; اقتراحات وملاحظات حول زيادة الأسعار في تونس | مجلة المجتمع

العنوان اقتراحات وملاحظات حول زيادة الأسعار في تونس

الكاتب عبدالفتاح مورو

تاريخ النشر الثلاثاء 05-سبتمبر-1989

مشاهدات 55

نشر في العدد 931

نشر في الصفحة 43

الثلاثاء 05-سبتمبر-1989

حركة النهضة التونسية

في الوقت الذي تردت فيه المقدرة الشرائية للمواطنين بسبب حمى الأسعار من ناحية وبسبب تجميد الأجور لسنوات طويلة من ناحية أخرى أقدمت الحكومة بشكل مفاجئ على الترفيع في مواد العيش الأساسية التي تمس أوسع فئات الشعب وأرفقتها ببعض المنح لبعض الفئات، ولأن هذه الإجراءات تتعلق بالمستوى المعيشي للجماهير وبمقومات النمو الاقتصادي والاجتماعي وبالتالي بمستقبل البلاد فإن حركة النهضة تؤكد:

1- أن لهذه الزيادات انعكاسات خطيرة على أغلب فئات الشعب وخاصة منها الفئات المعوزة والعاطلين عن الشغل والفئات الوسطى، وهذه الفئات كلها تمثل الغالبية الساحقة لجماهير الشعب وتعاني منذ فترة شظف العيش والحرمان ومرارة التفاوت الطبقي الذي عمقته الاختيارات الخاطئة في توزيع الثروة وأعباء التنمية وأن الإجراءات المتخذة للحد من انعكاسات هذه الزيادات قاصرة تمامًا عن تحقيق هذا الهدف بسبب محدوديتها من حيث المقدار ومن حيث عدم شمولية هذه التعويضات لجميع الفئات وخاصة منها البطالين والفئات المعوزة والمتوسطة.

إن انعكاسات هذه الزيادات لا تكمن فقط في آثارها المباشرة على المواد المعيشية المذكورة بل وكذلك في ما تفتحه من أبواب للزيادة في أسعار مواد أخرى مشتقة أو مرتبطة بهذه المواد وهو أمر بالغ الخطورة.

2- إن استحداث درجتين في مواد الاستهلاك الأساسية من شأنه أن يعمق التفاوت الطبقي والشعور بالغبن لدى أوسع فئات الشعب، ذلك أن العدالة الاجتماعية والمواطنة والتضامن تحتم المساواة في نوعية المواد الأساسية المستهلكة.

3- إن صندوق التعويض قضية حساسة والجميع يدرك ما آلت إليه القرارات الانفرادية والمرتجلة سابقًا من آلام في بلادنا وغيرها ومع أن الأمر كذلك فإن السلطة قد أقدمت على الترفيع في الأسعار بدون استشارة شعبية واسعة ولا اشتراك حقيقي لكل الأحزاب والمنظمات والكفاءات وهذا الأسلوب يحرم كل الأطراف من تحمل مسؤولياتها الوطنية ومن المساهمة بشكل إيجابي في حل مشاكل البلاد ويجعل السلطة تتحمل تبعات هذه القرارات.

4- إن الزيادات الأخيرة في الأسعار هي أحد مظاهر سياسة التحرر الاقتصادي التي انتهجتها الحكومة والتي تتجلى مظاهرها الأخرى في التفويت في مؤسسات القطاع العام والتخفيض في قيمة الدينار وتجميد الأجور منذ سنة 1983، فضلًا عن دعوة بعض الأطراف المحظوظة هذه الأيام إلى تحوير قانون الشغل في تجاه نوع من المرونة لصالحهم، بما ينسجم من منظور وتوصيات البنك الدولي، وبما يؤدي إلى تخلي الدولة عن جزء من مسؤوليتها الاقتصادية إزاء الفئات الضعيفة والمتوسطة، وقد أدت نفس هذه السياسة في عديد من البلدان النامية إلى مآسي اجتماعية وسياسية خطيرة نحن في أشد الحاجة إلى استخلاص العبرة منها.

5- لئن كانت معالجة تزايد أعباء صندوق التعويض تحتاج إلى توفير حلول فعلية وناجحة، فإن هذه الحلول لا يجوز أن تكون بالترفيع في أسعار مواد عيش أوسع قطاع من المواطنين في ظرف مناخي واقتصادي استثنائي، بل كان ينبغي أن توجد المعالجات بوضع حد لمظاهر الإسراف واستيراد الكماليات وانتهاج سياسة عامة للتقشف في النفقات وبالحفاظ على الممتلكات العامة والحيلولة دون تسرب أي يد آثمة تسعى للتبذير والعبث وبالصرامة في محاسبتها وردعها.

6- إن الوضع الاقتصادي والاجتماعي الخاص الذي تمر به بلادنا يستدعي العمل الجاد في تجاه الرابط الجدلي بين التنمية والديمقراطية وتوفير أجواء من الانفراج السياسي والحريات العامة التي تسمح باشتراك جميع الأطراف الاجتماعية والاتجاهات السياسية في حوار شامل من أجل إيجاد الحلول لبوادر العجز الهيكلي التي يعيشها اقتصادنا ومن أجل وضع أسس اقتصاد وطني متحرر من قيود التبعية وضامن للعدل بين الناس.

فالتنمية الاقتصادية والتحرر من العلمية الاستهلاكية تحتاج إلى جهود شاقة في كل مجالات الإنتاج وما من طريق لمواجهة هذه التحديات إلا من خلال تعبئة الملايين واستنهاضها ومفتاح ذلك هو اتخاذ خطوات جادة على طريق العدل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والانطلاق في ذلك من الإطار الحضاري لهذا الشعب أما استمرار التراجع عما توحدت عليه الجماهير من تطلعات ومبادئ واختيارات فإنه يقتل الأمل ويشيع اليأس ويعمق الأزمة ولا من نتيجة.

الرابط المختصر :