سهولة من خلال هذا المشروع، وللعرب تجارب مريرة في مجال المياه، حيث أدى مشروع جونستون الأمريكي لاقتسام المياه في المنطقة كلها سنة 1953 إلى تحويل مياه نهر الأردن إلى صحراء النقب في فلسطين بتمويل أمريكي، وتمارس بعض الدول المجاورة لمنطقة الصراع دورًا مشبوهًا في تحقيق المصالح الإسرائيلية وإضعاف الجانب العربي!!
قرصنة مائية
ولم ينتظر اليهود كعادتهم حتى إقرار هذا المشروع؛ فمارسوا كافة أشكال القرصنة، وسرقوا المياه العربية في جميع الدول العربية المجاورة. ففي فلسطين استولت سلطات العدو على أكثر من "60%" من موارد الضفة الغربية وقطاع غزة، ومنعت حفر الآبار الجديدة في هذه المناطق، علاوة على نقل المياه الجوفية بطرق حديثة إلى المستوطنات اليهودية.
أما في مصر فقد جاء في تقرير لجنة الشؤون العربية برئاسة صبري القاضي- ونشرت عنه "الوطن العربي" في "30/8/1991" أن دولة العدو تعمدت سرقة المياه الجوفية في سيناء بحفر آبار ارتوازية في قطاع غزة قادرة على سحب المياه المصرية، كما قامت بسحب "200" مليون متر مكعب من المياه المصرية الموجودة في خزان وادي الجراني قرب الحدود في سيناء الشمالية، وقامت بتشييد سد في منطقة الكنتلة قرب الحدود المصرية لمنع ارتداد المياه مرة أخرى إلى الأراضي المصرية. وأكد التقرير أن دولة العدو شاركت في بناء "6" مشاريع سدود على منابع نهر النيل في أثيوبيا، وقال: "إنه في حال استمرار النشاط الصهيوني هناك فإن "85%" من مياه مصر ستكون مهددة بالخطر". وفي جنوب لبنان تعيش قرى مرجعيون- التي تتغذى بالمياه من المضخة القريبة من مفترق الخيام- أزمة عطش خانقة، وذلك أن قوات الاحتلال الصهيوني تقوم بسحب المياه إلى مستوطنة المطلة التي تبعد "5" كيلومترات عن المضخة جنوبًا بواسطة قساطل تم تركيبها في مراحل سابقة ("الحياة"- 6/9/1991)، وأحلام اليهود في مياه نهر الليطاني لا تنقطع.
لماذا المياه؟
تقوم استراتيجية العدو في مجال المياه على خطين متوازيين:
1. أولهما: يقضي بتحقيق الأمن المائي لتوفير احتياجاتهم الضرورية.
2. ثانيهما: زيادة نسبة التصحر في الوطن العربي، وبالتالي تقليل نسبة اعتماد العرب على أنفسهم غذائيًا؛ ليبقى العرب مستوردين لثلثي احتياجاتهم من المواد الغذائية، وبالأخص الشعب الفلسطيني في الداخل، علمًا بأن نسبة الأراضي المزروعة قبل عام 1967 انخفضت من "27%" لتصبح "3.7%" هذه الأيام.
وبناءً عليه فإن احتمال نشوب حرب في المنطقة بسبب قلة المياه أصبح مستبعدًا، وستحاول دولة العدو أن تضغط في مفاوضاتها مع العرب للحصول على أكبر مكاسب ممكنة في هذا الجانب؛ لتصبح قلب المنطقة الاقتصادي والغذائي؛ لتستطيع بعد ذلك اختراق الحواجز في الوطن العربي.
التحرك العربي
انطلقت أول صيحة لتحقيق الأمن المائي العربي من ندوة الكويت عام 1986، والدراسات تشير أن تعداد العرب عام 2030 سيصبح "758" مليون نسمة، مما سيؤدي لزيادة الاحتياجات المائية، وهذا يفرض ما يلي:
- ضرورة
التنسيق بين الدول العربية في هذا الجانب رغم الاختلافات السياسية القاتلة في
أغلب الأحيان.
- الاعتماد
على المشاريع المائية الذاتية التي تغطي النقص الموجود، وعدم إهمال المشاريع
المائية الصغيرة على المستوى الشعبي والفردي، واعتماد استراتيجية واضحة
ومتكاملة. ومشروع النهر العظيم في ليبيا- في حال نجاحه- سيدعم الجهود
والأفكار العربية في مجال المياه، إضافة لاتفاقية دولة قطر لنقل مياه نهر
قارون من إيران بخط يبلغ طوله "1800" كم تحت البحر، ومن المتوقع
إنشاء خطوط فرعية لإيصال المياه إلى الكويت والسعودية ("صوت الكويت"-
9/11/1991).
- توقيع
اتفاقات دولية حول المياه حيث إن قرابة "161" مليار متر مكعب من
مياه العرب مصدرها أنهار الفرات، دجلة، النيل.. ولغير العرب حقوق فيها أيضًا،
والأخطر من ذلك أن منابع هذه الأنهار تسيطر عليها دول أُخرى مما يسبب تهديدًا
لهذا المصدر في حالات التوتر السياسي.
والواجب على العرب اليوم أن يقفوا أمام هذه القضية الحيوية وقفة جادة، وإلا فإن الأجيال القادمة ستواجه المزيد من العطش والجوع ومشاكل التصحر.
- ضرورة
التنسيق بين الدول العربية في هذا الجانب رغم الاختلافات السياسية القاتلة في
أغلب الأحيان.