العنوان اعترافات زوجة:1035
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يناير-1993
مشاهدات 126
نشر في العدد 1035
نشر في الصفحة 57
الثلاثاء 26-يناير-1993
اعترافات
زوجة
نشأت في أسرة القوامة فيها للأم وليست للأب:
أجل فقد كانت أمي هي صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة في منزلنا، ولم يكن
أي منا يستطيع أن يعارض لها رغبة أو يعصي لها أمرًا. أبي الطبيب كان حريصًا
على مرضاتها في أغلب الأحيان، وكان يرى تصرفه هذا نابعًا من مرتبة أخلاقية عالية
لا يستطيع الرجل الشرقي أن يصل إليها بسهولة.
كثيرًا ما كان أبي يحدثنا عن أبيه وجبروته وتسلطه خصوصًا على جدتي
المسكينة التي كانت شديدة الطاعة له والخوف منه على حد سواء، ولم تكن مثل هذه
العلاقة تعجب أبي المثقف الذي نال حظًا من التعليم أفضل بكثير من حظ أبيه، فراح
يعامل أمي بمعاملة «الجنتلمان» كما كان يكرر على مسامعنا دومًا. وأمي هي الأخرى
كانت تفخر على شقيقاتها ومعارفها باحترام أبي الزائد لها، وتقديره الكبير لها،
النابع من تلبية أغلب رغباتها. أقول أغلب لأن أمي أحيانًا كانت تتمادى في تلك
الرغبات فيعترض أبي ويحاول إقناعها باللين والحجج المنطقية، لكن أمي كانت ترفض
دائمًا الاستماع إليه، وتلجأ إلى سلاحها المعتاد وهو اللجوء إلى بيت أبيها في خصام
قد يمتد لأيام وأسابيع حتى يرضخ أبي لمطالبها أخيرًا ويحقق لها ما تريد.
هكذا شببت وأنا أرى أمي القدوة أمامي في كل شيء، في ملبسي في خلقي في
مأكلي، وحتى في طريقة حديثي. في ذلك الوقت لم أكن أشعر أن هناك اختلالًا في
الموازين الإدارية لأسرتنا، كنت في قراري مقتنعة بمثالية أبي الذي كان يقبل بسيطرة
أمي وقوامتها على جميع أمور حياتنا. لم يكن أبي في حينها رجلًا ضعيفًا في نظري، بل
كنت أراه رجلًا عصريًا يعرف للمرأة قدرها ومكانتها. كنت سعيدة بأسرتي التي كنت
أراها سعيدة مترابطة، رغم خصومات أمي التي كانت تتزايد حين تهجر بيتنا إلى بيت
أهلها، تلك الوسيلة التي لم أكن أرى أيًا من قريباتنا يمارسنها مع أزواجهن، لكني
رغم ذلك كنت أرجعها إلى قوة أمي وهيبتها، تلك التي كانت أغلب قريباتنا يحسدنها
عليها. هكذا صورت لي نفسي، وهكذا كان تفكيري واعتقادي حتى تبدل الحال، وانتقلت من
بيت أهلي إلى بيت زوجي لتطوى مرحلة قديمة من عمري وتبدأ مرحلة جديدة.
علاقتي مع زوجي في البداية كان يسودها التفاهم والاحترام. لا أنكر أنه
ذو قلب رحيم، حريص على عدم إغضابي في أغلب الأحوال، وهذا ما كان يسعدني، هذا هو
الزوج الذي أردت، الزوج العصري مثل والدي الذي يحترم المرأة، ويقدر مكانتها. وهكذا
ما كان زوجي يهم بأمر إلا ويأخذ رأيي فيه، وكثيرًا ما كان يعدل عما اعتزمه حين
يقتنع بصواب رأيي ومشورتي. ومضت الأيام ومع مرورها بدأ تدليل زوجي لي يقل عما كان،
أحيانًا كان يُصِر على رأي ما أرفضه أنا، فألجأ إلى سلاح أمي الشهير الخصومة
والزعل، إلا أنها كانت في الغالب بين جدران بيتي دون اللجوء إلى بيت أهلي، كما
كانت أمي تفعل. لا أذكر أن سلاحي كان فعالًا بدليل أن زوجي ما كان يطيق خصامي له،
فيسرع إلى مراضاتي بعد أيام قليلة. لكن خصوماتي له زادت فبدأت مراضاته لي تقل،
وبدأت معاملته لي تتغير، تبدل حنانه قسوة ومحبته جفاء، واحترامه ازدراء.
