العنوان اقتصاديات الحج.. منافع بلا حدود
الكاتب د. أشرف دوابه
تاريخ النشر الخميس 01-سبتمبر-2016
مشاهدات 74
نشر في العدد 2099
نشر في الصفحة 58
الخميس 01-سبتمبر-2016
إذا كانت أركان الإسلام لا تكتمل إلا بأداء فريضة الحج لمن استطاع فإن الإسلام لا يكتمل تطبيقه إلا باستغناء المسلمين بأنفسهم عن غيرهم وإقامة الشعائر والمتاجر
الحج يتطلب أن يسدد المسلم ما عليه من ديون قبل حجه وهو ما يسهم إيجاباً في حركة دوران المال في المجتمع وتحقيق الثقة والاستقرار للاقتصاد
الحج فرصة لدراسة المشكلات الاقتصادية الخاصة بالبلدان الإسلامية ووضع الحلول اللازمة لها من خلال مفهوم الوحدة الإسلامية الشاملة
الحج فرصة للخروج بالأمة من نفق التبعية إلى رحاب الاستقلال والوحدة الإسلامية الشاملة في زمن عجز فيه المسلمون عن استغلال مواردهم واعتمدوا على غيرهم في تلبية احتياجاتهم
من نِعَم الله على أمة الإسلام أنه ربط العبادات بواقع الحياة،وجعل الالتزام بها سلوكاً يمشي به المسلم في حياته، ويخالط الناس به، ويسأله سبحانه من فضله.
وفي هذه الأيام المباركة يعيش المسلمون في رحاب فريضة الحج، تلك الشعيرة التي تجمع بين العبادة البدنية والمالية، فهي ركن من أركان الإسلام لمن استطاع إليها سبيلاً، وهذا يبرز دورها الاقتصادي؛ فالحج مرتبط بالاستطاعة المالية، وهي دعوة للادخار والاستثمار لتوفير ما يلزم لتلك الاستطاعة؛ وهو ما يعود على الاقتصاد بالفائدة إنتاجاً وتوزيعاً، وليست تجربة ماليزيا (طابونج حاجي) عنا ببعيد وما لها من أبعاد اقتصادية واجتماعية ودينية رائدة.
كما أن الحج يتطلب أن يسدد المسلم ما عليه من ديون قبل حجه، وهو ما يسهم إيجاباً في حركة دوران المال في المجتمع، وتحقيق الثقة والاستقرار للاقتصاد.
والقرآن الكريم حينما تحدث عن الحكمة من فريضة الحج ذكر إقامة الشعائر والذكر جنباً إلى جنب المنافع، فقال تعالى: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} (28) (الحج).
وقد جاءت كلمة «منافع» في الآية الكريمة نكرة لتفيد عموم المنافع في كل العصور دون قصرها على منفعة دون أخرى، وهي بذلك تفتح السبيل أمام حجاج بيت الله الحرام للاستفادة من تلك المنافع، فلا حرج عليهم ولا جناح أن يكون الحج موسماً يجمعون فيه بين منافعهم الدينية والدنيوية، يقول تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} (البقرة:198).
وقد ذكر ابن كثير وغيره من المفسرين في هذه الآية ما يرفع هذا الحرج، فقد كان بعض المسلمين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يتحرجون من ممارسة التجارة والبيع والشراء في وقت الحج، فنزلت تلك الآية الكريمة، فارتاحت نفوسهم واطمأنت قلوبهم لذلك التيسير الرباني، فباعوا واشتروا وتاجروا وحمدوا ربهم على رحمته وفضله بهم.
المنافع التجارية في الحج
إن منافع الاقتصاد والعباد من الحج لا تقتصر على تنمية الادخار وفتح أبواب الاستثمارات وتحقيق الثقة والاستقرار للاقتصاد، بل تمتد لغيرها من المنافع، لا سيما المنافع التجارية والصناعية والزراعية، خاصة ونحن نرى أن السلع المتداولة في مكة والمدينة في جلها صنعت بيد غير إسلامية، ويقتصر دور التجار ورجال الأعمال فيها على تداولها وتسويقها وبيعها والرضا بفتات أرباحها، تاركين الجزء الأكبر من هذا الربح لمنتجها الذي لم يقتصر إنتاجه على ما يلبسه المسلمون فقط، بل امتد الأمر إلى أدواتهم التعبدية من سجاد يصلون عليه ومسابح يسبحون بها.. إلخ!
