العنوان استراحة الدعاة - المقالة الثانية: مع الشعر العربي
الكاتب عبد الرحمن جميعان
تاريخ النشر الثلاثاء 06-أكتوبر-1981
مشاهدات 69
نشر في العدد 546
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 06-أكتوبر-1981
إن مع الشعر حكمة.[1]
حكمة خرجت من أصدق شفتين وجدت على ظهر الأرض، نعم وإنما تخرج الحكمة لمن نقب وبحث ودرس الشعر ذلك الشعر الذي رواه الأقدمون والذي تابعهم فيه المحدثون.
وللشعر أهمية كبرى لا توازيها أهمية أخرى في مجال الأدب القديم، فهو لسان لحماية الدعوة المباركة بتصريح من النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله «إن الله -عز وجل- قد أنزل في الشعر ما أنزل فقال: إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفس محمد بيده لكان ما ترمونهم به نضح النبل»[2]، «إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-[3]، وحسان هذا كان شاعر النبي «صلى الله عليه وسلم»، فالشعر إذن سلاح قوي من أسلحة الدعوة الإسلامية متى غفل عنه الإسلاميون فقد غفلوا عن سلاح عظيم، «وليس أدل على أهمية الشعر في نصر العقائد وترويجها ماكان له من دور في إسعاف أهل البدع وترويجها لدى العوام، مضادة لمساعي ابن تيمية وتلامذته عندما انبروا لتنفيذها ودفعها بحجج السنة الغراء».[4]
وتكمن أهميته الثانية في أن الشعر «ديوان العرب وخزانة حكمتهم ومستنبط آدابهم ومستودع علومهم»,[5] فهو سجل التاريخ العربي قبل الإسلام، وسندلل على ذلك في مقالات لاحقة إن شاء الله.
ولا أدل من تأثير الشعر في الناس وأهميته من هذه الحادثة: «كان أولاد جعفر بن قريع بن كعب الذين عرفوا ببني «أنف الناقة» يتضاءلون خزيًا من هذا اللقب، ويعيرون به،
حتى مدحهم الحطيئة بقوله:
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم *** ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا؟!
فصار اسمهم شرفًا لهم، وقاموا يتطاولون ويزهون على الناس بهذا الاسم بعد أن كان سببب اسحتياء وانكساف».[6]
ففي هذه الحادثة دليل على أهمية الشعر وأثره في الناس.
ثم أهمية أخرى وهي أن الشعر العربي ثروة لغوية عظيمة من عدة نواح، فالشعر الجاهلي والإسلامي قبل الاختلاط شعر استشهاد في النحو والصرف واللغة، ثم هو استشهاد تفسير معاني القرآن. فهذا ابن عباس يقول: «إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر، فإن الشعر ديوان العرب»[7] فهذه الأمور السالفة الذكر تؤكد لنا أهمية الشعر قديمًا، وإحيائه حديثًا.
شواهد من السنةعلى إباحة الشعر:
كثير من الدعاة والإسلاميين يتحرجون من اتيان الشعر أو الأدب، ويريدون نصًا صحيحًا صريحًا يستندون إليه، للتدليل على كلامنا الذي سقناه آنفًا فسنطمئن هؤلاء ونروي لهم قصصًا في إباحة الشعر وسماعه. وقوله: فلقد كان الرسول «صلى الله عليه وسلم»يضع لحسان منبرًا في المسجد يقوم عليه قائمًا ينافح عن الرسول «صلى الله عليه وسلم».[8]
- وفي عمرة القضاء والرسول -صلى الله عليه وسلم- يدخل مكة، كان عبد الله بن رواحة يمشي بين يديه وهو يقول :
خلوا بني الكفار عن سبيله *** اليوم نضربكم على تنزيله
ضربًا يزيل إلهام عن مقيله *** ويذهل الخليل عن خليله
فزجره عمر بن الخطاب «رضي الله عنه» وقال له: يا بن رواحة بين يديرسول الله-صلى الله عليه وسلم-، وفي حرم الله تقول الشعر؟ فقال الرسول-صلى الله عليه وسلم-خل عنه يا عمر، فلهي أسرع فيهم من نضح النبل»[9] ففي حرم الله، وبين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يكون حرامًا؟ أليس في هذا النص استشارة لعموم الدعاة اليوم لإيجاد شاعر بينهم يحدو بالقافلة، ويترنم ليتبعه التائهون والضالون إلى بر الأمان، ويؤثر في مسامع الناس، ويقض مضاجع الكافرين؟ والصحابة كانوا يناشدون الشعر في مجالسهم ويذكرون أمر جاهليتهم، والرسول -صلى الله عليه وسلم- كان بينهم وفي مجلسهم,[10] وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم- يبتسم بينهم.
ففي هذه النصوص وغيرها دليل واضح لإباحة قول الشعر وسماعه، أما ما كان من أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- في خطاه في الشعر، أو عدم قوله بعض الأبيات فتلك خاصة به أنه لا يقول الشعر ولا ينبغى له أنه يتعلمه، وحتى يبقى فاه خاليًا إلا من القرآن والذكر «والله أعلم».
- ابن عباس يستشهد لتفسير القرآن بالأشعار الجاهلية:
مر بك أنفًا قول ابن عباس في طلب معاني القرآن من دواوين الشعر، وسنزيد الأمر وضوحًا: «سأل نافع الأزرق ابن عباس عن الخيط الأبيض والأسود، فبعد إجابته له استشهد ببيت من الشعر قال فيه:
الخيط الأبيض ضوء الصبح منغلق *** والخيط الأسود لون الليل مكموم
وقال له: أخبرني عن «لا تأخذه سنة ولا نوم» ما السنة؟ قال: النعاس: قال زهير بن أبى سلمى:
لا سنة في طوال الدهر تأخذه *** ولا ينام ولا في أمره فند[11]
ثم سأله عن أكثر من عشر آيات، وابن عباس يجبيه ببيت من شعر الجاهلية وسأل رجل عكرمة عن «الزنيم»، فقال: هو ولد الزنى وتمثل بيت الشعر:
زنيم ليس يعرف من أبوه *** بغى الأم ذو حسيب لئيم[12]
وسأل ابن عباس عن قوله «فهم في أمر مريج» فقال: مختلط وذكر:
فجالت والتمست به حشاها *** فخر كأنه خوط مريج
ولو استشهدنا بأكثر لما وسعت هذه الصفحات تلك الكثرة الكاثرة.
- شبهة مردودة:
وقد يحتج البعض علينا بحجة يظنونها ناسفة لما قلناه آنفًا، فيقولون: ماذا تقولون بالآية الكريمة: «والشعراء يتبعهم الغاوون» والتى تحمل ذمًا للشعراء، فنقول لهم: قد كفانا ابن حجر الرد على هذه الشبهة فرجح أن الشعراء المؤمنين ليسوا داخلين ضمن هنا الوعيد، إنما هى لشعراء المشركين، والذين يقفون في وجه الدعوة.
ويحتجون ثانية بالحديث الذي يقول فيه الرسول -صلى الله عليه وسلم-:
«لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرًا».[13] فنقول: كفانا البخاري مؤونة الرد، حيث ترجم فقال: باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصده عن ذكر الله والعلم والقرآن. فالشعر المذموم في الحديث محمول على القول الباطل وعلى الالتهاء بالشعر عن الذكر وغيره - والله أعلم بالصواب - ونحن ليس هدفنا الإكثار من الشعر بقدر ما نحن بحاجة إلى تذوق أساليب البيان لنفهم سر العربية في القرآن الكريم. [14]
فالخلاصة: نقول: إنه لابد من الاطلاع على دواوين الشعر العربي الرصين، وتذوق أساليبه البلاغية، وهذه محاولة أحاول فيها أن أكتب عن الشعر الجاهلي والإسلامي قبل عصور الاختلاط وأترجم فيها لبعض الشعراء المعروفين والمغمورين مع اختيار لأجود ماجادت به قرائحهم فنطقت بها ألسنتهم - والله الموفق - وإلى مقالة قادمة نتبين فيها الشعر الجاهلي وخصائصه وأغراضه.
[1] بخاري 10/445
[2] رواه الإمام أحمد بسند صيح «راجع الفتح الربانى 19/275»
[3] جامع الأصول 4/ 322
[4] المنطلق/ 28
[5] نقلًا عن الإسلام والشعر/ 14«يحيي جبوري».
[6] السابق/ 21
[7] إيضاح الوقف 1/ 62
[8] جامع الأصول /3234
[9] الترمذي /2851 - النسائي 5/202
[10] رواه ابن أبي شيبة - وحسن اسناده الحافظ في الفتح «وراجع للاستزادة المنطلق/30
[11] راجع إيضاح الوقف 1/77-98
[12] راجع إيضاح الوقف 1/77-98
[13] بخاري 10/453. م /2275
[14] بخاري الأدب باب 92، تحفة الأحوذي 8/144
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل