العنوان اعترافات جديدة عن جرائم الصرب ضد مسلمي البوسنة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-أبريل-1996
مشاهدات 96
نشر في العدد 1196
نشر في الصفحة 33
الثلاثاء 16-أبريل-1996
مجلة LEPOINT الفرنسية
وأخيرًا بدأ العالم يكتشف الأدلة الدامغة للمجازر الوحشية التي ارتكبها الصرب في حق المسلمين في كل أنحاء البوسنة، فمنذ بضعة أشهر بدأت الأدلة على جرائم الصرب تنهال من كل صوب، فبعد سقوط جيب سربيرينيتسا في شهر يوليو الماضي قام الصرب بإبادة آلاف البوسنيين بأساليب وحشية تقشعر لها الأبدان وإن اكتشاف المقابر الجماعية مؤخرًا لن يشفع للغرب من الآن فصاعدًا تجاهله لتلك الجرائم البشعة.
فقد كان الجنرال الفرنسي محقًّا عند رفض مغادرة سربرينيتسا في شهر مارس عام 1993م عندما توجس خيفة من سقوط المدينة في أيدي الصرب قائلًا: "أنا موجود هنا للحيلولة دون وقوع جريمة ضد الإنسانية، وإن سربرينيتسا تمثل رمزًا"، ولكن مخاوف الجنرال كانت في محلها وأثبتتها المجازر الوحشية التي شهدتها المدينة بعد سقوطها.
ولقد كانت هناك شكوك في العدد الحقيقي لضحايا تلك المجازر، ولكن الاكتشافات الأخيرة لن تترك أي مجال للتشكيك في فداحة الجرائم، فحتى اللجنة الدولية للصليب الأحمر المعروفة دائمًا بتحفظها، أفادت بأن عدد ضحايا تلك المجازر 3000 شخص، بينما تؤكد تقديرات المصادر الأخرى بأن عددهم بلع 8000 شخص قتلوا على أيدي الصرب.
وكانت هذه الحقيقة معروفة منذ الصيف الماضي بناء على أقوال جميع الشهود، واعترافات المنشقين من الجنود الصرب، وكذلك الصور الملتقطة جراء روايات الجنود الهولنديين الذين كانوا متواجدين هناك في شهر يوليو، وقد أثبتت تلك الأدلة والشهود بوقوع مجازر جماعية، غير أن الضرورات السياسية حتمت أن ينتظر الناس إلى أن يتم إبرام اتفاقية "دايتون" بشأن البوسنة ثم يتم بعد ذلك الاعتراف علنًا بوقوعها.
وفي "جلوجوفا" حيث تم إخفاء مئات الجثث توجد بقعة تمتد مساحتها إلى 600 متر مربع، وهي عبارة عن مقبرة جماعية تم اكتشافها مؤخرًا، وتعج بالجماجم والهياكل البشرية، ورغم أن السكان الصرب ما زالوا يلوذون بالصمت، إلا ان هناك مزارعًا ما زال يتذكر ما شاهد في يوم 10 يوليو الماضي عندما كان يقود عربته، حيث رأي بأم عينيه طوابير من اللاجئين الهاربين من سربرينيتسا إلى توزلا غداة ذلك اليوم الذي تمكن فيه الجنود الصرب بزعامة الجنرال الصربي رادكو ميلا ديتش من الاستيلاء على بلدة سربرينيتسا, وفي نفس ذلك اليوم في كمين نصبه لهم الصرب, وأسفر عن وقوع مأساة أليمة.. فقد مر طابور مكون من اللاجئين البوسنيين الهاربين في نفس اليوم عبر الخطوط الصربية متجهين إلى مدينة توزلا وكان عددهم حوالي1500مسلم, ولم يكن أمامهم أدنى فرصة لإفلات من أنياب أعدائهم.. لقد فوجئوا بأنهم وجها لوجه, ولم يتأخر الصرب في فتح نيران مدافعهم وبنادقهم على هؤلاء العزل فقتل فورًا, ثم أسرعوا للحاق بمن لاذ منهم بالفرار حتى ألقوا القبض عليهم, ثم أعدموهم, وفي أغلب الأحيان عن طريق الذبح.
وهناك شاهد أدلى بشهادته أمام المحكمة الدولية في لاهاي بأنه رأى الجنود الصرب "ينتزعون رضيعًا من ذراعي والده, وفي نفس اللحظة كان جده مصلوبًا في شجرة بواسطة سكين مغروز في يده, ثم أقدم جندي صربي علي ذبح الطفل الرضيع قبل شق بطنه لقطع قطعة من كبدة وإجبار جدة على أكلها"
ولم تتوقف هذه المجزرة طوال ثلاثة أيام متواصلة إلا عند قيام الصرب بشحن الجثث المتراكمة على شحنات لدفنها في حفر جماعية, وفور سماع سكان سربرينيتسا بمصير الطابور الأول هرع بقية السكان البالغ عددهم 25.000 نسمة إلى معسكر لقوات الأمم المتحدة في بوتوكاري حيث كان يتواجد جنود هولنديون, وقد حاول هؤلاء الجنود حماية هذا العدد الهائل, لكن سرعان ما هاجمهم جنود من صرب البوسنة.
وقد أورد الناطق باسم وزارة الدفاع الهولندية في وقت لاحق تقريرًا عما حدث للجنود الهولنديين مساء يوم 11يوليو 1995م, حيث أفاد بأن الجنرال رادكو ميلاديتش دخل جيب سريرينيتسا بعقلية المنتصر, حيث دعا الضباط التابعين للكتيبة الهولندية, وعندما حضروا أمامه قام بذبح خنزير بعد ربط أطرافه الأربعة وربطه في شجرة نحو الأسفل, ثم هددهم قائلًا: "إن أيًّا منكم يتجرأ على محاولة عرقلتي سيلقي نفس مصير الخنزير المذبوح", عندئذ شرع المقاتلون من صرب البوسنة في فرز ضحاياهم, ولم يطلقوا إلا سراح النساء, والأطفال, كبار السن, والمعاقين من الرجال, آمرين إياهم بالركوب فوق شاحنة ليوصلوهم إلى الخطوط البوسنية.
وقد استحسن الجنود الهولنديون هذا التصرف في تلك اللحظة إلا أنهم اكتشفوا فيما بعد أن الأمر كان يدبر سلفًا بذكاء، وبعد ترحيل هؤلاء قام الجنود الصرب بإعدام الباقين على مسمع من الجنود الهولنديين الذين سمعوا دوي المدافع المنطلقة من نفس مكان احتجاز سكان البلدة.
وليست ثمة شك في أن ميلاديتش قد تحمل المسئولية المباشرة في هذه المجزرة، ويعتقد أن سلوبودان ميلوسيفيتش قد تخلى عن زعيمي صرب البوسنة في بالي منذ التوقيع على اتفاقيات دايتون، وأن الاختفاء السياسي أو الموت لكاراذايتش وميلا ديتش لن يتحصر عليه ميلوسوفيتش.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل باستطاعة ميلوسوفيتش أن يترك حليفيه السابقين يحاكمان أمام محكمة دولية متناسيًا تواطؤه معهما في السابق والأسرار التي تبادلها معهما؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل