; اضطهاد وحظر ارتداء الحجاب.. المسلمون في مالاوي وخطر التنصير | مجلة المجتمع

العنوان اضطهاد وحظر ارتداء الحجاب.. المسلمون في مالاوي وخطر التنصير

الكاتب روضة علي عبدالغفار

تاريخ النشر الأربعاء 01-سبتمبر-2021

مشاهدات 73

نشر في العدد 2159

نشر في الصفحة 39

الأربعاء 01-سبتمبر-2021

  • الحكومة اتخذت خطوات لبدء السماح بارتداء الحجاب في جميع المؤسسات التعليمية
  • عندما وصل الأوروبيون أفريقيا أتى معهم المنصِّرون و»ليفنجستون» أول منصِّري مالاوي
  • بعد 6 سنوات استطاعت الحملة أن تنصِّر فرداً واحداً فقط ولم تحقق أي نجاح!
  • البعثات التنصيرية أحدثت نجاحاً ملموساً عندما منحها الاستعمار حق الإشراف على التعليم
  • النهضة الإسلامية بالتعليم وبناء المساجد برزت عندما هاجر عمال مسلمون من باكستان والهند لمالاوي
  • الكويت موّلت ترجمة القرآن للغة «الشيشيوا» وقامت «مسلمي أفريقيا» بإنشاء أكثر من 170 مسجداً

الاستعمار والتنصير وجهان لعملة واحدة، حقيقة أثبتها تاريخ القارة الأفريقية، فلا يوجد بلد وطأته أقدام المستعمرين إلا ويلتحق بهم فوراً جنود التنصير، وأحياناً نجد أن التنصير يمهّد للاستعمار أولاً. 

وفي جنوب شرق القارة الأفريقية، تقع دولة مالاوي، التي يواجه فيها المسلمون الجهل والفقر والمرض، والأخطر من ذلك هو طوفان التنصير الذي يحيط بهم من كل حدب، الذي استطاع أن يحوّل ذلك البلد الأفريقي الحبيس، من دولة إسلامية إلى مسيحية.

ومن أبرز القضايا التي يعاني منها مسلمو مالاوي حظر الحجاب في المدارس، ومنع الطالبات المسلمات من حضور الدروس وهن مرتديات للحجاب، وقد تفاقمت القضية حتى اضطرت الحكومة للسماح بارتداء الحجاب، بعد ضغط شديد من المسلمين هناك.

فما قصة حظر الحجاب في مالاوي؟ وماذا فعلت الحملات التنصيرية في هذه الدولة؟ وما دور المؤسسات الإسلامية هناك؟ هذا وغيره في هذا التقرير. 

في الأشهر الماضية، تجددت قضية الحجاب في الشارع المالاوي؛ حيث اتخذت الحكومة خطوات لبدء السماح للطالبات المسلمات بارتداء الحجاب في جميع المؤسسات التعليمية، وكانت قد خلفت هذه القضية الكثير من الخلافات والاشتباكات؛ بسبب إصرار المدارس الحكومية والمسيحية على حظر الحجاب، ومطالبات المواطنين المسلمين للسماح بارتدائه.

وحدث الكثير من الاشتباكات في الفترة الماضية، كان آخرها في أكتوبر 2020م، حيث أضرم مجهولون النيران في مكتب مدير مدرسة كاثوليكية بعد أن رفض السماح لطالبات مسلمات بحضور الدروس بالحجاب، وهددت الكنائس الأنجليكانية والكاثوليكية بإغلاق مدارسها بالمنطقة في أعقاب هذه الهجمات. 

واضطُرت بعض المدارس للإغلاق في الدولة ذات الأغلبية المسيحية، ففي فبراير 2020م، ومع استمرار الخلافات والمشاحنات بين المسلمين والمسيحيين في المنطقة الشرقية، أغلقت مدرسة «مبيري» المملوكة للكاثوليك في ماتشينغا لأكثر من شهر، بعد أن طالب المجتمع المسلم بالسماح للمتعلمات بتغطية رؤوسهن في المدرسة، وتمنع الكنيسة الكاثوليكية المتعلمين من ارتداء الحجاب؛ لأن هذا يشبه الفصل بين المتعلمين الآخرين من الكنائس المختلفة.

وفي عام 2019م، تم تعليق الدراسة في ثلاث مدارس ابتدائية ومدرسة ثانوية نهارية؛ بسبب الخلافات بين الكنيسة الأنجليكانية والمسلمين الذين يريدون السماح للفتيات المسلمات بارتداء الحجاب أثناء حضور الفصول الدراسية.

وتعليقاً على الأحداث، يقول الصحفي المالاوي بموقع «صوت أمريكا»، لاميك ماسينا، لـ»المجتمع»: إنه طالما سُمح بارتداء الحجاب في المدارس الحكومية، لكن هذه المدارس التي كانت تحظر الحجاب هي مدارس دينية تمولها الحكومة جزئياً أو كلياً، فيتم دفع رواتب المعلمين من قِبل الحكومة في هذه المدارس. 

وأضاف ماسينا أن المسألة وصلت إلى نقطة الغليان منذ بضعة أشهر، عندما رفضت المدرسة الممولة من الحكومة الكاثوليكية استقبال الطالبات اللاتي يرتدين الحجاب، ما أجبر الناس في تلك المنطقة المنتشر بها المسلمون على الاحتجاج بإضرام النار في ممتلكات المدرسة، وتطورت الأحداث إلى إغلاق المدرسة.

وقال ماسينا: إن وزارة التعليم طلبت من لجنة الشؤون العامة إيجاد حل للمشكلة، ولجنة الشؤون العامة هي مجموعة من المنظمات والجماعات الدينية المختلفة في مالاوي، وأوصت اللجنة أنه لا ينبغي إعادة أي طالبة من أي مدرسة بسبب الحجاب، كما يجب عدم إجبار أي طالبة على ارتداء الحجاب في أي مدرسة حصلت على تمويل حكومي.

فقضية حظر الحجاب وغيرها من القضايا التي يعاني منها المسلمون في مالاوي، تتركز أسبابها في بقايا الاستعمار وما خلفه وراءه من حملات التنصير.

رواسب الاستعمار

انتشر الإسلام بين قبائل مالاوي، في القرنين السابع عشر والثامن عشر، من خلال التجار المسلمين القادمين من تنزانيا، الذين استطاعوا عبر أخلاقهم وسماحتهم أن ينشروا الإسلام بين أبناء القبائل.

وهناك من يُرجع بدايات الإسلام في مالاوي إلى التاريخ الذي دخل فيه الإسلام إلى موزمبيق؛ لأن قبيلة «الياو» -وأصلها من موزمبيق- هي التي أدخلت الإسلام إلى مالاوي، وكان ذلك بين عامي 1850م و1870م؛ عندما أسس تجار العرب من شرق أفريقيا مركزهم التجاري في موزمبيق.

وعندما وصل الأوروبيون لاستعمار المنطقة في عام 1859م، أتى معهم المنصِّرون، وكان «ليفنجستون» أول منصِّر وصل إلى مالاوي، ثم تعاقبت البعثات التنصيرية في السنوات التالية، وكان الإسلام منتشراً بين قبائل الياو والجومبي. 

وفي عام 1891م، أعلنت بريطانيا مالاوي محمية بريطانية، وأصبحت «محمية وسط أفريقيا البريطانية»، وبلغ الكفاح السياسي ضد الاحتلال ذروته بانتفاضة عام 1915م، وعلى الرغم من نجاح الانتفاضة، فإن كُره الأفارقة للحكم البريطاني استمر، وتشكلت أحزاب لتعبئة الشعب وتحريضه على النضال، وبدأ الاحتلال في استخدام القوة المفرطة ضد المسلمين ولا سيما الدعاة العرب، وحصلت مواجهات بين الطرفين قُتل على إثرها الكثير من المسلمين، ولاذ بعضهم بالهروب.

وبعد نضال طويل من الشعب، استَقَلَّت مالاوي عن بريطانيا عام 1966م، وذهب الاحتلال تاركاً خلفه حملات شرسة من جماعات التنصير، التي حوَّلت هذا البلد المسلم إلى بلد ذي أغلبية مسيحية. 

عندما جاءت حملات التنصير إلى مالاوي في منتصف القرن التاسع عشر، حاولت بذل جهود جبارة من أجل تنصير المسلمين، إلا أن جهودها لم تثمر وفشلت فشلاً ذريعاً؛ رغم الإغراءات المادية الكبيرة التي كانت تقدمها للمسلمين هناك، وبعد 6 سنوات من العمل في مالاوي استطاعت أن تنصِّر فرداً واحداً، ولم تحقق أي نجاح.

وعندما سقطت مالاوي تحت الاستعمار البريطاني عام 1891م، فرض الاستعمار التنصير عن طريق التعليم، وسيطر المنصِّرون على غالبية المدارس ومراكز التدريب والمعاهد في مختلف أنحاء مالاوي، وأخذوا يبنون الكنائس ويوزعون الأموال، واستطاعوا عبر تلك الوسائل تحويل مالاوي من بلد يقطنه غالبية مسلمة تصل إلى 70% من عدد السكان، إلى ما يقرب من 30% فقط.

وكان للمنصِّرين مدارس بدءاً من التعليم الابتدائي وحتى المستوى الجامعي، ولهم دور أيتام ومستشفيات ومراكز صحية حتى في القرى، حيث أصبح الشعب المالاوي مطوَّقاً من كل الجهات. 

بين نيران الجهل والتنصير

نتيجة لمعاناة المسلمين من اضطهاد الاستعمار الذي نهب ثروات البلاد، ومن حملات التنصير الضخمة التي احتكرت التعليم والمدارس هناك، عانى المسلمون من الجهل والأمية، وتحول الكثير منهم إلى المسيحية؛ تحت نيران الفقر والجهل وإغراءات المنصِّرين، كما انتشر زواج المسلمين من مسيحيات وزواج المسلمات من مسيحيين.

وبدأت البعثات التنصيرية تُحدِث نجاحاً ملموساً عندما منحتها السلطات الاستعمارية حق الإشراف على التعليم في مالاوي، وتم فرض تعليم الدين المسيحي بجميع المدارس في عام 1927م، وحُرم معظم المسلمين من التعليم، وكان ذلك بعد سقوط الدولة العثمانية بثلاثة أعوام.

كما قامت بعض المدارس بتغيير سياسة إدارتها لمنع الطلاب المسلمين من الذهاب للمدارس الإسلامية بعد انتهاء اليوم الدراسي الحكومي، وذلك بمد اليوم الدراسي حتى المغرب وحلول الظلام؛ حتى يحرم أولاد المسلمين من الذهاب لمدرسة المسجد (الكتاتيب).

وأظهرت الإحصاءات في مجال التعليم حديثاً أن من بين 5 آلاف طالب جامعي 65 طالباً مسلماً من بينهم طالبتان فقط، وقليل من الفتيات المسلمات يُكْمِلْن تعليمهن الابتدائي، ومن بين 70 ألف مُعلِّم مالاوي هناك 700 مُعلِّم مسلم فقط، أي بنسبة 1%، ولا يوجد معهد إسلامي عال في البلاد لتخريج طلاب مسلمين للمناصب الوظيفية، أو لمواصلة دراساتهم خارج البلاد.

وقد كان التعليم باللغة العربية والسواحلية قبل احتلال مالاوي، ثم تحولت لغة التعليم إلى الإنجليزية، أو اللهجات المحلية بحروف لاتينية، وهكذا أخذت التحديات تبرز في مجال التعليم المهني، وأصبحت المدارس التي أنشأها المسلمون في مالاوي بجهد ذاتي، لا تقوى على المنافسة، وأدى انقطاع المسلمين عن التعليم إلى فقرهم وتخلفهم وابتعادهم عن الثقافة الإسلامية. 

إلا أن النهضة الإسلامية في ميادين التعليم وبناء المساجد برزت عندما هاجر إلى مالاوي عدد من العمال المسلمين من باكستان والهند، وأخذوا في تشييد المساجد والمدارس الإسلامية.

جهود محمودة

كما ذكرنا؛ فإن مسلمي مالاوي يواجهون مخاطر عديدة تستهدف وجودهم، فالهدف الإستراتيجي لحملات التنصير هو القضاء على الوجود الإسلامي في البلاد، والإمكانات المادية الهائلة تساعد البعثات التنصيرية على تحقيق أهدافها، مستغلة حالة البؤس والفقر والجهل والمرض التي يحيا فيها المسلمون، كما أن قلة الدعوة والكتب والمدارس والمعاهد الإسلامية أدت إلى انقطاع كثير من المسلمين عن دينهم.

وقد تنبه المسلمون في مالاوي إلى الجهود التنصيرية التي تستهدف وجودهم، وتلمَّس العالم العربي والإسلامي بؤس ومعاناة المسلمين هناك، وفي الآونة الأخيرة تصدّت مؤسسات إسلامية لنشر الإسلام في مالاوي، منها وكالة المسلم الأفريقي، ومقرها في أنجولا.

وقامت دولة الكويت بتمويل ترجمة القرآن الكريم إلى لغة «الشيشيوا»، وهي واحدة من اللغات الرسمية في مالاوي، وقامت لجنة مسلمي أفريقيا الكويتية بإنشاء 70 مسجداً بملحقاتها، ورمَّمت أكثر من 100 مسجد.

ومن أهم المنظمات العاملة «رابطة مسلمي مالاوي»، وهي المنظمة الأم، وقد تأسست عام 1956م، كمظلة رابطة بين المسلمين في البلاد، فجميع الاتحادات والجمعيات المحلية الإسلامية تعمل تحت إشراف هذه الجمعية.

وهناك منظمات إسلامية إنمائية ودعوية عربية، مثل: الوكالة الأفريقية المسلمة، وهي منظمة دعوية كويتية تعمل في مجال كفالة الأيتام ورعايتهم وبناء المساجد وتوزيع الكتب الإسلامية.

وهناك الندوة العالمية للشباب الإسلامي، التي تعمل في مجال الدعوة والإغاثة، وتركِّز على برامج تربية النشء وتحفيظهم القرآن ورعايتهم، كما توزع الكتب الإسلامية باللغة المالاوية، وتعقد المؤتمرات والندوات، كما يعملون في مجال حفر الآبار لتوفير المياه للمسلمين، وكذلك تنظيم دورات لإعداد الأئمة.

كما أن هناك جهوداً قوية تقوم بها بعض الدول العربية والإسلامية لمساعدة المسلمين، ولكن تلك الجهود تحتاج إلى الدعم من أجل الضغط على حكومة مالاوي لتحسين أوضاع المسلمين هناك، إضافة إلى الاهتمام ببناء المساجد والمدارس والمعاهد الإسلامية، وتزويدها بالدعاة والمعلمين والكتب الإسلامية، مع استقبال أبناء مسلمي مالاوي للدراسة في الجامعات الإسلامية الكبرى في العالم الإسلامي، مع ضرورة وضع خطة إستراتيجية للدعوة، والتنسيق بين المنظمات العاملة هناك لتكامل الرعاية وتغطية الأهداف المرجوَّة.

المصادر

 1- Lameck Masina, Malawi Moves to Allow Hijabs in All Schools, voanews, 6 June 2021.

2- Watipaso Mzungu, minister mtambo appeals for patience over hijab infrared tempers, nyasatimes, 18 May 2021.

3- Yohane Symon, Christians and Muslims clash in Balaka, Times 360 Malawi, 5 November 2019.

4- Olorunwa lawal, Malawi: Arsonists Raze Pry School’s Headteacher Office Over Hijab Row, news central, 28 October 2020.

5- عنف بين مسلمين ومسيحيين في مالاوي بسبب الحجاب، يورو نيوز، 5 نوفمبر 2019م.

6- ليلونغوي، رجب جانيك، “حظر الحجاب” يعكّر صفو المدرّسات والطالبات في مالاوي، وكالة الأناضول، 7 مارس 2018.

7- عائشة الدوسري، كيف لجأ الاستعمار للتخلص من اللغة العربية تمهيداً للتنصير، مجلة اللغة العربية، 12 أغسطس 2021.

8- ثروت البطاوي، مسلمو ملاوي تحديات مواجهة الفقر والتنصير، موقع قصة إسلام، 12 فبراير 2013م.

الرابط المختصر :