العنوان اعتناق بعضهم للمسيحية.. ثورة على العرب أم على الإسلام؟
الكاتب هندة العرفاوي
تاريخ النشر السبت 11-ديسمبر-2004
مشاهدات 56
نشر في العدد 1630
نشر في الصفحة 34
السبت 11-ديسمبر-2004
الحملات الصليبية على «بربر» المغرب العربي
بثت القناة الفضائية الفرنسية TV5 يوم الخميس ۱۸ نوفمبر ٢٠٠٤ م فيلمًا وثائقيًا على درجة شديدة من الأهمية تتحدث فيه عن الزحف المسيحي في الجزائر أو بمعنى أدق الموجة الكبرى لاعتناق المسيحية من طرف سكان منطقة القبائل «بالآلاف».
وقد أبرز هذا الفيلم عينات ممثلة للمجتمع البربري على طريقتين في التعاطي: الأولى: محاولة إظهار أناس اعتنقوا المسيحية منذ زمن وبالتالي فهم لا يتورعون عن الظهور أمام الكاميرا وفئة ثانية تتحاشي إبراز وجهها؛ خوفًا ممن أسموهم بالمتطرفين.
من بين ما ظهر في الفيلم أيضًا زعمت إحدى النساء أن اعتناقها المسيحية كان بسبب الموقف المتطور الذي يورده الكتاب المقدس بأن الله خلق امرأة واحدة لآدم وأن الأمر سيبقى كذلك على امتداد الإنسانية، منتقدة بشدة تعدد الزوجات في الإسلام!
المخرج حاول إبراز حرص من تنصروا على إقامة الطقوس والتضحية التي يقدمها بعض الشباب بالسير كيلومترات عديدة من أجل القيام بالقداس في المناطق النائية، وكذلك طباعة الكتاب المقدس والصلاة في مرآب السيارات وفي أقبية العمارات السكنية وطباعة الإنجيل بالأمازيغية والعربية وتوزيعها مجانًا وحتى خروجهم إلى العلن.
إحدى المتحدثات في البرنامج زعمت أنها نجحت في إدخال والدتها التي تبلغ الخامسة والثمانين من العمر إلى المسيحية، وهذا أصعب ما يمكن أن يحصل فكيف الأمر مع الشباب -خصوصًا- الذين عادوا من الخارج يحملون شهادات لاهوتية من الجامعات الأمريكية؟ المهم أن الشيء الوحيد الذي سكتوا عنه هو مصادر التمويل. فقد أثبت الصحفي المحقق أنه عجز عن جعلهم يتحدثون عن ذلك.
في الغرب مازال كثير من الساسة يعتقدون أن من بين الأخطاء التاريخية الكبرى لأوروبا... السماح للعرب بأسلمة وتعريب شمال إفريقيا الذي ما زال البعض منهم إلى الآن يرى فيه امتدادًا لأوروبا.
تنصير الشمال الإفريقي: ويذكر الكثير من المؤرخين أن الهدف من احتلال شمال إفريقيا كان -حسب زعمهم- إعادة المسيحية إليه وتفريغه من الدين الإسلامي، والجميع يعلم أن فرنسا فشلت في ذلك الوقت فشلًا ذريعًا وأن آلتها العسكرية لم تستطع أن تتغلب على إرادة شعوب المنطقة المتمسكة بديانتها، ومن بين الذين قاوموا الاستعمار بصلابة كان الأمازيغيون الذين استعصى على الاستعمار استمالتهم أو إشعال فتنة بينهم وبين العرب، ومع علمنا بما للبربر من إحساس بالشرف وبإدانتهم للاستعمار والظلم فما الذي يجعل الآن نسبة منهم -طبقًا للفيلم الذي تم بثه في زمن الاستقلال- تتبنى ما عجزت فرنسا عن الوصول إليه على مدى أكثر من قرن زمن الاحتلال؟!
الذي تغير شيئان
الأول: الصورة النمطية التي صار يُنظر بها إلى الإسلام خاصة مع ضمور الوعي الديني الحقيقي وتغييبه في إطار سياسات تجفيف المنابع والقضاء على الإسلام الاحتجاجي.
الثاني: الصورة التي عمل البعض سواء عن حسن نية أو سوء نية في إبرازها عن ظهور موجة من العنف باسم الإسلام زورًا... وما رافق ذلك من صور التفجيرات والقتل العشوائي في كثير من الأحيان، مما شوه صورة الإسلام المتسامح، وكان ذلك ما يحبب الإسلام إلى البربر خصوصًا زمن الاستعمار التي امتهنت فيها قيمة الإنسان فانقلب الأمر الآن وصارت المسيحية الرسمية عبر الكنائس أو غير الرسمية الممثلة بحركات حقوق الإنسان.. هي المبشرة بهذا النوع الجديد من الإنسان وصارت أي تجاوزات تقرأ على أنها ضرب لقيم الغرب الحضارية. ومن هنا نرى كيف أن الولايات المتحدة سارعت إثر انكشاف فظائع أبو غريب أو إعدام الجرحى في الفلوجة إلى محاكمة بعض الجنود ولملمة المسألة وتسويقها على أنها تجاوزات فردية؛ لتثبت لبقية دول الغرب بأنها تنضوي داخل الخط الغربي الحضاري الإنساني الذي يريد أن يبرهن على تفوقه على المسلمين حتى على مستوى الأخلاق والقيم. فالأمر بالنسبة لبعض الغرب أفضلية حضارية.. وهم -رغم فضائح العراق- يجدون مصداقية.
أحد المراسلين الصحفيين لمجلة ليبيراسيون الفرنسية حين تحدث عن الفلوجة في تغطيته للهجمة الأمريكية الأخيرة عليها حاول أن يقنع مواطنيه بأن «سكان الفلوجة رحبوا بقدوم الأمريكان لتخليصهم من همجية الإرهابيين الذين كانوا يقتلون الناس أحيانًا لمجرد الشك في أنهم متعاونون مع الحكومة». وأبرز أحد الشهود وهو يقول: «بأنهم كانوا يستيقظون كل صباح على مشاهد الرؤوس المقطوعة والجثث الممزقة والمتناثرة في الشوارع وأنهم -أي المسلحين- أجبروا السكان على اتباع نمط معين من الحياة فمنعوا الموسيقى وبيع الخمر...» هذه الصور هي الصور النمطية التي تسود الآن في الشارع الغربي.. فحتى المتعاطف مع القضايا العربية والناقد للإمبريالية الغربية والمعارض للعولمة يقف على مفترق الطريق أمام مثل هذه الصور ويجد نفسه في ضبابية لا يستطيع معها التفريق بين الحق والباطل.
أزمة قيمية
إذن ما كان يميز المسلمين عن الغرب كانت «القيمة» التي تمنح للإنسان عندما كان المسلمون الفاتحون يضربون نماذج عميقة في الإنسانية حتى مع غير المعتنقين لدينهم.. وكانوا أحيانًا يفتحون بلدًا من أجل رفع الظلم عن أهله، والآن اهتزت هذه الصورة وتكرست صورة جديدة بدأت تأخذ مكانها في الوعي الجماعي العالمي وحتى غير الغربي.
كل هذه المسائل مجتمعة هي التي صار يحملها الغرب عن الإسلام.. وأنا في هذا الإطار أحكي حتى عن الشعوب غير العربية التي صار يروعها. إضافة إلى صورة التخلف الحضاري العربي واستفحال الديكتاتوريات فيها والفكر الأحادي والظلم الاجتماعي. صورة أخرى أشنع وهي الأزمة الإنسانية «فقد أثبت الواقع أن السلطة والمعارضة من خلال العراق تحمل نفس الأهداف والأساليب الدموية، مما جعل المتعاطفين في الغرب مع العراق ضد الاحتلال في حيرة من أمرهم».
إضافة إلى البربر.. هناك الأفارقة الذين بحكم أنهم لا يفهمون العربية ويستمدون من الغرب أخبارهم صاروا يعيشون أزمة اغتراب.
إذن فحين نتحدث عن اعتناق عدد من البربر للمسيحية -طبقًا للفيلم الفرنسي- فلا يعني ذلك أن نمارس ضدهم -نحن المسلمين- الحكم على المرتد وهو ما أبرزه الصحفي المنتج للبرنامج ولكن الهدف الأساسي إبراز المشكل الحضاري... والمسألة لا تحل بالدعاة لأنها صارت مسألة انعدام ثقة وما يعزز هذا الشعور الإحساس بالغبن الاجتماعي، البطالة، الخوف من.. ولكن ما يعززه أيضًا الصمت المريب للحكومات التي يوجد البربر على أراضيها، إذ ترى أن في إقبال البربر على المسيحية فرصة للتفريق بين أبناء الشعب، وقديمًا قالوا: فرق تسد.
والحكومة من أجل مصلحتها ترحب بالفرقة بين سكان القبائل أنفسهم لأن ذلك يمكنها من إحكام سيطرتها عليهم، لأن بين البربر أيضًا أناسًا شديدي التعلق بالإسلام.. ومنهم من يعتقد أن الموت هو الحل في معاقبة المرتد.