لقد كان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة بين الركن اليماني وركن الحجر: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً} (البقرة:201)، ولكننا للأسف نجد البعض لا يرى الدنيا الحسنة إلا المرأة الحسنة أو الصالحة، ونسوا أو تناسوا أن من حسنة الدنيا التجارة الحسنة والصناعة الحسنة والزراعة الحسنة والاقتصاد الحسن، وأنه لن تقوم للمسلمين قائمة إلا بارتفاع مداخن المصانع كما ترتفع مآذن المساجد.
فإذا كانت أركان الإسلام لا تكتمل إلا بأداء فريضة الحج لمن استطاع إلى ذلك سبيلاً، فإن الإسلام لا يكتمل تطبيقه إلا باستغناء المسلمين بأنفسهم عن غيرهم، وإقامة الشعائر والمتاجر والمصانع والمزارع لبناء الدين والحياة وتنمية الروح والجسد، ولن يكون ذلك إلا باقتصاد قوي قوامه تلبية الحاجات وفقاً للأولويات الإسلامية من ضروريات فحاجيات فتحسينات، وتحقيق الربحية الإسلامية التي تراعي الفطرة البشرية في التملك وتجمع بين الربحية الخاصة والربحية العامة.
الخروج من نفقة التبعية
إن الحج فرصة لتحقيق تلك الأمانة الكبرى، والخروج بالأمة من نفق التبعية إلى رحاب الاستقلال والوحدة الإسلامية الشاملة في زمن عجز فيه المسلمون عن استغلال مواردهم واعتمدوا على غيرهم في تلبية احتياجاتهم، فالحج فرصة للتصنيع خاصة فيما يتعلق بحفظ لحوم الأضحية التي تتكدس في أيام النحر الثلاثة ومنعها من العفن والتلف والإهدار، بجمعها وتصنيعها وحفظها في معلبات وتوزيعها على فقراء المسلمين الذين ينتشرون في بقاع المعمورة ويفترشون الأرض ويلتحفون السماء.
كما أن الحج فرصة للتعرف على السلع التي يستهلكها الحجاج وما بها من مزايا وما تحمله من مواصفات وأسعار، والعمل لاحقاً على إنتاجها وتسويقها، وعقد صفقات البيع والشراء من خلال المراجحة بتبادل البضائع بين الأسواق، وكسب فروق الأسعار، والتعارف مع الأجناس الأخرى من عرب وعجم، والتحاور معهم ومعرفة طبيعة أسواقهم وأهم منتجاتهم ومميزاتها وأسعارها، إضافة إلى معرفة السلع التي تستهلك لديهم بكميات كبيرة، ومن خلال ذلك يمكن التوجه نحو تصدير ما تحتاجه تلك الدول واستيراد ما تحتاجه السوق المحلية من منتجاتهم.
كما أن الحج فرصة لدراسة المشكلات الاقتصادية الخاصة بالبلدان الإسلامية، ووضع الحلول اللازمة لها، من خلال مفهوم الوحدة الإسلامية الشاملة، فقد كان الحج في عهد النبوة والخلافة الراشدة منتدى للخبراء والعلماء في كافة علوم المعرفة يتبادلون فيه الرأي والفكر والخبرات؛ فتنمو الأمة وتعرف طريقها للابتكار والخلاص، ومن هنا تبدو أهمية إقامة المؤتمرات والندوات وورش العمل الاقتصادية الجامعة للمفكرين ورجال الأعمال المسلمين في موسم الحج.
ومع كل ذلك، ينبغي على الحجاج أن يوازنوا بين منافعهم المادية والروحية، فلا تطغى منافعهم الدنيوية في الحج على منافعهم الأخروية؛ فالحج نعمة كبرى به تنفسح صدورهم، ويملأ الإيمان قلوبهم ويعودون من تلك الرحلة الربانية وقد سمت نفوسهم وغفرت ذنوبهم، فيكون ذلك مدعاة للتجديد والتطوير في ممارسة نشاطهم الاقتصادي جنباً إلى جنب مع نشاطهم التعبدي.>
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل