العنوان اعتكاف العشر الأواخر من رمضان
الكاتب د. مسعود صبري
تاريخ النشر السبت 13-أغسطس-2011
مشاهدات 70
نشر في العدد 1965
نشر في الصفحة 42
السبت 13-أغسطس-2011
- يشترط أن يكون الاعتكاف في مسجد تقام فيه الصلوات الخمس جماعة وصلاة الجمعة
- من السنة ألا يزور المعتكف مريضاً ولا يجيب دعوة ولا يقضي حوائج أهله ولا يشهد جنازة ولا يذهب إلى عمله
في ظل مغريات الحياة، وطغيان المادة فيها، ومع تلك الملهيات في رمضان وغير رمضان، ما أحوج المسلمين إلى إحياء سنة الاعتكاف في المساجد، وأن يبتعدوا -ولو أياماً معدودة- عن مشاغل الحياة، ليقبلوا بقلوبهم ونفوسهم على الله، في عزلة للطاعة والعبادة؛ ابتغاء الأجر من الله، وتلمساً لليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.
والاعتكاف هو لزوم المسجد؛ لعبادة الله تعالى من شخص مخصوص على صفة مخصوصة، وقد ذكر القرآن الكريم الاعتكاف في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (البقرة:۱۸۷)، وقد ورد عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعتكف العشر الأواخر حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده» (رواه البخاري ومسلم).
ومن المتفق عليه بين الفقهاء أن الاعتكاف سنة للرجال؛ استدلالا بالقرآن والسنة.
وفي تعريف الاعتكاف يقول الشيخ عبدالله بن جبرين يرحمه الله: الاعتكاف مشتق من العكوف، وهو لزوم الشيء والإقامة حوله وطول المكث عنده، كما حكى الله عن إبراهيم عليه السلام أنه قال لقومه: ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ (الأنبياء:٥٢)، وقال تعالى عنهم: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكفينَ﴾ (الشعراء:٧١) أي ملازمين لها مستديرين حولها، وقال تعالى: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لهُمْ﴾ (الأعراف:۱۳٨) أي يقيمون عندها ملازمين ،لها ، وأصله الاستدارة والتحلق لأن أولئك يستديرون حول معبوداتهم. وهو في الشرع لزوم مسجد لطاعة الله تعالى من مسلم عاقل غير جنب ولا حائض.
والأصل في شرعيته الكتاب والسنة والإجماع قال الله تعالى: ﴿أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (البقرة:١٢٥)، وقالت عائشة -رضي الله عنها-: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده». (متفق عليه).
شروط الاعتكاف
ويشترط للاعتكاف أن يكون في مسجد تقام فيه الصلوات الخمس جماعة، وفي المسجد الذي تقام فيه الجمعة أولى، وترى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية برئاسة الشيخ عبدالعزيز بن باز يرحمه الله، أن السنة ألا يزور المعتكف مريضا أثناء اعتكافه، ولا يجيب الدعوة، ولا يقضي حوائج أهله، ولا يشهد جنازة، ولا يذهب إلى عمله خارج المسجد؛ لما ثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «السنة على المعتكف ألا يعود مريضاً، ولا يشهد جنازة، ولا يمس ،امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه» (رواه أبو داود).
بداية العشر
ويبدأ وقت الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان قبل غروب الشمس ليلة الحادي والعشرين، وقيل يبدأ بعد صلاة الفجر يوم الحادي والعشرين، والراجح أن وقت الاعتكاف يبدأ قبيل غروب الشمس من اليوم العشرين، وليس بعد صلاة القيام أو في الثلث الأخير، كما يرى د. عبدالله الفقيه.
ويقول الشيخ عبدالرحمن عبد الخالق: بما أن رمضان في بعض الأحيان لا يكمل ثلاثين يوما، فإننا نحرص على اغتنام ليلة العشرين حتى نكون قد اعتكفنا عشر ليال من رمضان في حال لم يكمل الثلاثين.
وقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين -يرحمه الله- متى يبدأ الاعتكاف؟ فأجاب: جمهور أهل العلم على أن ابتداء الاعتكاف من ليلة إحدى وعشرين، لا من فجر إحدى وعشرين، وإن كان بعض العلماء ذهب إلى أن ابتداء الاعتكاف من فجر إحدى وعشرين مستدلًا بحديث عائشة -رضي الله عنها- عند البخاري: «فلما صلى الصبح دخل معتكفه»، لكن أجاب الجمهور عن ذلك بأن الرسول عليه الصلاة والسلام انفرد من الصباح عن الناس، وأما نية الاعتكاف فهي من أول الليل، لأن العشر الأواخر تبتدىء من غروب الشمس يوم عشرين.
ويجوز اعتكاف أول رمضان، أو منتصفه، كما يجوز اعتكاف ليلة أو أكثر، وإن كان الأولى اعتكاف العشر الأواخر، فمن كان موظفاً ولا يستطيع أن يعتكف العشر الأواخر، فيجوز له أن يقتصر على بعض الليالي دون بعض، كما يرى ذلك د. أحمد يوسف سليمان، رئيس قسم الشريعة بكلية دار العلوم سابقا.
ويرى الشيخ الألباني أن الاعتكاف سنة في رمضان وغيره من أيام السنة، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (البقرة:۱۸۷)، مع توارد الأحاديث الصحيحة في اعتكافه ، وتواتر الآثار عن السلف بذلك.
وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف عشراً من شوال (متفق عليه).
وأن عمر قال للنبي صلى الله عليه وسلم: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام؟ قال: «فأوف بنذرك»، فاعتكف ليلة (متفق عليه).
وأكده في رمضان لحديث أبي هريرة: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوما» (رواه البخاري).
وأفضله آخر رمضان، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل (متفق عليه).
اعتكاف النساء
ويستحب الاعتكاف للمرأة، وهو مذهب جمهور الفقهاء، واستدلوا - كما يرى د.خالد بن علي المشيقح بالقرآن و السنة، أما القرآن، فقوله تعالى: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ (مریم:۱۷)، وقوله تعالى: ﴿كَلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَا الْمَحْرَابَ﴾ (آل عمران:۳۷)، وقد كان اعتكاف مريم -رضي الله عنها- في المسجد، وشرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يأت ما ينقضه في الإسلام، ولم يرد نهي صريح عن النبي صلى الله عليه وسلم في اعتكاف النساء.
أما السنة، فمنه ما جاء في البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: «اعتكف معه امرأة من أزواجه مستحاضة، فكانت ترى الحمرة والصفرة فربما وضعت الطست تحتها وهي تـصـلـي»، تعني أم سلمة. وقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة وحفصة بالاعتكاف ،معه، وهو مروي في الصحيحين، وعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: «كَانَ يَعْتَكفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ عَزَّ وَجَل، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بعده» (متفق عليه).
وجمهور الفقهاء يشترطون أن تعتكف المرأة في المسجد، ولا يجيزون لها أن تعتكف في مسجد بيتها إلا الأحناف، فإنهم يرون جواز اعتكاف المرأة في مسجد بيتها، كما نقل ذلك الشيخ عطية صقر -رئيس لجنة الفتوى بالجامع الأزهر- يرحمه الله.
و يشترط في اعتكاف النساء -كما يرى د. حسام الدين عفانة أستاذ الفقه والأصول بجامعة القدس بفلسطين- أن تكون المرأة طاهراً من الحيض والنفاس عند جمهور الفقهاء، كما يشترط إذن الزوج أو الولي، كما يشترط لصحة اعتكاف المرأة أمن الفتنة؛ فلا يصح اعتكاف المرأة في مسجد لا يوجد فيه مكان خاص بالنساء.
الاعتكاف في سكن المسجد
هل يجوز الاعتكاف في سكن المسجد؟ يرى الشيخ عبدالرحمن عبدالخالق أنه إذا كان يقصد بسكن المسجد المكان المخصص لسكن الإمام أو المؤذن، فلا يجوز الاعتكاف به، إنما الاعتكاف يجب أن يكون في المسجد، حيث أن مقصد الاعتكاف هو الانقطاع عن الناس، والمكوث في المسجد لعبادة الله بهذه النية، فالرسول ﷺ كان يصلي الصلاة، ثم يدخل إلى معتكفه مباشرة، ولا يجلس مع الناس، وكان لا يدخل بيته إلا لقضاء حاجة الإنسان ثم يرجع.
ولهذا يوصي الشيخ عبدالخالق الأخوة المعتكفين بألا ينشغلوا عن عبادة الله تعالى، الأصدقاء والأكل والشراب، بالجلوس مع وتحويل عبادة الاعتكاف إلى ديوانية؛ لأنهم بهذا يكونوا قد فقدوا معنى الاعتكاف.
اعتكاف الموظفين
والاعتكاف في العشر الأواخر أفضل من غيره، وإن كان الاعتكاف في غيره جائزا؛ لأن النبي ﷺ اعتكف في شوال في بعض السنين، كما أفتت بذلك اللجنة الدائمة للإفتاء والبحوث برئاسة الشيخ ابن باز -يرحمه الله.
ولكن هل يمكن للموظف أن يخرج من معتكفه إلى العمل؟
- ذكر العلماء ما يبطل به الاعتكاف من الخروج لغير حاجة، والجماع، والحيض والنفاس، وقضاء العدة.. وجعل الخروج المباح في حالات الضرورة، كالخروج للطعام والشراب إن لم يجد من يأتي له بهما، وعند بعض الفقهاء لتشييع الجنازة وزيارة المرضى وإن كان ترك ذلك أولى.
ولكن لم يذكر أحد من الفقهاء أن من الضرورة أن يخرج المرء لعمله، فالاعتكاف مطلوب فيه أن يتفرغ المسلم لعبادة الله تعالى، ولكن إن لم يستطع الإنسان التفرغ للاعتكاف، فلينو عند دخوله المسجد نية الاعتكاف، فعند الشافعية يجوز أن تكون مدة الاعتكاف لحظة.
ويقول الشيخ عبد الرحمن عبدالخالق: الخروج من الاعتكاف إلى العمل يفسد الاعتكاف، لأنه يكون قد خرج منه، لأن المعتكف إنما نوى الاعتكاف، أما هذا فيسمى مكت. معين، كمن دخل في صلاة فقد أحرم بصلاة، وكذلك الذي نوى اعتكافا قد دخل بمعتكفه ومـن قـواعـده عدم الخروج من المسجد إلا لقضاء حاجة الإنسان، أما إذا خرج لعمله الدنيوي يكون قد أبطل اعتكافه.
مباحات الاعتكاف
ومن مباحات الاعتكاف -أيضًا- استعمال الهاتف إن كان لضرورة ، كأن يكون لخدمة مسلم ونحوه، كما يرى الشيخ عطية صقر يرحمه الله، لكن من الأولى ترك كثرة استعمال الهاتف حتى لا يشغل عن العبادة .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل