; اعتداءات "شارلي إبدو".. رب ضارة نافعة! | مجلة المجتمع

العنوان اعتداءات "شارلي إبدو".. رب ضارة نافعة!

الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر الأحد 01-فبراير-2015

مشاهدات 110

نشر في العدد 2080

نشر في الصفحة 30

الأحد 01-فبراير-2015

تقديم السيرة النبوية لشبابنا والعالم.. ضرورة

اعتداءات "شارلي إبدو" كشفت ضرورة تناول السيرة النبوية بصورة عصرية تبرز الجانب الإنساني للرسول ودعوته.

لا يمكن إنكار سيطرة الروح الصليبية على الوجدان الأوروبي في علاقاته مع الشرق الإسلامي.

مارس الاستشراق دوراً خطيراً في تشويه صورة الإسلام والنبي خاصة في مناهج الدراسة للتعليم العام والجامعي بأوروبا وأمريكا.

بعض نخب المسلمين يرددون مقولات المستشرقين الغربيين القائمة على كتب ضعيفة في التفسير والسيرة بوصفها غير قابلة للنقض والتصحيح.

تحتاج كتابات السيرة النبوية المتضمنة قصصاً موضوعة لقراءة جديدة تحسم القضايا الشائكة غير المدققة علمياً.

بعض كتابات السيرة المعاصرة لم تقدم الصورة الكلية لصاحب السيرة صلى الله عليه وسلم في كلامه وسلوكه.

كتاب "فقه السيرة" للشيخ محمد الغزالي يمثل واحداً من أفضل الكتابات المعاصرة للسيرة النبوية.

رب ضارة نافعة.. فقد كشفت أحداث جريدة "شارلي إبدو" الدامية واستفزازاتها المشينة والاعتداءات الآثمة على المساجد والمسلمين في فرنسا؛ ضرورة الاهتمام بالدعوة الإسلامية في جوانبها المختلفة، وخاصة في مجال تقديم السيرة النبوية وشخصية النبي الكريم –صلى الله عليه وسلم– بصورة عصرية ومكثفة؛ تبرز إنسانيته وإنسانية الدعوة، وتوافقها مع الفطرة، وتحقيق الخير للإنسان والبشرية جميعاً.

لا يمكن إنكار أن الروح الصليبية تسيطر على الوجدان الأوروبي، وتعبر عن نفسها في التعليم والثقافة والإعلام والسياسة والعلاقات مع الشرق الإسلامي بصورة ما، هذه الروح تنضح بالعنصرية الفجة، ويغذيها ما وصلت إليه المدنية الغربية من تقدم مادي وقوة عسكرية أعطت لما يسمى المركزية الأوربية دوراً فاعلاً في فرض التصورات الغربية على شعوب العالم، وخاصة الشعوب الإسلامية.

دور الاستشراق

لقد مارس الاستشراق منذ الحروب الصليبية، وحتى قبيل المرحلة الاستعمارية الحديثة، دوراً خطيراً في تشويه الصورة الإسلامية عموماً والنبوية خصوصاً؛ وهو ما اعتمدته المناهج الدراسية في التعليم العام والتعليم الجامعي في دول أوروبا وأمريكا، فصار الإسلام عندهم مرادفاً للشر والقتل وسفك الدماء، وصار النبي –صلى الله عليه وسلم– في أذهانهم داعية للعنف والحروب والغزو وقطع الأيدي والأرجل والرقاب والاستمتاع بالنساء وقهر المرأة.. وتستطيع أن تقرأ نماذج بشعة تصور المسلمين والنبي –صلى الله عليه وسلم– تصويراً سيئاً مجافياً للحقيقة؛ في أعمال أدبية شهيرة تتوارث الأجيال الغربية قراءتها، مثل "الكوميديا الإلهية"، و"ملحمة السيد"، وبعض أعمال "فولتير"، وغيرها، وفي هذه الأعمال رؤى جائرة وظالمة للإسلام ونبيه –صلى الله عليه وسلم-. 

وللأسف فقد انتقلت هذه الرؤى إلى بعض نخب المسلمين التي لم تحسن بلادهم تربيتهم تربية إسلامية صحيحة؛ فانطلقوا يرددون مقولات المستشرقين الغربيين المعتمدة على بعض الكتب الضعيفة في التفسير والسيرة بوصفها حقائق لا تقبل النقض، ولا تخضع للتصويب والتصحيح، وقد رأينا على سبيل المثال ما طرحه المرتد سلمان رشدي في روايته "آيات شيطانية" حيث ارتكز على القصة المكذوبة المعروفة بـ"الغرانيق"، مع أن المفسرين الواعين وكتّاب السيرة المحققين رفضوا هذه القصة وفنّدوها تفنيداً علمياً موضوعياً يقوم على الرواية والدراية، وهو ما فعله على سبيل المثال القاضي عياض في كتابه "الشفا بتعريف المصطفى".

مراجعة كتب السيرة

في تراثنا بعض كتابات السيرة النبوية فيها قصص موضوعة تحتاج إلى قراءة جديدة تحسم القضايا الشائكة التي لم يبالِ كتَّابها بتحريرها تحريراً علمياً دقيقاً، مثلما جرى مع "الإسرائيليات" التي بثت في بعض تفاسير القرآن الكريم، ووجدت من يتصدى لها ويعالجها معالجة علمية صحيحة. 

ثم إن كتابات السيرة المعاصرة لم تمضِ غالباً على نهجٍ يبرز القدوة أو الفكرة الإيمانية التي حكمت السلوك النبوي الكريم في شتى المواقف والأحداث، وقد ركزت بعض السير على جزئيات معينة دون أن تقدم الصورة الكلية لصاحب السيرة – صلى الله عليه وسلم – في كلامه وسلوكه وتقريره. 

فقه السيرة

هناك كتب قليلة استطاعت أن تصل إلى تقديم النموذج، القدوة، الأسوة الحسنة، في ثوب جميل يبهج الناظرين، ويشد القارئين لتتبع المسيرة المحمدية بشغف وشوق كبير، ولعل كتاب الشيخ محمد الغزالي "فقه السيرة" يمثل واحداً من أفضل الكتابات في هذا السياق، فهذا الكتاب مكتوب بمداد القلب كما يقال، ممتلئ بالعاطفة المضفرة بالحقائق الراسخة، والعقل المضيء، إنه يجعل قارئ السيرة المحب يلتقي بحبيبه في أحواله الشخصية والعامة فيقتدي به ويتأسى، ويسير على هديه ورؤاه، وينشأ وينشّئ غيره من أبنائه وذويه على منهج النبوة في عباداته وعاداته ومعاملاته وعلاقاته. 

فحياة محمد صلى الله عليه وسلم –ليست كما يقول الغزالي– مسلاة يتسلى بها، أو دراسة ناقد محايد يصل إلى مجموعة من النتائج، كلا.. كلا.. إنها مصدر الأسوة الحسنة التي يقتفيها، ومصدر الشريعة التي يدين بها، فأي حيف في عرض هذه السيرة، وأي خلط في سرد أحداثها يعدّ إساءة بالغة إلى حقيقة الإيمان نفسه. 

إنه يعطي صورة صادقة عن سيرة الرسول –صلى الله عليه وسلم– ويجتهد في إبراز الحكم والتفاسير لما يقع من حوادث، وفي النهاية يترك للحقائق المجلوة أن تدع آثارها في النفوس دون افتعال أو احتيال. 

لقد قصد الغزالي من وراء السيرة أن تكون شيئاً ينمّي الإيمان، ويزكّي الخلق، ويلهب الكفاح، ويغري باعتناق الحق، والوفاء له، من خلال ثروة هائلة من الأمثلة الرائعة التي تشير إلى ذلك كله. 

والأهم بعد ذلك هو أن الغزالي كتب فقه السيرة وعينه على الأحداث المعاصرة التي يعيشها المسلمون، والمناظر القاتمة التي حكمت تأخر المسلمين العاطفي والفكري، فلا عجب إذا حكي قصص السيرة وهو يومئ بصورة وأخرى إلى ما يعيشه المسلمون اليوم، وهو كلما يورد قصة يطرح في أعماقها شحنة من صدق العاطفة وسلامة الفكر وجلال العمل، كي يعالج هذا التأخر المثير. 

لقد صاغ الغزالي كتابه "فقه السيرة" بأسلوب أدبي ينتمي إلى مدرسة البيان في الأدب العربي الحديث، وهي مدرسة تعلو في بيانها وبلاغتها فوق المدارس الأخرى بما يحمله أسلوبها من شحنات تصوير، وهندسة لغوية، تحمل فكراً ناصعاً، ومضموناً راقياً يصل إلى أعماق الروح وهو يخاطب العقل. 

عرض حي للسيرة

إنه يعرض السيرة في قالب حيّ متحرك يتنفس إيماناً ويقيناً بالدين الذي ينتسب إليه، ولذا فالغزالي يرى أن من الظلم للحقيقة الكبيرة أن تتحول إلى أسطورة خارقة، ومن الظلم أن تعرض فترة نابضة بالحياة والقوة في أكفان الموتى.

لقد استفاد الغزالي من السير التي كتبها القدامى والمحدثون، وأفاد من الأولين حشد الآثار وتمحيص الأسانيد وتسجيل ما جل من الحوادث والوقائع، وفي هذه المحفوظات الكثيرة نفائس ذات خطر لو أحسن الاستشهاد بها، وإيرادها في موقعها. 

 وأخذ من الآخرين ميلهم إلى التعليل والموازنة، وربط الحوادث المختلفة في سياق متماسك فذاك أحدث ما في طريقتهم. 

لقد مزج الغزالي بين الطريقتين، وكتب السيرة كما يكتب جندي عن قائده، أو تابع عن سيده، أو تلميذ عن أستاذه، فهو في كل الأحوال ليس مؤرخاً محايداً، مبتور الصلة بمن يكتب عنه. 

إن المسلم الذي لا يعيش الرسول –صلى الله عليه وسلم– في ضميره ووجدانه، ولا تتبعه بصيرته في عمله وتفكيره، لا يغني عنه أبداً تحريك لسانه بألف صلاة في اليوم والليلة. 

أتمنى أن ينشر هذا الكتاب وأمثاله، كاملاً، أو ملخصاً، أو مبسطاً، بالعربية واللغات الأخرى، على أوسع نطاق في المدارس والجامعات، في المنتديات والمكتبات، في الإعلام والصحافة، في كل مكان فيه بشر يعرفون القراءة والكتابة، ليعلم أصحابه من هو نبي الإسلام –صلى الله عليه وسلم-، وما هو الإسلام الذي دعا إليه، وعاش في رحابه الصحابة رضوان الله عليهم، وأسسوا به ومن خلاله أول دولة في العالم تعرف للإنسانية حقها، وللعدل موضعه، وللعزة مكانها. 

إن نشر الوعي بالسيرة النبوية بمنهج الشيخ محمد الغزالي وأمثاله يؤسس لحبّ النبي –صلى الله عليه وسلم– بالطريقة الصحيحة التي تبني مواطناً مسلماً حقيقياً يتجاوز الشكل إلى الجوهر، وينقل المسلمين من حالة السكون والتقليد إلى أفق الحركة والإبداع، ومن وضع التخلف المشين إلى مكانة التقدم المثمر العظيم. 

لدى المسلمين مؤسسات عديدة تنفق على المؤتمرات والإعلام والدعاية والكتب الفارغة ومجلات التسلية أموالاً ضخمة، وتبذل من أجلها جهوداً كبيرة، وحبذا لو خصصوا لنشر السيرة النبوية جزءاً من هذا وذاك، لعل الله يسامحنا. 

الرابط المختصر :