; استقالة الخصاونة تدق المسمار الأخير في نعش الإصلاح في الأردن | مجلة المجتمع

العنوان استقالة الخصاونة تدق المسمار الأخير في نعش الإصلاح في الأردن

الكاتب براء عبدالرحمن

تاريخ النشر الجمعة 18-مايو-2012

مشاهدات 73

نشر في العدد 2002

نشر في الصفحة 30

الجمعة 18-مايو-2012

في سابقة لم تحدث.. خاطب الخصاونة الملك في الاستقالة بعبارة «هداكم الله لما فيه خيركم»!

من الأسباب التي دفعت لاستقالة الخصاونة موقفه ووزير إعلامه من «أحداث المفرق» التي اتهم فيها وزير الإعلام علنًا مراكز قوى بوقوفها وراء هذه الأحداث

اعتراض الخصاونة على تمديد الدورة البرلمانية لمدة شهرين دون علمه إنما يمثل «القشة التي قصمت ظهر البعير»

وقع ما كانت تحذر النخبة الأردنية من وقوعه، فقد قدم رئيس الوزراء «د. عون الخصاونة» استقالته من رئاسة الحكومة ليصبح بذلك رئيس الوزراء الوحيد الذي يبادر إلى تقديم استقالته منذ تسلم الملك عبد الله الثاني الحكم قبل أكثر من ثلاثة عشر عامًا.

فحالة التفاؤل الاستثنائية التي سيطرت على الرأي العام الأردني بمجيء الخصاونة صاحب السمعة الطيبة واليد النظيفة قبل نحو ستة شهور فقط، سرعان ما بدأت تتبدد إلى أن انتهت تمامًا، بتقديم الخصاونة استقالته التي قرأها الرأي العام على أنها تحول جوهري في النوايا الرسمية تجاه الإصلاح السياسي جوهره انتصار الحرس القديم والتيار المحافظ في فرملة المسار الإصلاحي والعودة إلى الفزاعات التقليدية... وهي التخويف من سيطرة الإخوان المسلمين على مقاليد الحكم والتوطين، وغيرها.

هذا التوجه عزز القناعة لدى الرأي العام الأردني أن طريقة الاستقالة، التي خرج بها الخصاونة عن المألوف والأعراف تركزت في ثلاث نقاط رئيسة أولها: أن الخصاونة قدم استقالته من خارج البلاد، وهو ما لم يحدث في تاريخ الأردن إلا مرة واحدة في زمن الراحل الحسين. ثانيها: تكليفه «د. إبراهيم الجازي» وزير الدولة للشؤون القانونية، وزير العدل في الحكومة بتقديم نص الاستقالة نيابة عنه. ثالثها: مخاطبة الخصاونة للملك في خطاب الاستقالة بعبارة «هداكم الله لما فيه خيركم»!.. وتظهر هذه العبارة غير المسبوقة في الخطاب مع الملك من قبل أي مسؤول رسمي في البلاد بأن مسألة الاستقالة تتعلق بخلاف عميق بين رأس الدولة ورئيس الحكومة المستقيل، إضافة إلى خلو خطاب الاستقالة من العبارات الكلاسيكية التي تحوي المديح والثناء من قبل رئيس الوزراء المستقيل للملك «عبد الله الثاني» كما جرت العادة.

رد الملك «عبد الله الثاني» على خطاب استقالة الخصاونة كان غير مسبوق أيضًا، حيث اتهم الملك الخصاونة بالتباطؤ والتلكؤ في عملية الإصلاح، رغم منحه له كافة الصلاحيات، حيث قال مخاطبًا الخصاونة: «لقد منحتك وحكومتك كل الصلاحيات والثقة والحرية التي تمكنكم من النهوض بالمسؤولية، على أمل أن يكون الإنجاز على قدر هذه الصلاحيات، وقد تابعت طيلة الشهور الماضية أعمال الحكومة في شتى المجالات، وكنت آمل أن تكون الحكومة أكثر فاعلية ونشاطًا في إنجاز تلك القوانين بالتعاون مع مجلس الأمة، لكن سمة التباطؤ والمراوحة ظلت هي السائدة على الأداء طيلة الشهور الماضية».

وأضاف: «فوجئت مؤخرًا بإصرارك على رأيك بعدم وجود ضرورة لتمديد الدورة العادية وتأجيل انعقاد الدورة الاستثنائية لمدة شهر، وإضافة مجموعة مشاريع قوانين أخرى لیست ذات أولوية في هذه المرحلة؛ مما يعني أن تظل القوانين الرئيسة قيد المراوحة، وبلا إنجاز، وهذا يعني بالتالي ألا نتمكن من إجراء الانتخابات النيابية في هذا العام كما التزمنا بذلك من قبل، بسبب عدم إقرار قانونها واتخاذ الإجراءات والترتيبات اللازمة لإجرائها، ومن ضمنها تشكيل الهيئة المستقلة للإشراف على الانتخابات وإداراتها وبناء قدراتها، وحتى الانتخابات البلدية، والتي كان ينبغي أن تكون قد أجريت لم يحسم أمرها بعد«.

أسباب الاستقالة

كشف مصدر مقرب من الخصاونة لـ«المجتمع» الأسباب الحقيقية لاستقالته، مشيرًا إلى أن اعتراض الخصاونة على تمديد الدورة البرلمانية لمدة شهرين دون علمه إنما يمثل «القشة التي قصمت ظهر البعير»، وأن استقالة الخصاونة جاءت نتيجة تراكمات بدأت معه منذ اليوم الأول لتسلمه رئاسة الوزراء قبل نحو ستة أشهر.

