; كل مواطن مدين بـ 2550 دولارًا! - اقتصاد تركيا يدفع ثمن التخبط السياسي | مجلة المجتمع

العنوان كل مواطن مدين بـ 2550 دولارًا! - اقتصاد تركيا يدفع ثمن التخبط السياسي

الكاتب خدمة قدس برس

تاريخ النشر الثلاثاء 08-أغسطس-2000

مشاهدات 74

نشر في العدد 1412

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 08-أغسطس-2000

  • تراجع الأداء عن مستوى حكومة أربكان.. وحلول صندوق النقد تزيد أعداد الفقراء.

تبدو الصورة التي آلت إليها أوضاع الاقتصاد التركي مفزعة في ضوء التقارير المتوافرة خاصة التقرير الرسمي الذي سرب مؤخرًا إلى وسائل الإعلام، إذ تضمن مجموعة من المعلومات والإحصاءات التي تؤشر على مدى الانهيار والدمار الذي وصل إليهما، وأسهمت السياسات الرسمية في تعمقهما، وجاءت وصفات صندوق النقد الدولي تحت لافتة خفض التضخم لتزيد الأزمة تعقيدًا.

تتعدد العوامل التي أسهمت في وضع الاقتصاد التركي على شفا جرف هار ما بين عوامل سياسية واقتصادية، وداخلية وإقليمية ودولية تعرضها في النقاط التالية:

أولًا: حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني التي تعيشها البلاد منذ فترة طويلة بسبب سيطرة العسكر على السلطة والتحكم في مقدرات البلاد تحت دعاوى الحفاظ على العلمانية، فقد أدى هذا التحكم إلى قيام نزاعات عرقية وإثنية في البلاد. كما أدى إلى حالة عدم استقرار داخلي، وبالتالي هروب رؤوس الأموال إلى الخارج.

واستنادًا إلى تقرير الأمم المتحدة فإن قيمة رؤوس الأموال الأجنبية التي دخلت إلى تركيا عام ۱۹۹۸ م بلغت نحو ٦٦ مليون دولار فقط، فيما بلغت قيمة رؤوس الأموال التي خرجت في العام نفسه ٧ مليارات دولار.

ثانيًا: استنزاف موارد الاقتصاد في الحرب المستمرة مع حزب العمال الكردستاني، وهو ما دفع الحكومات المتعاقبة إلى رفع مخصصات الدفاع حتى بلغت أكثر من 8 مليارات دولار سنويًا.

 ثالثًا: الخسائر التي مني بها الاقتصاد التركي نتيجة حصار العراق، إذ خسرت تركيا واحدًا من أكبر الأسواق لتصريف منتجاتها دون حصولها على أي مساعدات أو تعويضات دولية، وخاصة من الولايات المتحدة المستفيد الأول من حصار العراق وتقدر المصادر التركية الرسمية هذه الخسائر بنحو ٥٠ مليار دولار على مدار السنوات العشر الماضية.

 رابعًا: خسائر الزلزال المدمر الذي ضرب تركيا في أغسطس من العام الماضي، إذ ألحق خسائر جسيمة بلغت المباشرة منها نحو 7 مليارات دولار، فيما قدر حجم الخسائر في المجال الصناعي بـ ٢٥ مليار دولار، وإذا ما أضيفت أرقام الخسائر في المباني والمنشآت وتلك الناتجة عن تعطل الإنتاج في المنطقة التي ضربها الزلزال والتي تسهم بـ٥٤% من الإنتاج كما تسهم بـ 33.5% من إجمالي الناتج الإجمالي السنوي فإن حجم الخسائر قد يصل إلى ٥٠ مليار دولار

أيام أربكان أفضل:

حقيقة الوضع الحالي للاقتصاد التركي يكشف عنها التقرير الرسمي الذي أعدته منظمة التخطيط الوطني الحكومية وقدمته لرئيس الوزراء بولنت أجاويد، ومع أن التقرير سري وخاص إلا أن أجاويد قام بتوزيعه بشكل محدود، ثم تسرب بعد ذلك إلى وسائل الإعلام، ومما جاء فيه أن الحكومة لم تحقق أيًا من أهدافها الموضوعة في المجال الاقتصادي الذي يزداد سوءًا ويتراجع باستمرار إذ سجل معدل النمو «ناقص۱۳» وهذا أقل رقم وصل إليه النمو الاقتصادي خلال عهد الجمهورية منذ تأسيسها.

 وقال التقرير لقد كانت سرعة النمو حينما غادر نجم الدين أربكان السلطة 8.3%، والآن هي «ناقص ۱۳»، وهذا يعني أن الانهيار سجل 21.3 نقطة في ثلاث سنوات.

وأضاف التقرير أن مديونية تركيا الخارجية وصلت إلى ١١٤ مليار دولار، والداخلية ٥٣ مليار دولار، أي أن مجموع المديونية يصل إلى 166 دولارًا، وهو ما يعني أن كل شخص في تركيا إلى ١٦٦ مليار مدين بـ ٢٥٥٠ دولارًا.

وتصف منظمة التعاون والتطوير الاقتصادي OECD الفائدة المترتبة على هذه الديون التي على تركيا تدبير دفعها، بأنها قنبلة موقوتة قابلة للانفجار.

وفيما يقدر آخر تقرير لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «الفاو» عدد الأتراك الذين يعيشون تحت خط الفقر بـ١٣ مليونًا من مجموع السكان البالغ ٦٥ مليون نسمة نصفهم يعيش في مناطق ريفية، يفيد التقرير أن واحدًا من كل خمسة أتراك يعيش بأقل من دولار واحد يوميًا، وهو أمر يثير القلق بالنسبة لبلد يتظاهر بالاكتفاء الذاتي بالزراعة.

 وبالإضافة إلى المشكلات والاختلالات السابقة. فهناك الارتفاع في قيمة العجز في الميزان التجاري الذي بلغ عام ۱۹۹۹م نحو ۲۱ مليار دولار، إذ بلغ حجم الاستيراد ٤٧ مليار دولار، فيما بلغت قيمة السلع التركية المصدرة ٢٦ مليار دولار.

اللجوء لصندوق النقد:

أمام إخفاق الحكومات المتعاقبة في معالجة الأزمة الاقتصادية أو الحد من تفاقمها، وبعد إسقاط حكومة أربكان من قبل العسكر في منتصف عام ۱۹۹۷م. على الرغم من أن الاقتصاد حقق نتائج جيدة في عهدها، لجأت حكومة أجاويد إلى صندوق النقد الدولي لمساعدتها في التصدي لمشكلاتها الاقتصادية المتزايدة، فبدأ الصندوق بتطبيق برنامج إصلاح تلتزم فيه الحكومة بالسيطرة على أجور العاملين في القطاع العام والتوسع في الخصخصة ورفع سن التقاعد إلى ٥٠ سنة للنساء، و55 سنة للرجال، بدلًا من ٣٨ و ٤٣ على التوالي، وتحديد سعر كيلو القمح، وفرض ضريبة مبيعات متصاعدة وبموجب هذا البرنامج منح الصندوق تركيا قرضًا بقيمة 4 مليارات دولار على ثلاثة أعوام.

 وكما هي العادة في مثل هذه الحالات فقد ربط صندوق النقد موافقته على تقديم القروض بفرض شروط إضافية مع كل مرحلة ومن ذلك قيام البنك المركزي التركي بمصادرة أسهم خمسة مصارف خاصة، ومع نهاية عام ١٩٩٩م بلغت خسائر سبعة مصارف من ثمانية تخضع حاليًا لسيطرة صندوق النقد 7.4 مليار دولار، أي نحو مرتين ونصف المرة قيمة إجمالي أكبر أربعة مصارف تركية خاصة.

وبرغم مرور أكثر من عامين على تطبيق برنامج الصندوق فإن الآثار السلبية بدأت بالظهور وانعكست بشكل مباشر على أكثر من نصف عدد السكان بسبب تراجع عائداتهم الزراعية نتيجة تحديد أسعار المنتجات الزراعية، وهو ما ضاعف عدد الفقراء.

مشكلات الاقتصاد التركي لن تحل بقروض صندوق النقد تحت شعار خفض التضخم، مقابل شروط صعبة يفرضها الصندوق، فيما تتزايد الديون وخدماتها ليصل الصندوق في النهاية إلى إجبار الحكومة على بيع المؤسسات والشركات للمستثمرين الأجانب كما حدث في العديد من الدول، لكن الحل يعتمد على مسارات عدة بدءًا بالإصلاح السياسي، وإنهاء الأزمات والحروب الداخلية وتحسين العلاقات مع دول الجوار وربط هذه العلاقات بمصالح تركيا وشعبها بدل الجري وراء السياسات الأمريكية والصهيونية التي أضرت كثيرًا بتركيا ومستقبلها ولا تزال.

الرابط المختصر :