; وصايا ذهبية في التعامل مع الخلافات الزوجية | مجلة المجتمع

العنوان وصايا ذهبية في التعامل مع الخلافات الزوجية

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 19-يونيو-2010

مشاهدات 120

نشر في العدد 1907

نشر في الصفحة 52

السبت 19-يونيو-2010

ها تفتني إحدى الزوجات منذ يومين فقالت: أنا زوجة أكرمني ربي بزوج صالح وظلت تثني عليه، وتعدد مناقبه وصفاته الحميدة، ثم قالت: غير أنه حدث موقف شعرت فيه بأنه جرحني وأحبطني خاصة بعد أن فضفضت لبعض جاراتي، فبدلًا من أن تهدئني.. زادتني ألمًا ونكدًا وحزنًا، وشعرت بعدها بأنني يجب أن أرد لزوجي الصاع بصاع مثله !!

 لقد أقام الإسلام الحياة الزوجية على أسس من الحب وحسن المعاشرة، ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾ (النساء : 19)، ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم:21). 

بيد أن شياطين الجن والإنس لا يهدأ لهم بال إلا إذا أفسدوا بين الزوجين، فشياطين الجن تسعى بكل ما أوتيت من حيل للتفريق بين الزوجين، فأعلى الشياطين درجة عند إبليس -لعنه الله- وأقربهم إليه وأدناهم منه منزلة، ذلك الذي يفرق بين الزوج وزوجته قال ﷺ: « إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه »جنوده«، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة »إغواء وإفسادًا«، يجيء أحدهم، فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئًا، ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته فيدنيه منه، ويقول: نعم أنت، فيلتزمه »أي يحتضنه « (رواه مسلم(

 القرآن الكريم يؤكد خطورة الشياطين

 لقد أكد القرآن الكريم خطورة الشياطين في التفريق بين الأزواج، وذلك في قوله عز وجل: ﴿وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتۡلُواْ ٱلشَّيَٰطِينُ عَلَىٰ مُلۡكِ سُلَيۡمَٰنَۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيۡمَٰنُ وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلۡمَلَكَيۡنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنۡ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحۡنُ فِتۡنَةٞ فَلَا تَكۡفُرۡۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنۡهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَزَوۡجِهِۦۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنۡ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡۚ وَلَقَدۡ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشۡتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖۚ وَلَبِئۡسَ مَا شَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ﴾ (البقرة:102). 

وصايا ذهبية للتعامل مع الخلافات الزوجية

 أولًا : تهيئة المناخ السليم للحياة الزوجية: فليكن شعار الزوج والزوجة: «لا خلافات تفرقنا»، وهذا يقتضي مراعاة مشاعر كل منهما للآخر، وتجنب رفع الصوت أو الإيذاء أمام الأولاد، والأخذ بمبدأ «الوقاية خير من العلاج»، وهذا يقتضي أن يتعاون كل من الزوج والزوجة على تجنب كل ما يسبب الخلافات الزوجية والمشكلات، بالإضافة إلى وأد أية خلافات زوجية وهي لا تزال في مهدها، ذلك لأن علاجها في بدايتها أيسر بكثير مما إذا انتشرت واستفحلت، حتى يتم علاجها مبكرًا واجتثاث جذورها قبل أن يقوى عودها ويصعب نزعها .

أرى الخلافات الزوجية عندما لا تبادر بعلاجها كسرطان يسري في جسد الحياة الزوجية، فتغدو الحياة الزوجية هزيلة ضعيفة مريضة، وربما تؤدي إلى مرض الوفاة ثم يقضى عليها فتموت.

 إن الحياة الزوجية كشجرة طيبة خضراء، إذا لم نتعهدها بالغذاء والماء.. فإنه يتوقع لها أن تجف وتذبل، ثم تصير هشيما تذروه الرياح!!

ثانيًا: الحذر من شياطين الإنس والجن إذ لهؤلاء الشياطين خطورة شديدة على استمرار الحياة الزوجية وأمنها وسعادتها. 

ثالثًا: الاتفاق على منهج المواجهة المشكلات فمن ضمانات سير الحياة الزوجية في سلام وسعادة.. أن يتفق الزوجان على آلية محددة لعلاج المشكلات الزوجية، تحدد في هذه الآلية طرق العلاج وأسسه، ومن الذي سيتولى الإصلاح بين الزوجين.

 ويفضل أن يبدأ الزوجان بمحاولة حل مشكلاتهما، فلا يوسطان أحدا للحكم بينهما والصلح، إلا إذا عجزا عن الحل والعلاج، ففي هذه الحالة يلجأن إلى من يصلح بينهما، ويفضل أن يكون المصلحون من أهلهما، قال سبحانه: ﴿وَإِنۡ خِفۡتُمۡ شِقَاقَ بَيۡنِهِمَا فَٱبۡعَثُواْ حَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهِۦ وَحَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصۡلَٰحٗا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيۡنَهُمَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرٗا﴾ (النساء:35). 

ويفضل أن يتفق الزوجان في بداية الزواج على من يصلح بينهما إذا اختلفا، وبذلك يتخذان مرجعية بدلًا من التفكير بطريقة ردود الأفعال، أو بعد أن تقع الواقعة، وأعرف بيوتًا لم تؤثر عليها هذه الخلافات الزوجية بفعل هذه الحصانة المرجعية. رابعًا: تحكيم شرع الله عز وجل فيما ينشب بين الزوجين من خلافات، وتنفيذ ما يحكم به الشرع، ففي ذلك حسم للجدل وإيقاف لتمادي النفس البشرية في غفلتها وهواها، يقول ابن القيم يرحمه الله: «هلاك الأفراد والأمم في الغفلة واتباع الهوى« خامسًا: حفاظ كلا الزوجين على خصوصية العلاقة بينهما، وتجنب كل منهما إذاعة أسرار هذه العلاقة، وعدم السماح للآخرين باقتحام خصوصياتهما، والقيام بدورهما في حل الخلافات الزوجية واحتوائها، وعدم تحكيم الآخرين فيها -مهما كانت درجة قرابتهم أو صلتهم بالزوجين- إلا عند الضرورات، فإن كان لابد من تحكيم الآخرين.. فليكن هؤلاء المحكمون المصلحون من أقارب الزوجين على أن يتم انتقاؤهم بناء على توافر الحكمة والأمانة والخبرة لدى هؤلاء المختارين للصلح بين الزوجين.

سادسًا: التناصح والتواصي بالحق والصبر، واعتماد الحوار الهادئ بينهما والمبادرة بالاعتذار والاعتراف بالخطأ فور وقوعه، فالاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه من الفضائل، لأنه إقرار بالحق، كما أنه يهدئ صاحب الحق، وينتزع الغضب والألم من نفسه. 

سابعًا: الحذر من طول الخصومة والفجور فيها، فخير الزوجين -كما علمنا رسولنا الحليم الرؤوف الرحيمﷺ- هو من يبدأ بالسلام، ويتجنب هجران شريك حياته ويصفح عنه، وحسبه أن يتأمل قول الله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ(ال عمران:133)

 ثامنًا: الفصل بين الاختلاف في الرأي وبين الحب، فقد يختلف اثنان في الرأي، ويظل الحب باقيًا، فكما قيل: «الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية«.

 تاسعًا: الحذر من أن تؤدي الخلافات الزوجية إلى منع أحد الطرفين من تأدية حقوق الزوجية، فلا يمتنع الرجل عن الإنفاق على زوجته بسبب خلافه معها، ولا تعصي الزوجة زوجها بسبب خلافها معه.

 عاشرًا: تجنب الحرام، فلا يصح أن تؤدي الخلافات الزوجية إلى ارتكاب أحد الشريكين ذنبًا، أو الوقوع في شيء محرم، فلا يجوز للزوج أن يبحث عن صديقة له ولا يجوز للزوجة أن تبحث عن حبيب أو عشيق لها، فذلك من المحرمات المهلكات التي هي نزوة، سرعان ما تنتهي، لكنها تورث ندمًا وألمًا طوال العمر، ناهيك عن عقاب الله عز وجل في الدنيا والآخرة، ومن المحرمات أيضًا أن يسب أحد الزوجين الآخر، أو أن يقبحه أو يضربه، أو يشهر بسمعته، أو يختلق عليه الأكاذيب، ويتتبع العورات. حادي عشر: تجنب مناقشة الخلافات والمشكلات الزوجية أمام الأبناء وعلى مسامعهم، بيد أن الأولاد أحيانًا يكونون أنسب المصلحين إلا بشروط، أهمها فشل الزوجين في إصلاح حالهما، وكذلك نضج الأولاد وخبرتهم في هذا الأمر. 

ثاني عشر: إذا تأكد الزوجان أن حياتهما لها، ويستحسن أن يصاحبها ما أمكنه ذلك، وينبغي للزوجة ألا تكثر من خروجها، وأن تدرك أن وضعها الاجتماعي قد تغير، وأن عليها واجبات في بيتها الجديد يجب أن تؤديها، وألا تقصر فيها، ويجب أن تصبر وتضحي حتى تتكيف مع الفطام الاجتماعي الجديد الذي تعيش فيه. 

ب- اعتراض الزوجة على إنفاق الزوج على أهله، فعلى الزوجة أن تدرك أن والد الزوج ووالدته لهما فضل كبير على زوجها وأن من الوفاء والبر أن يحسن إليهما، وينفق عليهما، وأن إنفاقه هذا هو صلة لهما، وكذلك أخواته، وإخوته وخاصة غير القادرين منهم فصلة الرحم واجبة، حتى وإن قاطع الأهل الزوج، يقول ﷺ: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها» (رواه البخاري وأبوداود والترمذي).

 فهذا رجل يأتي إلى النبي ﷺ فيقول له: إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيؤون إلي، وأحلم عليهم ويجهلون علي، فقال : «إذا كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل»الرماد الحار«، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك» (رواه مسلم (

فقاطع الرحم ملعون ومفسد في الأرض، قال سبحانه: ﴿فَهَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن تَوَلَّيۡتُمۡ أَن تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَتُقَطِّعُوٓاْ أَرۡحَامَكُمۡ  أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمۡ وَأَعۡمَىٰٓ أَبۡصَٰرَهُمۡ (محمد:122)

جـ- العناد: فقد يمنع الزوج الزوجة حقها، وقد يحدث العكس، ويصر كل منهما على رأيه، ويعاند كل منهما الآخر، والعناد هو مثيل الكبر، وهو منع للحق مع العلم به وهو فعل من عمل الشيطان ليفسد به بين الزوجين.

 وقد وردت ألفاظ العناد أربع مرات في القرآن الكريم، وكلها اقترنت بالكفر وجهنم ونكران الحق، ففي سورة «هود»: ﴿وَعَصَوۡاْ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَمۡرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٖ﴾ (هود:59) وفي سورة إبراهيم﴿وَٱسۡتَفۡتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٖ﴾(ابراهيم:15)، وفي سورة «ق»: ﴿أَلۡقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٖ﴾ (ق:24)، وفي سورة المدثر: ﴿كَلَّآۖ إِنَّهُۥ كَانَ لِأٓيَٰتِنَا عَنِيدٗا﴾ (المدثر:16). 

د- سلاطة اللسان فينبغي تجنب ذلك من قبل الزوج والزوجة، لأن اللسان السليط البذيء يؤذي الآخر، ويجرح مشاعره فإذا ابتلي أحد الزوجين بذلك فليصبر، وليذكر شريكه بلطف وحكمة ورقة، بأن المسلم لا يكون طعانًا، ولا لعانًا، ولا بذيء اللسان. هـ- المبالغة في الصمت أو الثرثرة فالاعتدال في الكلام يضفي زينة على الشخصية، يقول سيدنا عمر رضي الله: « لا أزال أهاب الرجل حتى يتكلم، فإذا تكلم عرفته» وقد يُبتلى أحد الشريكين بصمت شريكه الطويل؛ فيمل، ويشعر بعدم تفاعله معه وقد يحدث العكس، فيُبتلى بكثرة ثرثرته حتى إنه لا يعطيه أي مجال للتحدث، وتلك مشكلة تحتاج إلى صبر ولباقة من المبتلى، حتى يفتح مجالات لتحدث الصامت، ويعود الثرثار أن يترك لشريكه مجالًا للحوار.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1035

125

الثلاثاء 26-يناير-1993

اعترافات زوجة:1035

نشر في العدد 584

86

الثلاثاء 24-أغسطس-1982

الأسرة: (584)