وحين كنت أشكو وأثور كان يلقي اتهاماته عليّ «أنتِ البادئة والبادي أظلم، إنك
تُصرين على رأيك في كل أمر، ليس لدي عندك أي اعتبار، إنك تنسين أنني الرجل، وأنك
المرأة، والقوامة في الأسرة للرجل أولًا، إنني أحترم رأيك ورغباتك في أمور كثيرة،
لكنك تتمادين حين تطلبين مشورتي في كل صغيرة وكبيرة، أنت لا تقبلين بتاتًا أن أقطع
بأمر دونك». اتهاماته تلك كنت أرفضها وأسخر منها، كثيرًا ما كنت أردد على مسامعه
بأن مكانتي في الأسرة مثل مكانته سواء بسواء، فأنا موظفة مثله، وأنا متعلمة مثله
وأنا...إلخ. مقارنات عديدة كنت أعقدها بيني وبينه، وانتهى أخيرًا إلى أنه لا
يفضلني بشيء، وبالتالي ليس من حقه أن يقطع برأي دوني وهذا ما كان يرفضه تمامًا.
وهكذا بدأت مشاحناتنا تكبر وتزداد، في البداية كانت بعيدًا عن عيون الأطفال ثم
صارت أمامهم.
أقول الحق إنني بدأت أسأم كثرة المشاكل والمشاحنات، وبعد أن ينتهي
الخلاف كنت أقول لنفسي إنني في المرة القادمة سأدعه ليتصرف كما يريد، سأثبت له
أنني لست عنيدة كما يتهمني دومًا، ليس من الضروري أن يستشيرني في صغار الأمور. وفي
كل مرة كنت أعود لنفس طريقتي السابقة، كنت أشعر بإهانة كبيرة حين يتصرف في أمر دون
استشارتي، فأستشيط غضبًا وألقي باتهاماتي عليه ناعتة إياه بصفات عديدة لست صادقة
في أغلبها، لكن الغضب كان يعميني عن كل حق. والغريب أنني بعد كل خلاف كنت أرى
الأمر تافهًا، أتفه من أن يستحق كل ذلك الغضب مني، ومع هذا كنت أعود رغم ما كنت
أعد نفسي به من أنني لن أعود إلى الخصام والعناد...إلخ.
لقد تفاقمت مشاكلنا وازدادت ورحت ألجأ إلى سلاح أمي التقليدي، ألا وهو
اللجوء إلى بيت أهلي أخيرًا بعد سنوات من الزواج، وجاءت النهاية بأسرع مما أتصور،
سأم زوجي عنادي، وسيطرتي فطلقني، أجل.
بعد هكذا انتهت حياتي الزوجية معه، صراع طويل كنت أصر خلاله على أن
تكون القوامة لي لا له. أعترف أنني ما كنت أتصور أن الأمور ستصل بيننا إلى الطلاق،
لكن هذا ما حصل. لقد احتملني طويلًا حتى جاء اليوم الذي عجز فيه زوجي عن
الاحتمال. لقد ندمت بالتأكيد، ومع مرور الوقت لا يزال ندمي يزداد خصوصًا وأنا أرى
التساؤلات والاتهامات تكبر في عيون أولادي. لست أدري على من ألقي اللوم؟ على أمي
التي كانت قدوة سيئة لي؟ أم على أبي الضعيف أم على نفسي التي لم تتبصر مواطن الحق؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل