العنوان النظام النقدي العالمي.. بين الاستقرار والاستمرار
الكاتب د. أشرف دوابه
تاريخ النشر الأحد 01-نوفمبر-2015
مشاهدات 87
نشر في العدد 2089
نشر في الصفحة 66
الأحد 01-نوفمبر-2015
إذا كان العالم منذ انفجار الأزمة المالية العالمية في العام 2008م تلاحقه الأزمات، فإن النظام النقدي العالمي القائم أساساً على الدولار الأمريكي هو من العوامل الرئيسة لذلك، لذا فإن الأمريكيين أنفسهم يرون صعوبة استمراره في السنوات القادمة.
وبالرجوع للوراء قليلاً للوقوف على قصة هذا الدولار الذي خرج رابحاً بعد الحرب العالمية الثانية من خلال اتفاقية "بريتون وودز" (1944م) التي جعلته عملة عالمية قابلة للتحويل إلى ذهب.. وفي العام 1971م، وفي ظل ما واجهته الولايات المتحدة الأمريكية من ظروف اقتصادية صعبة، تخلت عن ذلك، وأصبح قوام النظام النقدي العالمي هو الدولار الورقي غير القابل للتحويل إلى ذهب، وهو ما فتح الباب للإسراف في خلق النقود، والحيلولة دون الاستقرار النقدي المرغوب.
فقد تطور الدولار من عملة وطنية إلى عملة دولية، ثم إلى شكل من أشكال الثروة المالية العالمية، حيث تستخدمه الولايات المتحدة لتمويل إنفاقها العسكري واستثماراتها الأجنبية، بل تخلت الولايات المتحدة عن تقاليدها القديمة في الادخار المحلي مفضلة الاعتماد على مدخرات الآخرين منذ بداية السبعينيات.. وتحولت من دولة فائض تجاري ومصدرة لرؤوس الأموال، إلى دولة عجز تجاري ومستوردة لرؤوس الأموال، وأصبح الاختلال في ميزان مدفوعاتها أمراً اعتيادياً، وقد تداعت الأحداث، وانتهى المشهد بأزمة مالية عالمية أمسكت بتلابيب الاقتصاد العالمي وأوقعت الدولار في ورطة.
إن استخدام الدولار كأساس للمعاملات الدولية يحابي الولايات المتحدة ومصالحها على حساب دول العالم، فهو يوفر لها مزايا في الحصول على موارد اقتصادية من العالم بلا مقابل حقيقي بمجرد توفير أوراق نقدية للتعامل هي الدولار، كما أن هذا الوضع يعني أن تصبح الولايات المتحدة في الواقع العملي بمثابة البنك المركزي لدول العالم، ومن المتعارف عليه أن البنك المركزي يصدر النقود في شكل مديونية عليه، ولذلك فإن مديونية الولايات المتحدة الأمريكية للعالم تعتبر جزءاً عضوياً في النظام النقدي العالمي، ومن ثم فإن المديونية الأمريكية المتعاظمة هي نتيجة طبيعية لذلك، وبذلك يصبح وجود العجز في ميزان المدفوعات الأمريكي أمراً لا فكاك منه.
وبذلك خلق النظام النقدي العالمي أبشع نظام للاستغلال الرأسمالي عرفه التاريخ، في ظل صندوق النقد الدولي الذي يعمل لصالح اللاعبين الكبار، فالأمريكيون يأخذون مقابل الدولار سلعاً وخدمات من العالم، ويعطون العالم مقابله الوهم (الاستثمار في أسواق المال الأمريكية)، وأصبح العالم كله يتحمل العبث الأمريكي في أسواق المال العالمية.
وقد فطن إلى ما وصل إليه حال النظام النقدي العالمي الاقتصادي الكبير "كينز"؛ حيث اعترض على ما آلت إليه اتفاقية "بريتون وودز"، كما سار على نفس النهج في منتصف الستينيات الرئيس الفرنسي السابق "ديجول"، فقد تنبه إلى أن اعتماد العالم على الدولار كنقود دولية يعطي الولايات المتحدة الأمريكية ميزة هائلة في إمكانية الحصول على ما تريد من موارد العالم مقابل دولارات لا تستخدم للحصول على سلع أمريكية، وهي بذلك تحصل على موارد العالم الاقتصادية مقابل أوراق، وهو ما يعرف بحقوق الإقطاعيSeigneur Rights، ولذلك طالب "ديجول" بالعودة إلى "قاعدة الذهب"، وقام بتحويل جزء كبير من أرصدة فرنسا الدولارية إلى ذهب، ولكنه لم يبق بعدها طويلاً في السلطة حيث اضطر بعدها إلى الاستقالة.
كما طالب الرئيس السابق للبنك الدولي "روبرت زوليك" – إبان الأزمة المالية العالمية - بضرورة جلب الذهب مرة أخرى إلى النظام النقدي العالمي باعتباره مرتكزاً لتوجيه تحركات العملة، مؤكداً أنه ليس الدولار الأمريكي أو الين الياباني أو الجنيه الإسترليني أو اليورو وحده الذي يمكن مستقبلاً أن يكون وحده العملة الرئيسة في العالم، بل إنه يتعين وجود نظام صرف عالمي جديد للعملات العالمية، يكون للذهب فيه مركزاً مؤثراً، وطالب بجعل سعر الذهب أساساً لتحديد أسعار صرف العملات العالمية وكمبدأ في مراقبة التضخم المالي وتقييم وتحديد مستوى العملات العالمية، ومن ثم النظر إليه كنقطة مرجعية دولية من توقعات السوق بشأن التضخم والانكماش وقيم العملات في المستقبل، خاصة أن الأسواق تستخدم الذهب كأصل بديل للعملة النقدية اليوم.
وكل هذا يتفق مع ما أكده علماء المسلمين وفي مقدمتهم المقريزي (1364 - 1441م) الذي كان يرى أهمية نظام المعدنين الذهب والفضة لتحقيق الاستقرار النقدي والعدل في المعاملات.
والواقع يكشف أن النظام النقدي الإسلامي هو البديل الصالح لاستقرار العملات، فهو يحول دون الوقوع في حرب العملات، ويقي الاقتصادات من شرورها وشرارتها، باعتبار النقود لا تقصد لنفسها، بل هي وسيلة إلى التعامل بها، واشتراطه التقابض الفوري في بيعها، فضلاً عن عدم قبوله للتلاعب بالقيمة الحقيقية العملات، واعتبار ذلك من باب الغش والتدليس والخديعة والظلم وأكل المال بالباطل.
والنظام الذهبي هو خير من يحقق ذلك؛ لقدرته على الجمع بين الكفاءة النقدية والمصداقية الشرعية؛ وهو الأمر الذي يرسخ لقيم العدالة، ويغلق الأبواب بإحكام على جعل النقود سلعة يتاجر فيها لا بها، ويحول دون وقوع سوق النقد في ويلات الربا والخديعة والمراهنات.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل