; اغتيال رابين أعاد فتح ملف الجماعات الصهيونية المتطرفة داخل «إسرائيل» وأهدافها | مجلة المجتمع

العنوان اغتيال رابين أعاد فتح ملف الجماعات الصهيونية المتطرفة داخل «إسرائيل» وأهدافها

الكاتب محمد إبراهيم

تاريخ النشر الثلاثاء 14-نوفمبر-1995

مشاهدات 70

نشر في العدد 1175

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 14-نوفمبر-1995

أعادت عملية اغتيال رئيس الوزراء ووزير الدفاع الإسرائيلي إسحاق رابين (۷۳ عاما) مساء السبت ٤ من نوفمبر ۱۹۹٥م على يد متطرف يهودي يدرس في جامعة بار إيلان أحد معاقل المتدينين اليهود، ويدعى إيغال عمير (٢٥ عامًا)، فتح ملف الجماعات الإسرائيلية اليمينية المتطرفة التي تعارض العملية السلمية، وتمارس الضغط على القرار السياسي الإسرائيلي من خلال الأحزاب الصغيرة -حجر القبان -التي تشارك في الحكومات الإسرائيلية بدعم أحد الحزبين الرئيسيين، فضلا عن ممارستها لمختلف صنوف الإرهاب ضد أبناء الشعب الفلسطيني.

وفي أول حادث اغتيال سياسي يذهب ضحيته رئيس لحكومة إسرائيل منذ قيام الدولة العبرية في عام ١٩٤٨، أطلق إيغال عمير ثلاث رصاصات من مسدسه من مسافة قريبة وصفتها الشرطة الإسرائيلية بمسافة الصفر على إسحاق رابين أثناء مغادرته لحشد جماهيري كبير أقيم في تل أبيب تأييدًا للعملية السلمية فأرداه قتيلًا.

لقد كان وقع عملية اغتيال إسحاق رابين على يد أحد المتطرفين اليمينيين كبيرًا، مما دفع بمعظم قادة حركات اليمين الإسرائيلية إلى التواري عن الأنظار والالتجاء إلى مخابئ سرية كما دفع تكتل الليكود اليميني المعارض بنيامين نتنياهو إلى تأييد الحكومة التي سيشكلها حزب العمل، وذلك بغية امتصاص آثار عملية الاغتيال وانعكاساتها على مستقبل اليمين الإسرائيلي وقد جاء في تقارير صحفية إسرائيلية أن معظم قادة وناشطي حركات اليمين المتطرف تواروا في مخابئ سريَّة منذ وقوع عملية الاغتيال وأوضحت هذه التقارير أن قادة حركة إيال التي ينتمي إليها منفذ عملية الاغتيال وهما «أبیشي أبيب» و«نتان ليفي»، كانا أول من لجأ إلى مخابئ سرية بعد إعلان اعتزام استدعائهما للتحقيق في حادث الاغتيال وأضافت المصادر الصحفية أن معظم قادة وناشطي حركة «كاخ» العنصرية وحركة «كهانا حي» لجؤوا إلى مخابئ سرية أيضًا خشية تعرضهم لاعتقال أو إجراءات تقيد حركتهم، وقال وزير الداخلية الإسرائيلي إيهود باراك. (5/11/١٩٩٥م) في تصريحات وصفت أنها الأشد منذ اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي أنه يتعين الآن على الحكم في إسرائيل العمل على «دك وتدمير الجماعات اليمينية المتطرفة» على حد تعبيره، وأوضح باراك أن دك هذه الجماعات المتطرفة «ممكن من خلال استخدام كافة السبل والوسائل القانونية المتاحة، مشيرًا إلى أنه يجب القضاء على مظاهر التحريض في مهدها».

ولكن هذا التراجع الآني في التعامل والنظرة لهذه الجماعات لا يقلل من قوة الجماعات اليمينية المتطرفة وانتشارها وتأثيرها على القرار السياسي، وقد ظهر هذا واضحًا من خلال وسائل الإعلام الإسرائيلية وتعاملها مع عملية الاغتيال، فقد أظهرت جميع تلك الوسائل من خلال تغطيتها لحادث اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين حرصها على عدم إغضاب اليمين الإسرائيلي، فامتنعت عن وصف القاتل بالإرهابي تحاشيا لاستفزاز اليمين الإسرائيلي المتطرف الذي يتمتع بنفوذ واسع داخل الدولة الإسرائيلية، وقد علق على هذه القضية الكاتب والصحفي البريطاني روبرت فيسك في صحيفة الإندبدنت (6/11/١٩٩٥) بقوله لو كان الذي قتل رئيس الوزراء الإسرائيلي عربيًّا لأصبح العالم العربي كله إرهابيا، ولكن وخلال ساعات من الاغتيال كان إيغال عمير، وهو جندي احتياط فيما يعرف «بكتيبة غولاني» أو «النخبة الممتازة»، يوصف بأنه مسلح يميل إلى الوحدة، متشدد، ومطلق الرصاص – إذا كان لذلك معنى – وعضو محتمل في المنظمات السرية اليهودية.

ويضيف فيسك وللمرة الأخرى ينجو قاتل إسرائيلي كنقيض لقاتل عربي من تهمة الإرهاب، ولم تكن المسألة مسألة ازدواجية في تغطية النزاع في الشرق الأوسط، فلم يجرؤ أي صحفي بعد كل ذلك أن يسمي باروخ جولدشتاين إرهابيا بعد أن قتل ۲۹ مصليًا فلسطينيًّا في مسجد الخليل..

أبرز المنظمات الصهيونية

إن مصرع إسحاق رابين بهذه السهولة طرح تساؤلات عديدة حول الخطأ الفادح لأجهزة الأمن الإسرائيلية في إغماض أعينها عن نشاطات الجماعات الإسرائيلية المتطرفة، لذلك ومنذ حادث الاغتيال بدأت الصحف الإسرائيلية تسلط الضوء على أبرز المنظمات اليهودية الإرهابية التي نمت خلال السنوات الأخيرة في معسكر اليمين الإسرائيلي والتي منها.

• منظمة «إيال» اختصارا لـ «منظمة يهودية محاربة» وهي المنظمة التي ينتمي إليها إيغال عمير قاتل رئيس الوزراء إسحاق رابين ويتزعم المنظمة «أبيشي أبيب» أحد ناشطي حركة كاخ الإرهابية سابقا، وطبقا لمعلومات مختلفة فإن جامعة بار إیلان، قرب تل ابيب والتي كان (عمير) طالبًا فيها تعتبر معقلًا لأعضاء هذه الحركة.

• حركة كاخ أكبر الحركات اليمينية المتطرفة في إسرائيل، وقد تفرعت عنها العديد من الحركات المتطرفة الصغيرة، إلا أن عدد أعضائها وأنصارها في إسرائيل يقدر بالمئات، ويتزعم هذه الحركة بعد مقتل مؤسسها وزعيمها مائير كهانا باروخ مرنرل، من سكان الحي الاستيطاني في مدينة الخليل.. وينتمي إلى هذه الحركة أيضا المتطرف باروخ جولد شتاين الذي ارتكب مذبحة الحرم الإبراهيمي في الخليل والتي راح ضحيتها حوالي ٣٠ فلسطينيًّا كانوا يصلون الفجر في المسجد وذلك بتاريخ ٢٥ من فبراير (شباط) عام ١٩٩٤م.

وقد أسس هذه الحركة العنصرية المعادية للعرب الحاخام مائير كهانا الذي اغتيل في نيويورك عام ۱۹۹۰م، والذى كان يعتقد أن العالم سوف يشهد كارثة جديدة تنزل بالشعب اليهودي، وأن المؤسسات القائمة متعفنة وخائنة وأنه هو المنقذ الوحيد لهذا الشعب، ويعتقد كهانا أن لوجود دولة إسرائيل مغزى دينيًّا وأهمية خاصة باعتبارها مقدمة لظهور المسيح، وهو يتبنى الدعوة إلى طرد العرب من فلسطين ويقول: دعونا نطرد العرب من أرض إسرائيل لكي نجلب الخلاص لنا، ويدعو كهانا إلى إنشاء دولة يهودية تقوم على التوراة ويحكمها الحاخامات ولعل من أهم طروحات حركة كاخ:

- ضرورة طرد العرب من أرض إسرائيل التي هي عنده من النيل إلى الفرات كي تصبح إسرائيل دولة يهودية حقًا.

- عدم التفكير في إرجاع شبر من الأراضي التي حررت عام ١٩٦٧م إلى العرب.

- ضرورة إبعاد الغرباء، عن ساحة الحرم القدسي تطبيقا لقول التوراة فليقتل كل غريب يقترب من جبل البيت.

ولا يؤمن أفراد هذه المجموعة بالمجلس الاستيطاني، ويشككون به كما لا يؤمنون بأجهزة الإعلام ولا يؤمنون بوسائل الاحتجاج والمعارضة من أي نوع كان، هذا وتحظى هذه الجماعة بتأييد كبير من جانب المستوطنين اليهود المتطرفين والمسلحين تسليحًا جيدًا في الضفة الغربية، وأغلبهم تلقى تدريباته العسكرية في الولايات المتحدة الأمريكية.

وقد ترجمت حركة كاخ أفكارها عبر سلسلة من الأعمال الإرهابية، والتي وصلت أوجها في مطلع الثمانينيات في محاولة الاستيلاء على الحرم القدسي الشريف ومحاولة تنفيذ خطة لتفجير قبة الصخرة، وتفجير قنابل يدوية في القدس، والاعتداء على المواطنين الفلسطينيين في أماكن مختلفة.

• «حركة كهانا حي» وهي حركة صغيرة نسبيًّا ولكنها أكبر بكثير من منظمة (إيال) التي ينتمي إليها قاتل إسحاق رابين وقد انشقت عن حركة كاخ ويتزعمها الآن بنيامين كهانا (نجل الحاخام مائير كهانا).. ولهذه الحركة جيش أقيم من أجل وقف انسحاب الجيش الإسرائيلي من المناطق المحتلة.

• «المجلس للأمن على الطرق»، وتعتبر الذراع الضارب الحركة كاخ وتنشط بصورة أساسية في المناطق الغربية وخاصة منطقة الخليل، وينسب لأفرادها ارتكاب سلسلة طويلة من الاعتداءات على الفلسطينيين وممتلكاتهم بالإضافة إلى أعمال تخريب تستهدف مكاتب وفروع حركات اليسار الإسرائيلي.

• «منظمة دوب» اختصارًا لاسم المنظمة «دك خونة» وهي غطاء لنشاطات يقوم بها ناشطون من حركة «كاخ».

• «خراب دافئ» ويعتقد أن هذه التسمية غطاء لنشاطات يقوم بها متطرفون من حركات اليمين، وقد تبنت هذه المنظمة مسئولية قتل عدد من الفلسطينيين في اعتداءات وقعت خلال السنوات الأخيرة.

• «السيكريكيون» وهي غطاء يتستر به ناشطون من حركات اليمين عادة في ارتكاب اعتداءات موجهة ضد ممتلكات يساريين إسرائيليين.

• جماعة سيف داود وهي جماعة تعمل في السر، وقد أصدرت مع منظمة (إيال) تهديدات لا تحمل توقيعًا بوسائل الإعلام الإسرائيلية طوال السنوات الماضية، وقال راديو الجيش الإسرائيلي في يناير (كانون الثاني) الماضي أن جماعة سيف داود، أصدرت منشورًا قالت فيه إن رابين يستحق الموت واتهمته بالخيانة لأنه سمح بإراقة الدم اليهودي.

وتتفق الجماعات المتطرفة مع حركة المستوطنين الرئيسية التي تمثل نحو ١٣٠ ألف مستوطن يعيشون في الضفة وقطاع غزة في اعتقادها بأن الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حرب ١٩٦٧ هي الأرض يهودية كما جاء في التوارة لا يجوز الانسحاب من أي شبر منها.

وقد اعتاد ناشطو هذه الجماعات وجماعات وحركات يمينية متطرفة أقيمت في السنوات الأخيرة كحركة «هذه أرضنا» و«الهيئة لإحباط الحكم الذاتي»، و«نساء بالأخضر» على تنظيم مظاهرات صاخبة وعنيفة خلال العامين الماضيين نعتوا فيها مرارا رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين بـ «القاتل» و«الخائن» وغير ذلك.

ومن المعاقل الأساسية التي ينشط ويتواجد فيها أعضاء هذه الجماعات والحركات الإرهابية المتطرفة مستوطنة «كريات أربع» والحي الاستيطاني وسط مدينة الخليل، ومستوطنات «تفوح»، و«قبر يوسف» قرب نابلس وعدد من المستوطنات الصغيرة الأخرى شمال الضفة الغربية.

وإذا كانت أهداف هذه المنظمات وأعمالها موجهة في السابق ضد أبناء الشعب الفلسطيني حيث كانت تلقى الحماية والرعاية من قِبل الجيش الإسرائيلي، وهو الأمر الذي دفع جهات إسرائيلية يسارية عديدة إلى اتهام أجهزة الأمن والقضاء الإسرائيلي باتباع نهج من التساهل والتسامح تجاه المتطرفين اليهود، أسهم في تشجيعه على تجاوز «محرمات» الديمقراطية الإسرائيلية على حد تعبيرهم.

إن إقدام أحد عناصر هذه المنظمات وهو إيغال عمير على قتل إسحاق رابين فتح أعين الإسرائيليين ولأول مرة على خطر هذه الجماعات، حيث يعتقد الخبراء أن مصرع رابين سيؤدي إلى زلزال في المؤسسة الأمنية والمخابراتية الإسرائيلية، بل إن بعض المحللين يذهب إلى أبعد من ذلك فيؤكد أن عملية الاغتيال يمكن أن تكون البداية لصراع داخلي ينتهي بحرب أهلية تدمر بنية المجتمع الإسرائيلي الحادث كشف عن جذور عميقة للإرهاب في هذا المجتمع تستغله الأحزاب وتجذره لمصالح انتخابية، هذا الإرهاب كان ضحاياه ولفترة طويلة فقط من أبناء الشعب الفلسطيني.

وهنا نجد من المناسب التذكير بأبرز المذابح التي ارتكبتها بعض المنظمات الصهيونية المتطرفة وجنود الجيش الإسرائيلي ضد السكان المدنيين من أبناء الشعب الفلسطيني خلال العقود الخمسة الماضية:

• ١٩٤٧م مجزرة ضد سكان بلدة الشيخ، قرب حيفا، نفذت منظمات صهيونية متطرفة وأدت إلى استشهاد ٤٠ فلسطينيًّا.

• 9/4/١٩٤٨م مجزرة دير ياسين قرب القدس، نفذتها منظمات أشتيرن، وأرغون، الإسرائيليتين وأدت إلى استشهاد ٢٥٣ فلسطينيًّا غالبيتهم من النساء والأطفال.

• ١٩٥٣م مجزرة بلدة «قبية» وأدت إلى سقوط عشرات الفلسطينيين.

•29/10/١٩٦٧م مجزرة كفر قاسم في منطقة المثلث الفلسطينية عام ٤٨ نفذها جنود إسرائيليون واستشهد فيها ۲۹ شخصًا.

• 30/3/١٩٧٦م مجزرة في منطقة الجليل أدت إلى استشهاد 6 فلسطينيين وعرف ذلك اليوم بـ «يوم الأرض».

• ١٩٨٥م مجزرة جامعة الخليل، والتي نفذها مستوطنون يهود، وأدت إلى سقوط طلبة فلسطينيين.

• 6/12/١٩٨٧م مجزرة حي الشجاعية بغزة سقط خلالها ٤ عمال فلسطينيين بعد أن دهستهم سيارة إسرائيلية وأدت إلى تفجير شرارة الانتفاضة الفلسطينية.

• 20/5/۱۹۸۹ مجزرة «عيون قارة» قرب تل أبيب والتي أدت إلى سقوط فلسطينيين على يد مستوطن

• 13/4/١٩٩٠م مجزرة المسجد الأقصى، والتي نفذها جنود إسرائيليون وسقط خلالها ۲۲ فلسطينيًا.

• 25/2/١٩٩٤م مجزرة الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل، نفذها مجموعة مستوطنين على رأسهم المستوطن باروخ جولدشتاين من مستوطنة «كريات أربع» وأدت إلى مقتل وجرح مئات الفلسطينيين، وقد أعلنت منظمة باسم «أتباع إله إسرائيل» مسئوليتها عن المجزرة.

(*) خدمة خاصة للمجتمع من قدس برس

الرابط المختصر :