; اغتيال الحريات أم اغتيال الشعوب؟ | مجلة المجتمع

العنوان اغتيال الحريات أم اغتيال الشعوب؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 14-مايو-2005

مشاهدات 85

نشر في العدد 1651

نشر في الصفحة 47

السبت 14-مايو-2005

نقيض الحرية الاستعباد، وأي مجتمع لا حرية فيه مجتمع من العبيد المناكيد الذين يساقون بالدكتاتوريات المرذولة، والعبد يقرع بالعصا، ولا يطلب منه أن يكون عبقريًا، أو مفكرًا، أو مبتكرًا، أو ذا حياة حضارية وعصرية، ولهذا فطالب التقدم أو التنمية من الشعوب المستعبدة والمستباحة كطالب الماء من السراب، أو الحلو من الحنظل، ومجتمع العبيد لا يسأل سادته عما يفعلون أو يتصرفون، ولا يحق للعبيد ذلك، وهم دائما مناكيد يقرعون على رؤوسهم ولهذا ظهرت مقولة:

لا تشتر العبد إلا والعصا معه

                                        إن العبيد لأنجاس مناكيد

والعصا في زمننا هذا هي الدكتاتوريات اللعينة التي زرعت أو غرسها الاستعمار في تربتنا من زمن ليقودوا المناكيد العبيد، وفي الحقيقة والواقع الكل مناكيد عبيد، أما في الواقع الكل عبيد الاستعمار، وأما في الحقيقة فهم بيد الجبلة والطبيعة المهترئة النجسة، ولهذا سمى الله سبحانه فرعون بقوله ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص:4)، وسمى قومه بقوله: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ (القصص: 32)، فأهلكهم جميعًا بقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِّلْآخِرِينَ﴾ (الزخرف 55 – 56).

والذين يحبون أن يستفيدوا من  دروس التاريخ وعبره لا بد أن يكونوا على مستوى الأحداث، ولا بد أن تكون لهم جبلة وطبيعة فاقهة واعية، ونفس طيبة زاكية، وأن يتحرروا من عبودية أنفسهم إن كانوا سادة، ومن عبودية سادتهم إن كانوا رعية.

فأما السادة – وللأسف – في بعض بلداننا يعبدون أنفسهم ويأخذ الفساد في بعضهم شكل «الفساد البنيوي»، حيث يعتبر الاستغلال الشخصي للمنصب - والتصرف في المال العام كما يحلو له – شيئًا من الاستمتاع النفسي.

 وقد حاول تقرير التنمية الإنسانية العربية أن يبحث عن حل لمعضلة الفساد وثقافة الاستعباد وانتهاك الحريات، فوجد أن أي إجراءات تشمل إصلاح الأوضاع الاقتصادية، وتفعيل القانون، وآليات المحاسبة، وضمان الشفافية في الحكم لن تكون مجدية إلا بإصلاح جذري للبنية السياسية والتخلي عن استعباد المجتمعات، وإلا فسيكون كل من يحاول الإصلاح كمن يحرث في البحر، وقد وضع التقرير خمسة مرتكزات يقوم عليها الحكم الصالح منها:

1      – صون الحرية بما يضمن توسيع خيارات الناس واستثمار آرائهم.

2      - الارتكاز على المشاركة الشعبية الفعالة مع تمثيل شامل لعموم الناس.

3   - الاعتماد على المؤسسات بامتياز، نقيضًا للتسلط الفردي بحيث تعمل مؤسسات الحكم بكفاءة وشفافية كاملة، وتخضع للمساءلة الفعالة فيما بينها في ظل فصل السلطات والتوازن بينها ومن قبل الناس مباشرة، من خلال الاختيار الدوري الحر النزيه.

4 - سيادة القانون المنصف والحامي للحريات على الجميع على حد سواء.

5 - أن يسهر قضاء كفء، ونزيه ومستقل تمامًا على تطبيق القانون وتنفيذ أحكامه بكفاءة من جانب السلطة التنفيذية.

ولكن يبرز هنا التساؤل الحقيقي: إذا ما قبلنا بهذه المرتكزات الخمس دليلًا للإصلاح السياسي الشامل: فما آليات تحقيق هذا الإصلاح المنشود في ظل إرادة سياسية مفقودة، وإرادة شعبية هشة، ومجتمع مدني ضعيف، وأنظمة بوليسية خانقة للحريات وقابضة على الأرواح؟

نقول: ورغم ذلك كله لا يحل طلاسم هذه المعادلة إلا الشعب.. إلا الأمة التي صبرت طويلًا واستعبدت طويلًا حتى ذُلت وامتُهنت وأصبحت أرضًا خصبة للأمراض الاجتماعية، بلادة، ونفاقًا، ولا مبالاة، وخمولًا، وعجزًا وكسلًا، وأصبحت مطمعًا للدخيل والغازي من شذاذ الآفاق هنا وهناك.

والقوى المتربصة اليوم بنا، لن ترحم أحدًا.. وأول من ستأكل هم السلطات التي تلغ في دماء شعوبها، وهي اليوم تحرض الشعوب على حكامها بعد أن ملتهم وفرغت منهم، وتعترف الولايات المتحدة بأن الجماهير ونخبها السياسية في عدد غير قليل من البلدان العربية ليست راضية عن أنظمتها السياسية، بل تقول إن البعض على عداء سافر أو مستتر مع نظامه، ولا يبدو أن هناك نظامًا عربيًا مقبولًا من قبل الإدارة الأمريكية في مسألة الإصلاح السياسي، ويبدو أن مسألة الإصلاح الدستوري والإصلاح الشامل متفجرات في بعض البلاد العربية، ولكن الأنظمة لا تكاد تنظر موضع قدميها.

وبعد: فقد تحركت الشعوب والقوى الفاعلة في الأمة وهي الآن تبذل التضحيات الغالية وتفهم الوضع على حقيقته، والأغبياء لا يعقلون، وتنظر إلى الخطر الداهم، والعمي لا يبصرون، حيث يصرح الأستاذ مهدي عاكف، مرشد الإخوان المسلمين، قائلًا: «رسالة القبض على عصام العريان وألفين من الإخوان وقتل أحد كوادر الجماعة رسالة فاشلة من النظام المصري، ونحن لا نقبل مثل هذه الرسائل لأنها لا تخيفنا ولا نخشى العودة إلى السجن»، وأضاف: «لو كنا انتهازيين لما استقوى النظام علينا، ونحن لو أردنا الاستقواء بالخارج لما بقي هذا النظام على وجه مصر».

إن الشعوب الميتة بالقهر والظلم لا بد أن تحيا بالجهاد والكفاح، وصدق شوقي حين قال:

وللحرية الحمراء باب

                          بكل يد مضرجة يدق

وحين قال أيضًا:

وما نيل المطالب بالتمني

                        ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (الروم: 4)، ﴿وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الصف: 13).

الرابط المختصر :