العنوان اكتشاف علمي جديد يثبت أن: نظرية دارون.. أسطورة.. قد انهارت
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 28-نوفمبر-1972
مشاهدات 78
نشر في العدد 127
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 28-نوفمبر-1972
نظرية دارون.. أسطورة.. قد انهارت
والإنسان لم ينحدر من فصيلة القرود
مطلوب مراجعة شاملة لـ:
إيحاءات النظرية.. في التفكير.
وتأثيرها في.. السلوك.
الاكتشاف الذي أزاحت عنه صحف الأحد البريطانية الستار في الأسبوع الماضي- عن أصل الإنسان ينتظر أن يكون له أثر كبير في تغيير معتقدات وأفكار، ظن الكثيرون أنها من الحقائق الأزلية مثل دورة الشمس أو الجاذبية الأرضية.. ويبدو أن هذا الاكتشاف سوف يقلب نظرية داروين رأسًا على عقب.. بل ربما سيضعها في متاحف التاريخ الطبيعي، حينما يحسم الخلاف الأكاديمي الذي أثير هذه الأيام حول هذا الاكتشاف الجديد.
فمنذ أزعج داروين بنظريته العالم والجنس البشري، بأنهم ينحدرون من سلالة القرود.. وعلماء الأنثروبولوجيا «أي علم الإنسان» قد أخذوا على عاتقهم عبء ربط حلقات هذه السلسلة الغريبة، التي تبدأ بالقرود وتنتهي بالإنسان وهي مهمة ولا شك في غاية الصعوبة لأن كثيرًا من الحلقات ما زالت مفقودة.. ولكن على الرغم من ذلك، أصبحت نظرية داروين هي العماد الرئيسي في هذا المجال.. وفي سبيل العثور على هذه الحلقات، نقب العلماء عن الجماجم والعظام وبقايا الإنسان المتناثرة في أنحاء العالم القديم من جزر جاوا إلى کینا وروديسيا والصين... إلخ.. وقد وجدوا أن هذه القطع المتناثرة من العظام والجماجم يرجع تاريخها إلى ما يقرب من ١٥ مليون عامًا.. والأسئلة التي يواجهها العلماء في تحليل نتائج الحفريات لا تقل في صعوبتها عن مهمة إيجادها فمثلًا أي هذه العظام يمكن أن يكون ضمن المجرى التطوري للإنسان الحديث؟
وأيها من ناحية أخرى ضمن المجرى التطوري للقرد المعاصر؟ وأيها يمثل مجرى تطوريًا منقرضًا؟
وأهم مفتاح يقود علماء الأنثروبولوجي للإجابة على هذه الأسئلة هو حجم المخ.
فالذي يميز الإنسان الحديث من أقرب الأجناس الأخرى إليه -وهي القرود- هو حجم مخه الذي يصل إلى حوالي ١٤٠٠ سنتيمتر مكعب.. ومعنى هذا أن المخلوقات التي تكشف عنها الحفريات العلمية، والتي تتميز بكبر حجم للمخ هي أقرب المرشحين لأن تكون أسلاف الإنسان المعاصر.. ليس هذا فقط ولكن طريقة المشي لها هي الأخرى دلالة على الارتباط بتطور الإنسان عبر العصور.. فالإنسان يمشي مستقيمًا على قدميه، وهذا نوع من القدرة المناسبة للصيد في العصور الحجرية القديمة.. أما القردة فهي تمشي متثاقلة بمساعدة يديها.. وهذه الاختلافات بين مشية الإنسان والقرد انعكست في طبيعة الزاوية، التي يرتبط فيها العمود الفقري بقاعدة الجمجمة في كلا الجنسين.. كذلك فإن حجم القدم والصدغ والأسنان لها اعتبارها.
وحتى في القرن التاسع عشر، فإن البقايا المتحجرة التي عثر عليها مثل«رجل جافا»، أثبتت أنه كان يعيش على الأرض مخلوق يشبه الإنسان، وله خصائص القرد، ولكن ما زالت هناك هوة جيولوجية زمنية هائلة، بين هذا المخلوق وبين أي نوع معروف من القردة سواء العائشة منها أو المنقرضة.
وقد افتتحت المرحلة الحديثة في دراسة أصل الإنسان، حينما اكتشف ريموند دارت -وهو عالم أنثربولوجي أسترالي الجنسية- بعض بقايا متحجرة لعظام جمجمة من صحراء کالاهاري بجنوب إفريقيا.. وقد اتضح أنها مخلوق فيه شبه قرد صغير في حجم الشمبانزي، ولها فك ضخم جدًا.. يصل إلى ٥٠٠ سنتيمتر مكعب.. وهذا حجم صغير بالنسبة لحجم مخ الإنسان الحالي، ولكنه أكبر من أن ينسب إلى خط تطور القرد الذي يعيش اليوم.. وسمي اكتشاف «دارت» «أوستربو فيكث أو القرد الجنوبي».. وقد قبلت الأوساط العلمية هذا المخلوق على أنه أقدم سلف للإنسان.. والذي بدأ منه التطور المستمر للجنس البشري.. ويأتي بعد ذلك ما سمي «هومو أرکنس» أو رجل بكين وجافا، والذي يصل حجم مخه إلى ما يقارب ۱۰۰۰ سنتيمتر مكعب، وجاء في النهاية «رجل روديسيا»، والذي كان يعيش على الأرض قبل حوالي ٥٠ ألف سنة مضت، ويصل حجم مخه إلى ۱۲۸۰ سنتيمتر مكعب.
