; اقتصاد الأوبك والدولار والحساب البديل | مجلة المجتمع

العنوان اقتصاد الأوبك والدولار والحساب البديل

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 18-مارس-1980

مشاهدات 83

نشر في العدد 474

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 18-مارس-1980

في طريق نضالها الطويل لإحكام السيطرة على سياسة إنتاج ثرواتها الناضبة، استطاعت منظمة الأقطار المصدرة للبترول «أوبك» أن تتحكم بأسعار النفط الخام المصدر منذ عام 1973. وتقدمت خطوات أخرى في سبيل سيطرتها على سياسات الاستخراج والتكرير والتسويق والتصنيع ولا زالت سائرة في هذا الدرب. غير أن المشكلة الهامة التي تواجهها دول الأوبك هو احتساب الدولار كأساس للمدفوعات النفطية، والتي تكبدت نتيجة لتدهوره وتذبذب أسعاره خسائر فادحة. فهل يظل الدولار أساسًا في المدفوعات النفطية أم تتوصل الأوبك إلى حساب بديل؟

الأسعار الحالية للنفط تعادل أسعار عام 73 فقط!!

الأوبك.. هل ينفرط عقدها فيفرح العم سام؟!

التخلي عن الدولار تحرر وضربة لكبرياء أمريكا..

وقبل الإجابة على هذا السؤال المثار نظريًا وفي الأوساط الرسمية لدول الأوبك يحسن بنا أن نلقي نظرة على الدولار والآثار المترتبة على احتسابه أساسًا للمدفوعات النفطية.

الدولار والنظام النقدي العالمي:

منذ الحرب العالمية الثانية اكتسب الدولار دورًا قياديًا في نظام النقد الدولي وأصبح العملة المركزية في العالم. ولا يخفى أن متانة وتكامل الاقتصاد الأمريكي كانت وراء قوة الدولار إزاء العملات الأوروبية في اتفاقيات «بريتون وودز». إلا أن الجانب الاقتصادي لا يفسر وحده قوة الدولار ومركزه في نظام النقد الدولي. حيث إن نسبة المبادلات الأمريكية في التجارة الدولية منذ الحرب العالمية الثانية وحتى الوقت الحاضر ظلت ثابتة تقريبًا وتشير الإحصائيات إلى أن هذه النسبة كانت 10⸓ عام 1938 و11.5 عام 1948 ولم تتعد 11.6⸓ عام 1975. وإذا علمنا أن الدولار يشكل حوالي 80⸓ من مجموع النقد العالمي في الوقت الذي بلغت فيه نسبة المبادلات التجارية لأوروبا أكثر من 40 من حجم التجارة الدولية. وفي العام الثالث أكثر من 20⸓ من التجارة الدولية، ندرك أن العامل السياسي وزعامة العالم من قبل أمريكا هي التي فرضت الدولار كأساس للنظام النقدي الدولي. وكان من الطبيعي إذن بالإضافة إلى كون معظم الشركات النفطية العالمية شركات أمريكية. أن يفرض الدولار نفسه كأساس لاحتساب المدفوعات النفطية.

وكنتيجة لنجاح الأوبك في إحكام سيطرتها على سياسات تسعير نفطها الخام وزيادة الأسعار زيادات عادلة ومعقولة منذ عام 1973. تجمعت لدى هذه الدول مبالغ ضخمة من الدولارات والتي عرفت باسم الفوائض النفطية. وبما أن هذه الدولارات تستخدم من قبل هذه الدول في تسوية موازين المدفوعات مع الدول المصدرة خاصة الأوروبية. فقد تجمعت هذه الدولارات مرة أخرى في أوروبا وهي ما تعرف الآن بالدولار البترولي «البترودولار» وكنتيجة للتبادل التجاري بين أوروبا وأمريكا تجمع في أوروبا مبالغ ضخمة من الدولارات الأمريكية وهي ما يسمى بالدولار الأوروبي «اليورودولار» ومن هنا يتضح كيف أن الدولار يلعب دورًا حاسمًا وخطيرًا في النظام النقدي الدولي..

الدولار المتذبذب:

ولا نريد هنا أن نسترسل في شرح جوانب نظام النقد الدولي بقدر ما نريد أن نشير إلى دور الدولار في ذلك وتأثيره كنتيجة لذلك على مدفوعات الأوبك. والجدير بالذكر أن تسجيل ميزان المدفوعات الأمريكي عجزًا مستمرًا خلال الستينات بسبب المدفوعات العسكرية أدى إلى زعزعة الثقة في الدولار وبالتالي إلى تدهور مركزه مما حدا بالولايات المتحدة لتخفيض قيمته لأول مرة منذ أواسط الثلاثينات وفك ارتباطه بالذهب. وقد أحدث هذا الإجراء الأمريكي ضجة عالمية وأحدث اضطرابات كبيرة شملت مختلف العملات الدولية. وخاصة العملات الأوروبية. وانفسح المجال لتعميم مبدأ التعويم رغم أنه يخالف صراحة اتفاقية صندوق النقد الدولي.

وقد خفض الدولار مرة أخرى بنسبة 10⸓ عام 1973 ومنذ ذلك الحين بدأ يتذبذب سعر الصرف للدولار إزاء العملات الأوروبية والين الياباني ارتفاعًا وانخفاضًا، ظل يميل فيه إلى الانخفاض. وكنتيجة للتذبذب في أسعار صرف الدولار فقد ترتب على ذلك خسارة مادية كبيرة لدول الأوبك.

خسارة الأوبك:

وحتى ندرك فداحة هذه الخسارة علينا أن نتصور أنها ثلاثية الجوانب فمن جانب تقل القيمة الشرائية لعائدات مبيعات دول الأوبك من النفط المصدر. كما تزيد قيمة وأكلاف السلع الصناعية الاستهلاكية التي تستوردها من الدول الغربية من جانب آخر. وتتدهور قيمة استثماراتها في أسواق الدول الصناعية من جانب ثالث.

وتشير الإحصاءات إلى أن نسبة التضخم في العالم تراوحت ما بين 20⸓ و25 خلال السبعينات وعليه فإن دول الأوبك تخسر سنويًا حوالي 20⸓ من عائداتها النفطية. وقد قدر مدير الدائرة الاقتصادية في الأوبك هذه الخسار عام 1977 بـ 7 مليار دولار من أصل المداخيل التي بلغت 120 مليار دولار.

وفي أواخر عام 1977 وأوائل عام 1978 تعرض الدولار إلى ضغوط شديدة في أسواق تبادل النقد العالمية أدى إلى انخفاض سعره بنسبة تزيد عن 20⸓ مقابل العملات الرئيسية في العالم.. خاصة المارك الألماني والفرنك الفرنسي والين الياباني. وقد تدخلت الحكومة الأمريكية في الأمر ولا زالت تفعل ذلك بالطلب من حكومات هذه لدول لعدم الدولار.

كيف يتم التعويض عن الخسارة؟!

وإزاء هذه الخسارة الكبيرة التي تتعرض لها دول الأوبك. بحيث جعلت أغلب أعضائها برغم ضخامة حجم مداخيلها النفطية في عداد الدول المقترضة لتمويل برامج التنمية فيها. كان لا بد من اتخاذ إجراءات للتعويض عن هذه الخسارة. وقد تبنت هذه الدول في البداية أي منذ عام 1974 برنامجًا لزيادة أسعار النفط الخام المصدر دوريًا بنسبة التضخم النقدي العالمي. إلا أن هذا البرنامج لم يكتب له النجاح حيث كانت الزيادات بمعدل 25⸓ سنويًا حسب اتفاق طهران حيث كان معدل التضخم حوالي 30، كما أن بعض الدول الأعضاء دعمت سياسة تجميد الأسعار.

وفي دراسة حديثة لمنظمة الأوبك عن أسعار النفط مقارنة بأسعار السلع الصناعية تبين أن السلع الصناعية ارتفعت بنسب أكبر من ارتفاع أسعار النفط المُصدَّر. وقد أشارت هذه الدراسة كذلك إلى أن القيمة الحقيقية للأسعار الحالية التي تتراوح بين 25-34 دولار للبرميل تعادل أسعار عام 1974. أي أن الارتفاع في هذه الأسعار ليس حقيقيًا.

كيف الخلاص؟

وإذن فإن زيادة الأسعار بشكل دوري لم يحل الإشكال. فكيف يتم التوصل إلى حل إزاء مشكلة تدهور أسعار صرف الدولار؟

والجدير بالذكر أن الأوبك قد بدأت تتحرى السبل الكفيلة بدفع المضار الناجمة عن تدهور الدولار منذ أوائل السبعينات. فتوصلت عام 1972 إلى اتفاقية في جنيف تنص على استخدام تسع عملات غربية (عدا الدولار) لحقتها اتفاقية جنيف الثانية عام 1973. إلا أن هاتين الاتفاقيتين لم يكتب لهما التطبيق.

وقد طرحت فيما بعد استعمال وحدة حقوق السحب الخاصة كبديل لتسعير النفط المصدر وهذا الاقتراح بالإضافة إلى ربط أسعار النفط بأسعار مجموعة من السلع المصنعة المستوردة تم تقديمه من قبل السكرتاريا العامة للمنظمة إلى مؤتمر الجزائر عام 1975.

إلا أن هذا الاقتراح لم يؤخذ به لحد الآن في جميع مؤتمرات الأوبك. وعلى كل حال فالمطروح الآن نظريًا هو اعتماد سلة جنيف أو حقوق السحب الخاصة ولم يطرح لحد الآن موضوع الذهب إطلاقًا.

والمطلوب من ذوي الاختصاص وضع تصور بهذا الخصوص يسهم في الخلاص من الدولار كأساس لتسعير النفط المصدر أو على الأقل يدفع الأضرار الناجمة عن تدهور أسعار صرفه.

هل يتم التخلص من الدولار؟

مما تقدم يتضح أن هذا السؤال يطرح نفسه بإلحاح. ولعل الظروف السياسية تعجل بالمطالبة بالإجابة على هذا السؤال. فالإجراءات الأمريكية لحماية الدولار لم تنجح لحد الآن. واستقرار سعر الصرف للدولار منذ أوائل هذا العام مرهون بأوضاع سياسية معينة ويتوقع الخبراء أن يعود مع نهاية الربع الأول من هذا العام إلى الهبوط.

وإذا كانت أمريكا قد سيست الاقتصاد مع حلفائها الأوربيين في أعقاب الحرب العالمية الثانية. فجمدت الأرصدة الأوروبية آنذاك. وجمدت الأرصدة الإيرانية حديثًا كما هددت باستخدام المقاطعة الاقتصادية ضد هذه الدولة أو تلك. فلماذا لا تحاول دول الأوبك أن تحرر اقتصادها ومواردها النفطية الناضبة من سطوة الدولار، وتجرح من كبرياء الولايات المتحدة بالتخلي عن الدولار كأساس لاحتساب أسعار النقط؟

تصريحات عجيبة:

ونحن على أبواب انعقاد مؤتمر جديد للأوبك في الجزائر في يونيو القادم. الذي نأمل فيه أن تتجاوز دول الأوبك خلافاتها التي برزت بشكل واضح في مؤتمر كراكاس. وتتخذ خطوة موحدة لاعتماد حساب بديل وليكن سلة من العملات بدلًا من الدولار. ظهرت تصريحات لمسؤولين في بعض دول الأوبك أقل ما يُقال فيها أنها عجيبة.

ففي الوقت الذي يجمع فيه الجميع على فداحة الخسارة التي تعرضت لها دول الأوبك بسبب تدهور الدولار. وفي نفس الوقت الذي يقول فيه مسؤول خليجي لميلر أثناء جولته الأخيرة في المنطقة «إن سوق الدولار الأوروبي كابوس».

ويعود مسؤول آخر في نفس البلد إلى الإشادة بأهمية الدولار قائلًا «الدولار هو الأقوى وسياسات الولايات المتحدة الاقتصادية تسير في الاتجاه الصحيح. ونحن نعتقد أن الدولار هو استثمار جيد في الوقت الحاضر». ويقول مسؤول آخر: «إن الدولار يظل العملة المناسبة للتسعير بالنسبة للأوبك». وقد علل هذا المسؤول ذلك بارتفاع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة مما يجعل الاستثمار بالدولار يعوض عن الخسارة الناجمة عن أسعار الصرف...!

الوحدة أم الانفراط؟

وإزاء هذه التصريحات وغيرها فإنه منه المحتمل أن ينفرط عقد الأوبك لتنفرد كل دولة باتخاذ السياسة التي تناسبها وقد انفردت لحد الآن إيران بالتخلي عن الدولار كأساس لسداد قيمة صادراتها النفطية واستعاضت عن ذلك بسلة من العملات العالمية. وتفيد مصادر نشرة «بتروليوم أنتلجنس ويكلي» الأمريكية احتمال أن يلحق العراق بإيران في التحرك إفراديًا لحماية عائداته من آثار تقلبات الدولار. وإذا تحقق هذا فإن الأوبك تكون قد خدمت أعدائها خدمة جليلة عجزوا عنها طوال عشرين عامًا فالمعروف أن الرهان الأمريكي بالذات هو على إشاعة الانقسام في الأوبك وتفتيتها بحيث يسهل على أمريكا والدول الصناعية الأخرى الاستفراد بكل دول كما تريد وتشتهي. فهل يدرك ذلك أعضاء الأوبك خاصة الكبار منهم أم ينفرط العقد ليفرح العم سام؟ إننا لمنتظرون.

الرابط المختصر :