; استراحة المرابط.. الحلقة الأولى.. الرباط مكرمة من الله | مجلة المجتمع

العنوان استراحة المرابط.. الحلقة الأولى.. الرباط مكرمة من الله

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الأحد 24-نوفمبر-1991

مشاهدات 99

نشر في العدد 977

نشر في الصفحة 49

الأحد 24-نوفمبر-1991

من استراحة المرابط

 

  • للعفو من الحلاوة والطمأنينة والسكينة وشرف النفس ما ليس في الانتقام.
  • رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه.

فضيلة الشيخ جاسم المهلهل الياسين من رجال الحركة الإسلامية الذين كان لهم دور بارز في معركة العصيان المدني التي قام بها الشعب الكويتي ضد الاحتلال البعثي العراقي الكافر، ولقد كان من قادة المرابطين الذين أسسوا لجان التكافل الشعبية لدعم صمود الكويتيين، كما كان له دور آخر في توعية الناس، ورفع هممهم ومعنوياتهم في المساجد والمنتديات الاجتماعية، وهو اليوم من أبرز الفعاليات على الساحة الكويتية، يلتقي فضيلة الشيخ مع قراء المجتمع في «استراحة المرابط» في ثلاث حلقات تبدأ من هذا العدد.

معنى الاستراحة ليست الاستراحة انتقالًا من حال اليقظة الدائمة والتنبه الحذر لكل أمر يرقبه المرابط إلى حال الغفلة التامة أو النوم الدائم، ليس الأمر كذلك، وإنما مقصودنا من الاستراحة، أن تعود للإنسان نفسه بعد الإعياء «كما جاء في القاموس»، فيتأمل ما حوله، ويتدبر كل أمره وأمر وطنه وأمته، ويعتبر من ذلك كله، ويستخلص هذه العبرة ليعرضها أمام إخوانه ومحبيه.

الرباط مكرمة من الله من كرم الله -سبحانه وتعالى- على عبده أن ييسر له الخير، ويهيئ له المنازل الطاهرة وفق مقتضى علمه وعدله، وقد أكرم الله -سبحانه وتعالى- في الفترة السابقة مجموعة من أهل الكويت بعبادة الرباط وهم بين أهاليهم، فمارسوها بنية صادقة، وعمل بيّن، وهم يستمعون لسلمان الفارسي -رضي الله عنه- يقول: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات فيه أجري عليه عمله الذي كان يعمل، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان» رواه مسلم.

واستراحة المرابط هذه يراد فيها خير الدنيا والآخرة، أخذًا من الحديث المتفق عليه «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها»، والخير هو الذي نريده للمرابط والقارئ والمحب والمتردد، والله نسأل التوفيق والسداد.

 

الاستراحة الأولى

 

محبتنا للجميع وقلوبنا لا تحمل إلا خيرًا:

المحبة لا خيار لنا فيها، فهي الطريق للجنة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا...» الحديث، والمحبة لا تخفى فهي كما قيل: روائح نسيم المحبة تفوح من المحبين وإن كتموها، وتظهر عليهم دلائلها وإن أخفوها، وتبدو عليهم وإن ستروها، ولم لا تكون بهذا الظهور والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف»، ومحبة كهذه هي من صنع الله سبحانه ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ (السجدة:7)، فهي كرم الله في عنايته بعباده ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ (طه:39)، أوجدها في نفوسنا بعد أن كنا نرى الموت في كل لحظة، ثم أنعم علينا برؤية الشمس مشرقة، والوردة مفتحة، فهذا نسيم الحرية والحياة يتلاعب بلحانا وأنفاسنا، إنها الحياة الجديدة التي وهبنا الله إياها؛ فجعلتنا نفكر بطريقة أهل الآخرة ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ (الحجر:47).

محبة جعلت المرابط يعيش ويحيا في قيم سلفية طاهرة، لا يعرفها أصحاب المصالح الدنيوية والألاعيب السياسية، فأحيوا قيمة ضمضمية أصلها الصحابي الجليل ضمضم، قيمة العفو عند المقدرة، شعارهم فيها «ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا». حيث عُلم من الحال أن أثر العفو من الحلاوة والطمأنينة والسكينة وشرف النفس ما ليس في الانتقام، فالعفو يكسر شوكة العداوة، وقد قيل إنه من أساء إليك فهذا قد وهبك حسناته، فإن كنت من أهل الكرامة، فأثبه على فعله بإحسانك لتثبت الهبة، وهذا أمر لا يستطيعه إلا العارفون بربهم كما في قولهم: «كن مع الحق بلا خلق، وكن مع الخلق بلا نفس»، وقمة هذا الخلق وأصله الذي انبثق منه ما كان عليه -صلى الله عليه وسلم- في غزوة الفتح في قوله لأهل مكة: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، ما أجملنا حينما كنا نردد -في وقت الاحتلال وبعده- ما كان يردده أبو ضمضم -رضي الله عنه- الصحابي الجليل في كل صباح: «اللهم لا مال لي أتصدق به على الناس، فمن شتمني أو قذفني فهو في حل»، حيث نبينا -صلى الله عليه وسلم- يقول عند سماعه لهذا الدعاء: «من يستطيع منكم أن يكون كأبي ضمضم»، وهكذا كان الصحابة -رضوان الله عليهم- وبهذا كانوا من أهل الجنة وهم يمشون على الأرض، كذلك الرجل الذي أخبر عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنه من أهل الجنة 3 مرات، وسبب هذه البشارة ما قاله الرجل لعبد الله بن عمرو: «ما هو إلا ما رأيت، غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشًّا، ولا أحسد على خير أعطاه الله إياه».

