; د. غازي صلاح الدين مستشار الرئيس السوداني لشؤون السلام لـ المجتمع :استمرار الحرب.. وسيلة جارانج الوحيدة للوجود على الساحة الدولية.. وبدونها يختفي | مجلة المجتمع

العنوان د. غازي صلاح الدين مستشار الرئيس السوداني لشؤون السلام لـ المجتمع :استمرار الحرب.. وسيلة جارانج الوحيدة للوجود على الساحة الدولية.. وبدونها يختفي

الكاتب حاتم حسن مبروك

تاريخ النشر السبت 01-يونيو-2002

مشاهدات 43

نشر في العدد 1503

نشر في الصفحة 30

السبت 01-يونيو-2002

الولايات المتحدة جزء من الحرب.. ودخولها على خط السلام أفضل لنا من استمرارها على خط النار.

لدينا إطار عام يحدد الرؤى والجهود لمواصلة السلام.. والأمر مرتبط بوعينا بحجم التحديات.

ما زالت حرب الجنوب تمثل العقبة الكؤود في سبيل انطلاق التنمية في البلاد، فهذه الحرب تتواصل دون انقطاع، على امتداد عهود سياسية مختلفة، ولم تتوقف بعد، وقد تسلم مؤخرًا الدكتور غازي صلاح الدين عتباني -مستشار الرئيس السوداني لشؤون السلام- في السودان ملف هذه القضية.

المجتمع التقته وحاورته عن رؤيته للقضية

سألته أولًا عن كيفية تدويل القضية في رأيه؟

فقال: هذه الحرب سياسة قديمة، وقد اعتمدت لإنجاز أهداف مستقبلية، تخدم أطماع القوى الاستعمارية بعد خروجها، وانتهاء سيطرتها المباشرة على الدول المستعمرة، خاصة في القارة الإفريقية، وهي سياسة اختص بها المستعمر أجزاء من القارة، تميزت إما بثراء مواردها، أو بتفرد إنسانها، أو بالاثنين معًا.

واعتمد تنزيل هذه السياسة أرض الواقع الإفريقي على أمرين أساسيين:

١- القدرة على إحداث التناقض الإثني والجغرافي والثقافي، ومن ثم، استغلال هذا التناقض.

٢ - الغفلة في وسط القيادات السياسية حينذاك، والقوى الاستعمارية تعلم أن هؤلاء القادة «الأفارقة» تربوا، وتعلموا، وتشربوا النهج والفكر الغربيين، وأصحاب الوعي بين هؤلاء أغرقتهم القوى الاستعمارية في دوامة المشكلات، ومن لم يغرق عرفت كيف تزيحه أو تعيده إلى حظيرتها بشتى الطرق هذا النهج يمارس إلى يومنا هذا.

والسودان جزء من إفريقيا، وللقوى الخارجية أطماع واضحة، ذلك لموقعه، ولما بداخل أرضه وما فوقها من خيرات، ولو تمتع السودان بالاستقرار منذ استقلاله لكان حاله غير ذلك.

إن جذور المشكلة تعود إلى سياسة «المناطق المقفولة» التي نفذتها الإدارة الاستعمارية عبر القانون في النصف الأول من القرن العشرين، وفي نهاية تلك الفترة، أتت تلك السياسة أكلها، وتحديدًا في أغسطس ١٩٥٥م بتمرد خطط له بمكر ودهاء، وتغير صراع الناس في السودان منذ ذلك الحين من صراع محدود بأنماط محدودة، وطرائق معالجة محدودة، حيث الأمر کله كان يدور في الإطار القبلي، فقد تحول الصراع على الكلأ والماء، إلى صراع منفلت أهدافه غير محدودة، وغاياته غائبة عن أذهان المنكوبين بناره، هكذا ظلت الحرب في السودان تتفاقم في بيئة ينقصها الوعي، حتى في مناطق الوعي.

ما الأسباب التي جعلت الحكومة تختار منطقة جبال النوبة لتوقيع الاتفاق؟ وما طبيعة الدور الأمريكي في هذا الاتفاق؟

دخول الولايات المتحدة إلى الساحة السودانية بغرض المساهمة في تحقيق السلام بالبلاد لم يكن خيارًا سودانيًا، وإنما كان رغبة أمريكية، وافقت عليها الحكومة السودانية، بإرادة سودانية باعتبار أن الولايات المتحدة جزء من الحرب، وإذا كانت رغبتها حقيقية في السلام فهو شيء ينبغي أن يشجع، ومن ثم، كان التعامل مع ما جاء به الأمريكان من مقترحات بإرادة سودانية أيضًا مستوعبة لطبيعة التحرك الأمريكي، وتعي الحكومة السودانية وهي تتعامل مع الولايات المتحدة مع من تتعامل وكيف تتعامل.

أما منطقة «جبال النوبة»، وتوقيع اتفاق خاص بها، فنحن نعلم أن القصية هنا تختلف عن قضية الجنوب، فمنطقة الجبال جغرافيًا لا علاقة لها بجنوب السودان، ورغم هذا قبلنا العرض من باب التجربة، على أساس الانطلاق من نجاحها لمعالجة القضية الأساسية، وذلك بعد أن محصنا المقترح تمحيصًا دقيقًا.

 والمهم في الأمر، أن الاتفاق يوقف الحرب، ويضع حدًا لمعاناة المواطنين الذين تضرروا كثيرًا في ظل انعدام الأمن والاستقرار بسبب قوات التمرد، وبهذا أصبح في المقدور توفير الاحتياجات الضرورية، وتقديم الخدمات الأساسية التي يحتاجها سكان تلك المنطقة.

هناك شكوك لدى بعض المراقبين -في الداخل والخارج- تجاه النوايا الأمريكية، وتجاه وجود مراقبين أجانب لأول مرة في السودان، ومخاطر ذلك على الأمن القومي؟

الشك مكفول، بل هو أحيانًا مطلوب، لأن بديله في مثل هذه الحالات هو الغفلة، وهكذا حال الشك دومًا، يزعزع النفوس الضعيفة غير المدركة لواقعها، والواقع المحيط بها، وعليه نقول: ينبغي عدم التعامل مع الأمر بسماته السطحية، لأنه يحتاج لفهم عميق، يسهم في الخروج بنتائج واقعية، ومن ثم التعامل مع هذه النتائج بواقعية، تقود للوصول إلى الهدف المنشود.

وما نفهمه نحن هو أن الحكومة الأمريكية أدركت بعد مضي سنوات عدة، تعثر سياستها تجاه السودان، وهي السياسة التي وقف من خلفها «توني ليك» و«البرايت»، وسوزان رایس، وبموجبها جاء كلنتون إلى إفريقيا، وأنشأ ما سمي بدول المواجهة، أو دول الطوق، لتطويق السودان، وقد فشل هذا الحلف المصنوع، برغم ما أحيط به من عناية عالية المستوى في هزيمة السودان، ولم ينجح سياسيًا أو عسكريًا في تحقيق غاياته.

وظل السودان قادرًا على حماية أمنه القومي، رغم الحصار والمواجهة والعداء الأمريكي المباشر له، وظل يواصل معركة البناء السياسي والاقتصادي في أحلك الظروف بنجاح شهد به الأعداء قبل الأصدقاء.

نتساءل: ما الذي يضير السودان إذا ما تحولت قوة ضخمة كالولايات المتحدة -كانت تعاديه وتضع العراقيل أمامه ومن خلفه- من حالة العداء إلى وضع أقل حدة يتسم بحالة من التهدئة حاليًا، وربما لتطبيع في مراحل لاحقة؟

إن خطر النوايا الأمريكية كان أعظم عندما كانت الولايات المتحدة سافرة في عدائها للسودان وليس ببعيد عن الأذهان أن أمريكا نصفت السودان لأسباب لا يمكن تبريرها استنادًا إلى معلومات مغلوطة ومدسوسة، والآن تحاور الولايات المتحدة السودان، ولا تظهر له العداء السافر، وهي التي سعت لذلك، ونحن قبلنا بإرادتنا المسعى.

هل المشكلة بخصوص جبال النوبة والجنوب تعني بالتنمية الاقتصادية أم أشياء أخرى؟

نؤكد أن التنمية مكون أساسي من مكونات معالجة المشكلة، وليس المكون الوحيد، والتنمية لن تكون قاصرة على الجانب الاقتصادي وحده، وإنما يتم التعامل معها بمفهوم واسع، يضع في الحسبان الإنسان معنى ووجدانًا، والأرض بمواردها ومناخاتها، وهذا الفهم ترجم إلى برامج وفق أولويات مربوطة رباطًا وثيقًا، بما هو متاح من إمكانيات وقد كملنا إعداد خطة خمسية فصلت برامجها المرحلية تفصيلًا دقيقًا، وحددت آليات تنفيذها مع وضوح الرؤية في كيفية تمويلها من مواردنا الذاتية ومساهمات الأشقاء والأصدقاء، خاصة في العالم العربي والإسلامي، وقد اعتمدت القمة العربية ببيروت مؤخرًا صندوق الإعمار في سودان، كما أن خطة التنمية للمناطق المتأثرة بالحرب خطة طموحة وواقعية، سيحسم إنزالها على أرض الواقع كثير من القضايا وأشياء أخرى.

ما مصير المبادرات السابقة «المشتركة والإيجاد» وهل فشلت في تحقيق السلام؟

نؤكد الالتزام بالمبادرتين، واهتمامنا بهما يرقى إليه شك، وقد أفردنا لهما مساحة كبيرة، وانشغلنا بالإيجاد لأكثر من ثمانية أعوام، وفي إطارها قدمنا تنازلات، ومشوارنا مع المبادرة الليبية - المصرية المشتركة لم ينقطع، واستجابتنا طلباتها فورية، والشواهد كثيرة على مواقفنا الإيجابية تجاه المبادرات الخارجية التي تتجه نحو معالجة قضية الحرب والسلام بالبلاد، والسودان يرحب بأي جهد خارجي مسؤول يأنس أصحابه في أنفسهم القدرة على الإنجاز.

 وأي مبادرة في هذا الإطار مصيرها رهين قدرتها وفاعليتها في الوصول إلى إنجاز ترتضيه الأطراف، ويظل مصيرها مرهونًا باستجابة الأطراف لتطوراتها الإجرائية، وتطور ضامينها التي تخاطب مكونات المشكلة. 

وهنا يمكن القول إن التجاوب يتفاوت ما بين طرف وآخر، ونحن في الحكومة مثلًا نستشعر مسؤولية أكثر من الآخرين في أن قضية السلام ينبغي أن تنال أولوية قصوى، ولك من بعد ذلك تقدير مواقف الآخرين، ومن ثم تحديد دورهم في تعطيل أو دفع هذه المبادرات إلى الأمام.

ماذا ستفعل الحكومة تجاه حديث جارانج في الولايات المتحدة عن عزمه المضي في الخيار العسكري، واستهداف منشآت النفط؟

ما زالت تصرفات جارانج تؤكد صحة هذا التقدير، فهو لم ولن يتغير، وهذا نهجه منذ عام ۱۹۸۳م، ونحن نعرف من جارانج، ونعرف نفسيته، ومنطلقاته، والمكونات المختلفة لعموم شخصيته، وبالتالي نعرف كيف نتعامل معه ومع من معه.

وجارانج منذ أن تمرد، يهدد ويستخدم العمل العسكري ليزرع الدمار، ويضعف قدرة البلاد على الاستفادة الإيجابية من إنسانها الذي تستهدفه الحرب بالموت المباشر أو غير المباشر، كما يضعف أيضًا قدرة البلاد على الاستفادة من ثرواتها، وانصرف الجهد والطاقة لتأمين هذا الخطر الذي أحاط بالسودان منذ أول تمرد عام ١٩٥٥م وإلى الآن، وجارانج عندما يبدي رغبته في الحوار أو يتظاهر بذلك، يضمر بالدرجة نفسها النية في العدوان العسكري، وقد نفذ معظم عملياته العسكرية بتزامن جلوس وفده مع الحكومة على مائدة التفاوض.

ما الذي حققه جارانج من تلك العمليات العسكرية؟

لقد حقق الدمار الذي يتضرر منه أول من يتضرر المواطن، وفيه تنكسر آلته العسكرية رغم ما يصله من دعم، ونعلم أن استمرار الحرب يضمن لجارانج المناخ الملائم للاستمرار، فهو بغير الحرب ينتهي ويتلاشى، وبها يحقق أطماعه الشخصية على حساب أقرب الأقربين إليه، أهل رحمه وقبيلته، وعموم أهل الجنوب، ومع أن الحرب هي وسيلة جارانج للاستمرار والوجود في الساحة الإقليمية والدولية، إلا أن هذه الوسيلة قد تجاوزها الزمن، وهو ما تؤكده التطورات المتلاحقة إقليميًا ودوليًا وحتى محليًا، والسلام آت رضي جارانج أو لم يرض.

أما تهديده للمنشآت البترولية فنأخذه مأخذ الجد، والقوات المسلحة له بالمرصاد، وهو أدرى بما سيصيبه إن تجرأ وسعى إلى تنفيذ تهديداته.

ضمن جولته في الولايات المتحدة مؤخرًا اقترح جارانج خمس تصورات لمستقبل الدولة في السودان، والنموذج الذي فضله: دولتان منفصلتان شمالية إسلامية تحكم بقوانين الشريعة، وجنوبية علمانية ديمقراطية! ما تعليقكم؟

اقتراحات جارانج لم تتوقف، والسير من خلفها -بغض النظر عن جدواها أو عدم جدواها- كالسير خلف السراب والحكومة من جهتها -اقترح جارانج أو لم يقترح- لا تسير خلف السراب، وما هو معلوم عن جارانج أنه غير مستقر على حال يتحدث اليوم بحديث، يناقضه غدًا بحديث آخر، الواقع أنه غير مستقر على حال، والواقع الآن لا تحركه المقترحات، وإنما تحركه معطيات حقيقية لقضية السلام، وهي نتاج عمل كبير يتشكل محليًا وإقليميًا ودوليًا، وهذه المعطيات الحقيقية للسلام إذا لم يفطن إليها جارانج فسوف يتجاوزه الزمن، وإن بدا جارانج متماسكًا فتماسكه إلى زوال.

ما الوسائل التي تتخذها الحكومة لوقف الحرب وإحلال السلام والتنمية في جنوب السودان؟

لنا إطار عام يحدد الرؤى والجهود لمواصلة السلام والأمر مربوط بوعينا بحجم التحدي الذي نواجهه ومرتبط بوعي تام لأهمية وضرورة أن يكون السلام أولوية، وتحقيقه في أقصر وقت ممكن، هذا بالإضافة إلى إدراكنا أن الوصول إلى هذه الغاية يقتضي حشدًا منظمًا وفـاعـلًا للإرادة السودانية، أي كل القوى التي تشكل حركة الحياة في السودان، وأهدافنا واضحة وعلى رأسها وحدة البلاد، الإنسان والتراب، ووسيلتنا لتحقيق هذه الغاية تعزيز الثقة بين أبناء الوطن الواحد بالعدل في كل شيء، والتنمية والمشاركة في السلطة، والحقوق والواجبات.. إلخ.

أما بشأن السلام فلنا فيه مساران:

1- سلام الداخل: وهذا مسار تنموي تسنده جملة من السياسات والبرامج التي هي الآن موضع التنفيذ حيث نتحرك الآن بتقدم ملحوظ في معالجة قضايا القسمة العادلة للثروة والسلطة عبر الإصلاحات الدستورية والتشريعية والإدارية في ذات الوقت الذي نتحرك فيه باتجاه تنمية الأرض والإنسان وبسط الأمن والاستقرار بآلية الدولة والمجتمع.

2- مسار التفاوض والمبادرات الخارجية: وهو مسار سياسي معطياته معلومة لكل مراقب ومتابع، ولكن الذي يجب قوله هو أن هذا المسار يكمل المسار الأساسي، مسار سلام الداخل بما لا يتعارض وإرادة الأمة السودانية ومفاهيمها الجوهرية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

150

الثلاثاء 07-أبريل-1970

أحداث السودان

نشر في العدد 8

122

الثلاثاء 05-مايو-1970

صحافة - العدد 8