العنوان الصراع عقائدي.. فاتركوا «العبط السياسي»!!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 25-ديسمبر-1973
مشاهدات 120
نشر في العدد 181
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 25-ديسمبر-1973
- السبت
أفضل من الجمعة! وإيبان يستشهد بالقرآن!
- ياريف
يهدي الجمسي نسخة من التوراة!!
في اعتزاز واضح استشهد وزير العدو بكلمات من
توراتهم.. وهو يلقي خطابه في مؤتمر جنيف. وفي سخرية بادية، استشهد أبا إيبان بآية
من سورة الأنفال من القرآن الكريم، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ
فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (الأنفال:
61).
وليس لنا أن نكف ألسنة اليهود عن ترديد كلمات
توراتهم فهم قوم يتعصبون لدينهم.. تعصبًا لا يوازيه إلا تفريط العرب في دينهم!
الشيء المخجل أن يتلى القرآن في مؤتمر جنيف
على لسان يهودي صهيوني يمتلئ حتى الثمالة كفرًا بالقرآن الكريم، ولا نسمع عربيًا
من الذين اشتركوا في مؤتمر «الضرار» هذا يتلو شيئًا من الكتاب الذي أحيا العرب بعد
موات، وذكرهم أن كانوا نهبًا لأطماع الفرس والرومان.
وليست هذه حادثة مبتوتة الصلة بالموقف.
إن إقدام وزير العدو على الاستدلال بآية من
القرآن.. وبكلمات من توراة يهود.. هذا العمل بالتأكيد رمز.. يقود العيون والأفكار
ويركزها على: أن الصراع عقائدي في الدرجة الأولى.. وأن المعركة الدائرة.. إنما هي
معركة بين القرآن والتوراة.. وفي فقرات مقبلة من هذه الافتتاحية.. نرى توكيدات
لذلك.
وهذا الاستدلال -في مؤتمر الضرار السياسي-
يؤكد لنا حقيقة جد خطيرة، وهي: أن السياسيين اليهود لا يخجلون من يهوديتهم
وتوراتهم المحرفة.. بينما نرى العرب يخجلون من إسلامهم وقرآنهم المحفوظ.. والموثق
آية.. آية.. وحرفًا حرفًا!
وهذه الحادثة -حادثة استشهاد وزير العدو
بالقرآن- توضح مدى الهول.. والدمار الذي ينتج عن الجهل بالإسلام.. وتوضح بالتالي
أهمية «الثقافة الإسلامية» لرجال السياسة العرب.
إن العمل السياسي ليس حظًا يهبط على الناس مع
المطر.. ولا حلمًا يتحقق في النوم.
العمل السياسي هو استثمار ذكي لمجموعة من
الفرص المواتية.. والمواقف المتاحة.
ولقد أتيحت الفرصة.. ولكن التخلف الثقافي
الإسلامي قعد بالوزراء العرب وشل عقولهم عن الاستثمار.
حين استدل وزير العدو في سخرية واستهزاء بآية
سورة الأنفال ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾! كانت الفرصة مواتية
جدًا لأحد الوزراء العرب لأن يقف ويقول: «هذا دليل أيها المؤتمرون على طبيعة
«العقلية اليهودية» في الاستغلال والانتهازية.. وتمزيق الحقائق المترابطة ابتغاء
التضليل والتزييف.
وقف هذا الغازي المحتل أبا إيبان ليستدل بآية
من كتابنا نحن المسلمين وهي ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾. وهذه
الآية الكريمة وردت في سورة الأنفال السورة رقم 8 من القرآن.
والآية جزء من مجموعة آيات مترابطة تتحدث عن
أجداد أبا إيبان الذين أثبت التاريخ أنهم أدمنوا نقض العهود ولم يغلطوا! مرة واحدة
في ممارسة فضيلة الوفاء أو احترام المواثيق.
ومجموعة الآيات هي: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ
عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ عَاهَدتَّ
مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ *
فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ
يَذَّكَّرُونَ * وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ
عَلَىٰ سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ * وَلَا يَحْسَبَنَّ
الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ * وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا
اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ
اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ
يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ
وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ * وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا
وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (الأنفال: الآيات
55-61).
هذه الآيات توضح المسلك السياسي والعسكري
لليهود، وأنهم مردوا على نقض العهود.. وخيانة المواثيق.. ولذلك كلفنا قرآننا
بالانتباه دومًا لمكرهم.. وأمرنا برد خيانتهم بكل وسيلة مشروعة.
ومن الواقع شرد هؤلاء القوم.. الفلسطينيين من
وطنهم واحتلوا أراضي من مصر وسوريا..
فأي سلام يتحدث عنه الاستعماريون الجدد؟
إن السلام والظلم لا يجتمعان.. وما دام الظلم
قائمًا؛ فالحديث عن السلام دموع غزلان لا تطفئ سعار الوحوش.
لو احتلت ولاية من أمريكا.. أو جمهورية من
الاتحاد السوفيتي.. أو مقاطعة من بريطانيا.. فهل يحق لي مثلاً أن أقف وأخاطب أصحاب
الولاية أو الجمهورية أو المقاطعة المحتلة بقول الله ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ
فَاجْنَحْ لَهَا﴾؟
هذا جنوح إلى عهود الرق والاحتلال.. وعصور السطو الروماني والتوسع الاستعماري..
وليس جنوحًا إلى السلم.
والقرآن -وهو أعظم كتاب يعلم الحضارة- رفض أن
يخضع الإنسان لإرادة الطغاة أو أن يقبل السلم الزائف فقال: ﴿فَلَا تَهِنُوا
وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن
يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد: 35).
لقد حاولت أن أصحح التضليل الديني- السياسي
الذي تعمد أن يفعله الغازي المحتل أبا إيبان.. ولعلي وضحت مقصدي.
كانت فرصة لأن يقول أحد الوزراء العرب هذا
الكلام.
ولكن هذا الموقف كان يقضي سلفًا التزود
بالثقافة الإسلامية؛ والاطلاع على المصحف أكثر مما يفعل وزير خارجية العدو!!
وكان من المقرر أن يبدأ مؤتمر الضرار جلساته مع غروب شمس الجمعة، ودخول
ليل السبت.. ولكن اليهود رفضوا هذا التوقيت لأنه يتنافى -وفق طقوسهم- مع التزامهم
العقائدي!
وحدد وقت بدء المؤتمر مع حلول وقت صلاة ظهر
الجمعة! ولم يعترض أحد!
وكما سخر أبا إيبان من القرآن حين استشهد
بآياته.. تعرض يوم الجمعة لإهانة سياسية.. بتفضيل سبت اليهود عليه!
إنها رموز.. لا تقل استفزازًا عن الاحتلال
العسكري، أيامهم أفضل من أيامنا.. وسبتهم أفضل من جمعتنا، وهذا يعني أن تاريخهم
أفضل من تاريخنا!
وتوراتهم تسبق قرآننا في الاستدلال..
والصدارة!! هكذا يفكر اليهود.. وهكذا يتصرفون.. ولا نملك نزع التعصب من صدورهم..
ولكن لماذا يقبل هؤلاء الأعراب الدنية في دينهم.. ويديرون ظهورهم للمصحف.. ويوم
الجمعة؟
ومن مظاهر الصراع العقائدي ورموزه.. حادثة ثالثة تمثل هجومًا دينيًا
يهوديًا كاسحًا؛ فقد أهدى أهارون ياريف -نائب رئيس أركان جيش العدو- نسخة من
التوراة لعبدالغني الجمسي رئيس أركان الجيش المصري.
والهدية المسمومة لم تكن عفوية أبدا.. إنها
موقف من مواقف السيطرة والسيادة.
فهي رمز- في تقدير اليهود- لسيادة التوراة على
القرآن، فلقد قدمت الهدية فوق أرض مصرية محتلة.. والرمز اليهودي هنا يقول: إننا
اقتحمنا بلاد القرآن.. وكما استبحنا أرضكم فهذه هي التوراة رمز الحصانة على قرآنكم!
وهي رمز يقول بوضوح: إننا ما قاتلناكم أيها المصريون إلا من أجل هذه
التوراة.. إن زحفنا إلى سيناء لم يكن بالدبابة في الصحراء فحسب.. وإنما كان قبل
ذلك بالعقيدة الدينية في القلب..
إننا ننفذ أوامر التوراة حين نقاتلكم.. وما
الأسلحة وما الجنود.. إلا من أجل خدمة.. توراتنا!
ولقد حققنا -يقول الرمز- جزءًا من وعد التوراة
حققناه باحتلال فلسطين والجولان وسيناء.. وسنظل نعمل دون ملل على تحقيق ما تبقى من
وعد التوراة «مملكة إسرائيل من الفرات إلى النيل». وإن كنتم في ريب من ذلك فاقرءوا
التوراة التي أهديناها لكم!
وأردنا بهذه الهدية- يقول الرمز- فتح الممرات الثقافية بيننا وبينكم..
ونحن وإن كنا لا ندعو غير اليهود إلى ديانتنا فإننا نعني بهذه الهدية.. احتمالات
التصدير الثقافي إليكم في المستقبل.
على الرغم من أن قرآنكم يدمغ توراتنا بالتحريف ويقول ﴿وَاللَّهُ
أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِاللَّهِ
نَصِيرًا * مِّنَ
الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ
سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا
بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا
وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِن
لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (النساء:
الآيات 45-46).. فإننا استطعنا أن نجعلكم تخالفون قرآنكم وتقبلون توراتنا كهدية!
من مؤتمر الضرار في جنيف إلى هدية التوراة على
ضفاف القناة.. تبتدئ مظاهر التدافع الحضاري والديني.
إن الصراع عقائدي مئة بالمئة، وفي هذا المستوى
من الصراع تتسم المحاولات الدبلوماسية الساذجة بالعبط السياسي.
إن الذهاب إلى مؤتمر الضرار في جنيف.. لا يمكن
أن يوصف بأنه عمل سياسي ذكي، إننا نتحدث بمسؤولية تامة، وفي وعينا الحقائق التالية:
1- لقد
خطط الخصوم لعزل مصر.
نعم.. اغتاظ أعداؤنا من أشياء كثيرة.. لكن
الذي طحن أعصابهم جيدًا ـ خاصة وزير خارجية العدو في فلسطين المحتلة أبا إيبان..
نقصد كيسنجر -ولا فرق- الذي طحن أعصابهم أكثر هو الإجماع العربي الرائع على قتال
العدو.. ويقظة العرب المباغتة للوقوف -بشكل خاص- مع مصر.
وإذا علمنا أن سياسة الخصوم تحاربنا بسلاح
التمزيق والتفتيت.. والوقيعة والخصام أدركنا مدى الفاجعة التي أصابتهم إبان حرب 10
رمضان.
هنالك نهض الوزير اليهودي هنري كيسنجر للقيام
بمهمتين في آن واحد:
فك ارتباط مصر بالعالم العربي.. وذلك عن طريق مؤتمر لاشرعي من حيث
المبدأ والأسلوب.. لاشرعي من حيث المبدأ لأنه يجعل الاعتراف بكيان العدو في فلسطين
المحتلة- والاعتراف بالعدو يلغي قطعًا حق الفلسطينيين الشرعي والتاريخي والقانوني
والنضالي.
ولاشرعي من حيث الأسلوب لأنه عمد إلى ضرب
الأردني بالفلسطيني من أول وهلة.
ولأن الأمر كذلك، فقد رفضت سوريا الاشتراك في
هذا المؤتمر الخبيث.. وبرفض سوريا الاشتراك في المؤتمر وبإعلان العدو القاطع بأن
مشكلة القدس ستكون آخر ما يبحث يظهر بوضوح أن المؤتمر هو خطة ماكرة لعزل مصر عن
العالم العربي.
وحين يتم عزل مصر.. يضربونها على انفراد.. ثم
يضربون الدول العربية الأخرى واحدة بعد الأخرى..
وهكذا يحبطون الإجماع العربي الذي تم في الحرب
بمناورات شريرة في مؤتمرات الخبث الدولي.
والمهمة الأخرى التي نهض بها كيسنجر، هي فك الارتباط بين العالم العربي
وأوروبا.
إن أوروبا أحست تمامًا بحاجتها الملحة إلى
العالم العربي.. وتحت ضغط الحاجة اتخذت موقفًا مستقلًا عن أمريكا، فأراد كيسنجر أن
يصيب عصفورين بحجر واحد:
أ- يوهم العرب بأنه ستحل مشاكلهم بعيدًا عن أوروبا.
ب- يؤدب أوروبا ثم يقول لها: لن تستطيعي التفاهم مع
العرب إلا عن طريقي.
وفي هذا المجال حقق كيسنجر- بغبائنا طبعًا-
معظم خطته.
إن أوروبا كانت محتاجة لبترول العرب.. والعالم
العربي محتاج لدعم أوروبا السياسي.. ولكن اليهودي الصهيوني كيسنجر أوقع بين
الطرفين.
2- يريد الأمريكان فك الحصار النفطي..
وبتخديرات هذا المؤتمر وتنويماته سيقال: إن أمريكا جادة في تحقيق السلام، ولذلك لا
داعي لإيقاف النفط. ثم يبدأ الضخ اعتمادًا على إثبات حسن النوايا عن طريق إجراء
جزئي جدًا وهو فصل القوات.
3- تثبيت
«وصاية أمريكا وروسيا» على العالم.
إن العقلية القديمة لدى الروس والأمريكان
-ولدى بعض العرب الذين تحجر فكرهم السياسي عند الأربعينيات والخمسينيات- لا تتصور
العالم إلا في شكل الروس والأمريكان.
وهذا خطأ تاريخي غبي ودميم، فالعالم ليس
أمريكا وروسيا.. إن نهوض إفريقيا.. وعزم أوروبا على الاستقلال.. وظهور الصين..
ووثبة اليابان.. وثراء العالم العربي.. كل هذه العوامل والمؤشرات تؤكد أن المستقبل
ليس لأمريكا ولا لروسيا.
وإذا كانت هاتان الدولتان تريدان إيهام العالم
بضرورة وصايتهما عليه، فإن من مصلحتنا أن نرفض ذلك ونرتبط مصلحيًا بالقوى الجديدة.
ومن الوعي ألا نسمح لروسيا وأمريكا بأن تجعلا
منا، نحن العرب، أول المخذولين للكفاح الإنساني الجديد.
فهذا السلوك المتخلف ليس تفريطًا في فلسطين..
وليس إهانة لإسلامنا فحسب.. إنه كذلك خيانة لكفاح الإنسانية.
إن كثيرًا من أمم الأرض قالت لنا: انهضوا ونحن معكم.. فهل نحييهم بالتثاقل إلى الأرض؟