وبهذا الحب أحيا المرابط قيمة الرحمة بمفهومها الواسع، الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا يضع الله رحمته إلا على رحيم، قالوا: كلنا يرحم؟ قال: ليس برحمة أحدكم صاحبه، يرحم الناس كافة»، وبعد هذا الإجمال نؤكد أننا لا نحمل في قلوبنا على إخواننا الذين تخلوا عنا في موطن النصرة شيئًا، لأننا بفضل الله لم نرتبط معهم بمصلحة دنيوية أو بمكسب زائل، إن أعطينا منه رضينا، وإن منعنا سخطنا، ويكفيهم أنهم قد يتعرضون لما ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يخذل امرءًا مسلمًا في موضع تُنتهك فيه حرمته، ويُنتقص فيه من عرضه، إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلمًا في موضع يُنتقص فيه من عرضه، ويُنتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته»، وإن عندي بين يدي من منقول ومسموع ومكتوب ومرئي ما ينذر بخطر شديد، أسأل الله اللطف للجميع.

 

الاستراحة الثانية

 

النصيحة لمن تجب لهم النصيحة:

قال صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»، وبالمناصحة تكون لنا الخيرية ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران:110)، ومن ضرورة محبتنا للعاملين في الحقل الإسلامي أن نصدقهم في عظيم ما نحن فيه، وعظيم ما نحتاج إليه، فمحنة كهذه التي مرت بالكويت -بل بالعالم أجمع- لا يمكن أن يعقبها هدوء وراحة، وإنما يعقبها جهد وجهاد وتعب ونصب من أجل بناء دعوي إسلامي وفق أطر محددة، واضحة المعالم، بيّنة المنهج، تستفيد من المحنة وهي تستشرف المستقبل بتحقيق بدايات الإصلاح والتي فيها:

أ- واجب على كل حال: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»:

 إن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب عام، يمارسه الجميع، وعلى الجميع، وذلك من أجل ألا تنزل اللعنة، قال الله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (المائدة:78-79).

فالوقفة الجادة في منظومة العمل واجبة من أجل تصحيح المسار، وحتى لا تتكرر المأساة، ويكثر الخبث، وتحق السنة الكونية، فأم المؤمنين زينب بنت جحش -رضي الله عنها- تسأل النبي صلى الله عليه وسلم: «أنهلك وفينا الصالحون؟ فيقول صلى الله عليه وسلم: نعم إذا كثر الخبث»، وعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يسأل: «أتوشك القرى أن تخرب وهي عامرة؟ فيقول: نعم إذا علا فجارها على أبرارها»، وهكذا قرية الدعوة، إذا كثر فيها الخبث السياسي والمصلحي والفكري، وأصبح من به مس من الهوى هو الذي يُسمع له وتُقدم له مكبرات الصوت، ويعتلي الصوت الفاجر ليختفي وينزوي صوت الحق والدليل، ويستمر هذا الأمر من غير أن يأخذ أمير القرية على يد من فجر بقلمه وصوته وفكره، وأضل الناس على علم، حينذاك تغرق القرية بمن فيها، ويعتلي الموج، ويحدث الطوفان كما قال صلى الله عليه وسلم: «فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا»، والقرية مهددة بالغرق، ولن يخرجها إلا الله -سبحانه- بالآلات الربانية ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: 110).

وتحقق إخراج الخيرية يستدعي أن يقف الجميع وقفة محاسبة تعودها النشء الإسلامي حين كان يأوي إلى فراشه، ليرى ما هي أعمال الخير التي قام بها، وأعمال الشر التي انزلق فيها، وتربية المحاسبة هذه آتت أكلها في إيجاد أفراد ربانيين على المستوى الفردي والقاعدي، فهل تجرؤ المؤسسات القيادية أن تقف وقفة محاسبة لتنال بعد ذلك لذة انتصار الحق، وتصحيح المسار، متجاوزة كلام الناس وهمهمات أصحاب القرية متمثلة بقول القائل: من راقب الناس مات همًّا وفاز باللذة الجسور ولها بعد ذلك أن تعالج مؤسساتها إذا رأت فيها خللًا، إما بالطريقة الغربية كما فعل وزير المواصلات الياباني حين سقطت طائرة تابعة للخطوط الجوية اليابانية بأن قدم استقالته، أو على طريقة النظام العراقي التي سبحت بحمده وجهاده بعض فصائل الحركة الإسلامية، الطريقة التي مارسها رئيس وزراء العراق السابق عبد المحسن السعدون حين أطلق على نفسه الرصاص وانتحر، وإن كانت هذه وتلك لا تنفع، فلتكن على الطريقة العمرية «لو أن بغلة في العراق عثرت لخفت أن يسألني الله لِمَ لَمْ أُسوِّ لها الأرض؟؟»، وفي أزمة الخليج لم يبق شيء إلا وتعثر وانكب على وجهه، فهل سنحصل على نفس عمرية في قرية الدعوة؟ اللهم آمين.

ب- التعامل مع الله أولًا:

 بيّن العلماء -رحمهم الله- منهجًا في التعامل مع الفتوى فقالوا: «لا يكن همك تخليص المسائل، ولكن تخليص نفسك»، بهذا المنهج لينجو الداعي من ذئاب الحياة كما قال صلى الله عليه وسلم: «ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه»، فمن هذا الحديث يتضح أن حرص المرء على المال والشرف إفساد لدينه، وهذا هو الواقع الذي عبر عنه كل من نصر الظالم على ظلمه، ونسي أبسط البديهيات، والتي تقرر أن ليس في العالم العربي والإسلامي نظام كرس العلمانية في شعبه مثل النظام البعثي في العراق، فأسئلة بسيطة تجيب عن مصداق ما ذكرناه:

  • هل تستطيع فتيات العراق أن تخرج كما خرجت 750 ألف فتاة تطالب بالحجاب في الجزائر؟
  • هل تستطيع مجموعة من شباب أي مسجد في العراق إن وجدوا بجمع تبرعات لإخوانهم في الجهاد الأفغاني؟
  • هل يستطيع أحد أن يعترض على شارع أبي نواس في بغداد؟
  • هل تستطيع أي مجموعة شبابية تدعو إلى الله بتكوين تحرك دعوي فقط من غير أن تتعرض لحكم الإعدام؟

كل هذه أسئلة تجاب عنها بالإيجاب في أي دولة عربية أو إسلامية، أما في العراق فالإجابة بالنفي!! ومع ذلك تسمع ممن ينتمي إلى قبيلة الدعوة يقولون: «من حفر الباطن إلى الدمام اضرب اضرب يا صدام»، ونسي هؤلاء: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (المائدة:27)، وكذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (يونس:81)، فأصحاب القبيلة من الدعاة الرسميين قبل احتلال الكويت اعتقدوا أن النصر يأتيهم على يد طاغية العراق الذي ذبح إخوانهم من العراقيين والأكراد، وجعل من العراق سجنًا كبيرًا وساحة يعلق فيها الدعاة على أعواد المشانق، هذا النموذج من النظام اعتقد به خلق من الدعاة ممن كانوا يدرسوننا في المساجد وقت الشباب، وقالوا بأن صدام ينبت الإسلام في أرض العرب، فأنكر عليهم الفريق الآخر من الدعاة، وجعلوه سقوطًا عقديًا مصلحيًا، وتمر الأيام، ويتغير المقتول والمنهوب من كونه كرديًا أو عراقيًا إلى كونه كويتيًا، ويسقط الفريق الآخر تحت حجة المصلحة العامة كما سقط الفريق السابق تحت حجة دفع الضرر الأكبر.

جـ- اليقين بالله يقي المصارع:

 بقدر ما يكون اليقين عند الأفراد وعند الجماعات يكون الاطمئنان، وتكون الاستقامة، ومن ثم النجاة، واليقين ما هو في مفهوم عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- حين قال: «اليقين ألا ترضي الناس بسخط الله، ولا تحسد أحدًا على رزق الله، ولا تلوم أحدًا على ما لم يؤتك الله؛ فإن الرزق لا يسوقه حرص حريص، ولا يرده كراهة كاره، فإن الله بقسطه جعل الروح والفرح في اليقين والرضى، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط».

وهذا اليقين هو الذي جعل هودًا -عليه السلام- يستقيم على المنهج، ولا تحصل له حالات الاهتزاز التي تصاحب الضعف البشري؛ فقالها بوضوح لقومه: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ ۖ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (هود: 54- 56).