وقال المصدر: إن عنوان الخلاف الأساسي تركز على الصلاحيات والدور الذي كان بين الخصاونة والقصر من جهة والخصاونة والمخابرات العامة من جهة ثانية، وحدد المصدر بعض المحطات التي وقع فيها الخلاف بين الخصاونة والجهتين المذكورتين:

1- التصريحات التي وصف فيها الخصاونة إبعاد قادة «حماس» بأنه خطأ سياسي ودستوري، حيث طلب منه التراجع عن هذه التصريحات ولكنه أصر عليها وأكدها أكثر من مرة.

2- موقف الخصاونة ووزير إعلامه من «أحداث المفرق» التي اتهم فيها وزير الإعلام علنًا مراكز قوى بوقوفها وراء هذه الأحداث.

3- تجاهل الحكومة ورئيسها في الترتيبات الخاصة بزيارة «خالد مشعل» رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» والوفد المرافق له، حيث تمت تنحية الحكومة نهائيًا عن الزيارة، لدرجة أن رئيس الوزراء لم يدع لحضور مأدبة الغداء التي أقامها الملك على شرف ولي العهد القطري و«مشعل».

4- الخلاف حول قانون الانتخابات الذي وقع فيه تباين شديد بين الخصاونة والجهات الأخرى في الدولة، واضطر الخصاونة لتقديمه خلافًا لقناعاته.

5- استياء القصر من التصريحات التي أدلى بها وزير الإعلام راكان المجالي عن وليد الكردي «صهر الملك» التي حمله فيها مسؤولية الفساد في ملف شركة الفوسفات، وهو ما نظر إليه على أنه تجاوز من الحكومة للخطوط الحمر.

6- استياء الخصاونة مما جرى لمعتقلي حراك الطفيلة عند «الدوار الرابع»، وضربهم وتعذيبهم، مما شكل إحراجًا شديدًا له ولحكومته.

7- استياء الخصاونة من إغلاق مجلس النواب لقضايا الفساد، بعد قيامه بتبرئة جميع المتورطين فيها، في خطوة قرأها الخصاونة على أنها إجهاض لمشروع مكافحة الفساد الذي تتبناه حكومته بكل قوة.

وجاء التمديد لدورة مجلس النواب وهو في تركيا، وبدون موافقته ليطلق «رصاصة الرحمة» على حكومة الخصاونة، الذي استشاط غضبًا، وطلب من وزير العدل د. إبراهيم الجازي الذهاب إلى الديوان الملكي وإبلاغهم استقالة الخصاونة.

الشارع يستشيط

أثارت استقالة الخصاونة ردود فعل غاضبة لدى الرأي العام الأردني، الذي اعتبر خطاب الاستقالة بمثابة خطاب «نعي» لعملية الإصلاح، فقد كتب الكاتب الأبرز في الأردن د. محمد أبو رمان مقالة في جريدة «الغد» تحت عنوان «تغيير الاتجاه»، تحدث فيها عن أربعة عوامل ساهمت في «تغيير» خط الدولة من تبنٍّ لعملية الإصلاح الشامل، إلى تبنٍّ لخط جديد يقوم على الالتزام بإجراء الانتخابات النيابية هذا العام مع قانون انتخاب يبقي المعارضة دون القدرة على تحقيق مكاسب سياسية كبيرة، وعبور المرحلة الانتقالية من دون هزات سياسية عنيفة بانتظار ما ستسفر عنه المتغيرات الإقليمية المحيطة.

أما العوامل التي ساهمت في تبني الدولة لهذا الخط - بحسبة الكاتب- فإنها تتأسس مع تشكل أربعة رهانات متوازية ومتكاملة الأول: استمرار النظام السوري وبقاؤه، الثاني: تراجع الاندفاع الأمريكي خلف مشروع الإصلاح في الأردن لصالح عامل الاستقرار السياسي، الثالث: تضعضع مشروعية الربيع الديمقراطي العربي تحت وطأة الصعود الإسلامي والأزمات الاقتصادية، وأخيرًا عدم وجود توافق سياسي شعبي داخلي على أولويات الإصلاح السياسي في الأردن.

أما الكاتب المقرب من القصر فهد الخيطان، فقد كتب مقالة في جريدة «الغد» تعقيبًا على تكليف الملك عبدالله الثاني لفايز الطراونة لرئاسة الحكومة بدلًا من الخصاونة المستقبل تحت عنوان «حكومة الطراونة.. كل الناس خير وبركة» قال فيها: أكتب هذا التعليق قبل إعلان التشكيلة الرسمية لحكومة د. فايز الطراونة.. ما الفرق لو انتظرت إلى حين الكشف عن أسماء الوزراء بصراحة، لا شيء، ما دام الأمر يتعلق بلعبة الأسماء لا البرامج والسياسات، فلا معنى لإغراق القراء الكرام بكلام عن اتجاهات الوزراء وخبراتهم؛ لأن الأسماء تتساوى عندما تغيب الهويات السياسية للحكومات، كم من وزير اعتبرناه إصلاحيًا فوجدناه معاديًا للحريات؟! أربع حكومات في أقل من عامين تبدل فيها عشرات الوزراء لكن ما الذي اختلف في الأداء؟

هذه العينة الصغيرة من المقالات والأفكار إنما تعبر عما يختلج في صدور الغالبية الساحقة من الأردنيين المحيطين من مسار العملية الإصلاحية في البلاد.

الرابط المختصر :