وصاحب اليقين لا يخاف الدوائر، ولذلك يصيب الحق، قال يزيد بن عبد الله بن موهوب -من قضاة العدل-: «من أحب المال والشرف، وخاف الدوائر لم يعدل فيها»، بهذا الضعف واجهت بعض مجاميع الدعاة النازلة التي ألمت بالكويت والخليج؛ حيث استطالوا الطريق، فتعسفوا الخطأ، ففي منظارهم البشري وجدوا أن ثورة الحجارة لم تحرك الهيئات والمنظمات الدولية والإنسانية في اتجاه الضغط على اليهود، بل استمروا في طغيانهم ووحشيتهم، واستمر العالم في دعمهم؛ فالمهاجر اليهودي من الاتحاد السوفييتي يقوي البنية البشرية، والدولار الأمريكي يعزز الجانب الاقتصادي والعسكري، وفي أفغانستان حيث كان يظن أن سترفرف راية النصر بعد الانسحاب الروسي، ولكن لم يحدث ذلك، وبدأت الفتن الداخلية تعصف، والمنادون لتحكيم الشريعة أصبح الأمر شعارًا يتمتع به الناس فترة، ثم تُسحق الشعوب المنادية به، ومن وصل إلى سدة الحكم من الإسلاميين تغيرت وجهته من التعامل العقدي إلى التعامل السياسي المصلحي، في هذا الجو من الإحباط الخارجي، ومع ما يصاحبه من ضعف داخلي ونزغ بشري وآخر شيطاني، هذا كله مع ضعف باليقين سبب لهم الوهن الذي جعلهم يتعلقون بالوهم؛ ليزحف عليهم تصحر الهوى ليتحقق السقوط، بهذه البساطة والسطحية كان سقوط آلهة العجوة التي رُفعت بخيوط العنكبوت!!

رحم الله إخواننا الذين استجابوا لتهريج الساقطين، ناسين أنهم كانوا في عملهم الصحيح يركنون إلى ركن شديد، وأن واجبهم في الدعوة التبليغ وفق منهج الله ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ (غافر:77).

رحم الله إخواننا، نسوا أن الضوء قد يكون من مصباح منير، وقد يكون من نار محرقة، يقع فيها من لا يستقيم على طريقة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبهذا الأمر كان التصوير النبوي «إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارًا، فجعلت الدواب والفراش يقعن فيها، فأنا آخذ بحُجَزكم وأنتم تقتحمونها».

د- من يسير على الجهاد لا يستوحش الطريق:

 قال الفضيل بن عياض: «لا تستوحش طريق الهدى لقلة أهلها»، الحق والالتزام به أمر في غاية الصعوبة، ويزداد معاناة إذا كان الأمر معلقًا بالآخرين، فالإمام أحمد -رضي الله عنه- تحمل ما لم تتحمله الجبال لاستشعاره بالمسؤولية، فكان يقول وهو ينظر إلى أهل بغداد: «أأهلك هؤلاء وأنجو بنفسي؟» ويقول: «كنت أصلي بأهل السجن وأنا مقيد»، وهكذا أهل الحق لا يستوحشون قلة السالكين معهم، فكل محاسب بحسب ما يؤديه اجتهاده في إنكار المنكر، والناس في دائرة النجاة ما داموا في فلك الإنكار -باليد واللسان والقلب- ولكن من رضي وتابع كما قال علي رضي الله عنه: «إنما يجمع الناس الرضا والسخط، وإنما عقر ناقة ثمود رجل واحد؛ فعمهم الله بالعذاب».

وأهل الرباط عودتهم حياتهم في زمن المحن دروسًا منها: التأني في اتخاذ قراراتهم، فهم بفضل الله يستطيعون أن يقولوا نعم أو لا، ويتحملوا مسؤولية عاطفة ومصلحة، وهذه الدقة التي أكرمهم الله بها إنما هي عنوان رجولة عندهم يعرفها الرجال من أهل قرية الدعوة، فهم لا يمارون، ولا يجاملون في كلمة الحق، يقولون ويتحملون الكلمة بكامل تبعاتها كسيرة أسلافهم، ومناصحة كهذه متكاملة مع أخواتها الأخريات التي ذكرها الفضيل حين قال: «لم يُدرك عندنا من أدرك بكثرة صيام ولا صلاة، إنما أدرك بسخاء الأنفس وسلامة الصدر والنصح للأمة».

وهذا المنهج في النصح يصل بصاحبه إلى ما قاله الإمام البخاري: «المادح والذام عندي سواء».

  • وفي الحلقة القادمة يتناول فضيلة الشيخ الثابت والمتغير في العمل الإسلامي وعما خسره الكويتيون.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2059

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 2

191

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