هذا هو موقف العلم وآخر ما وصل إليه علماء الأنثروبولوجيا منذ داروین، حتى جاء الدكتور ليكي وظهر في الصورة.. وهو يشغل منصب مدير المتحف الوطني في كينيا ويتكلم اللغة المحلية للقبائل هناك.. وكان المترجم في محاكمة جومو كينياتا أيام حرب الماو ماو.. وقد استمر في أعماله الحفرية لمدة تقارب ثمانية وعشرين عامًا، قبل أن يصل إلى اكتشافه الهام، وكان أول اكتشافاته في عام ١٩٥٩، حينما عثر على جمجمة وبقايا عظام متحجرة في شمال كينيا، لها صفات تختلف كثيرًا عن صفات القرد.. ولكن هذا الاكتشاف لم يحرك ثائرة الأوساط العلمية التقليدية المؤمنة بنظرية داروين، بزعم أن هذا المخلوق يمكن أن يكون إحدى الحلقات المفقودة في السلسلة الدارونية المعروفة.
ولكن اكتشاف الدكتور ليكي الآخر أثار خلافًا علميًا حادًا لم يُحسم حتى اليوم.. وكان هذا الاكتشاف عبارة عن جمجمة لإنسان أسماه «هومو ها بليس»، أي الرجل اليدوي، وبين عامي ٦٠ – 1964، اكتشف ليكي مجموعة من هذه المخلوقات في جبال كينيا.. وهي تتميز بأصابع سبابة تشبه أصابع الإنسان، وحجم مخها أكبر إذ يصل إلى ٦٠٠ سنتيمتر مكعب.. كما أن شكل أقدامها يوحي بأنه أكثر قربًا من شكل قدم الإنسان.. ولم ينكر أحد أهمية الاكتشاف، ولكن الخلاف كان على تفسيره.. فقد فسر ليكي وجود هذا المخلوق على أنه فرع جديد في شجرة التطور الإنساني تختلف تمامًا عن شجرة داروين، وعن «أوستر بوتيكت» أو القرد الجنوبي الذي اكتشف في صحراء کالهاري.. ويؤكد هذا التفسير أن هذا «الإنسان اليدوي» يختلف تمامًا عن القردة من ناحية حجم المخ وشكل اليدين والقدم.. وإذا صحت نظرية ليكي فإن هذا يعني أن المخلوق «أستربوتیكت» أو القرد الجنوبي لا ينتمي لشجرة التطور الإنسانية، وأنه انقرض تمامًا، ولم يخلف أي أثر في تاريخ التطور الإنساني وأن هذا القرد قد عاش جنبًا إلى جنب مع الإنسان اليدوي، ولكن الأخير كتب له البقاء.. وقد استمر الدكتور ليكي في أبحاثه وتنقيبه، حتى أصبح شوكة في جنب علماء الأنثروبولوجيا، قبل أن يموت إثر صدمة قلبية قبل ٦ أسابيع في أحد مستشفيات لندن.
ولكن قبل موته بقليل، استطاع ابنه ريتشارد أن يقع على أهم اكتشاف في هذا المضمار.. فقد وجد في إحدى جبال كينيا جمجمة وعظامًا هزت الأوساط العلمية، ولا يبدو أن أحدًا يشك في عمر هذه الجمجمة.. فبعد قياس عمرها الجيولوجي بواسطة أجهزة الإشعاع الذرية، وُجد أنها ترجع إلى «۲» مليونين وستمائة ألف سنة تقريبا!! وأهم ما يميزها هو أن حجم المخ وُجد أنه حوالي ۸۰۰ سنتیمتر مكعب.. أي ضعف حجم المخ «القرد الجنوبي» أستروبتكت على الرغم من أنها تزيد عن القرد الجنوبي في العمر بحوالي مليون سنة.. وإذا تأكدت هذه القياسات بواسطة المعارضين، فإن هذا المخلوق يعتبر حلقة هامة في تاريخ تطور الجنس البشري، مؤكدًا أننا ننتمي إلى فصيلة أخرى غير فصيلة القرود والشمبانزي.
ومما يؤكد أهمية هذا الاكتشاف، أن الحفريات التي قامت بها مجموعة العلماء والخبراء التي صاحبت ريتشارد ليكي، وجدت مجموعة كبيرة من بقايا القرود «أستربوتیكت» وتتكون من جماعة من القردة الذكور والإناث الصغيري الحجم بالإضافة إلى عدد صغير من بقايا قرود ذكور هائلي الحجم مثل الغوريلا.. وهذه البقايا الضخمة من الذكور، علامة مميزة على مجتمع القردة والبابون، حيث يشغل القرد ذو الجثة الضخمة مكانة القائد والزعيم، وهذه الخاصية لم تعرف عن المخلوقات التي يعتقد أنها أسلاف الإنسان.
وقد سمى الاكتشاف الجديد باسم «الإنسان رقم ١٤٧٠»، وهو الرقم الذي أُعطي للجمجمة والعظام في المتحف الوطني الكيني.. ومن أهم ما يميز الإنسان ۱٤۷۰ أن شكل الجمجمة والأسنان وعظام الساق، يشير إشارةً واضحة إلى شكله وكيفية سيره، لأن زاوية ارتباط العمود الفقري بقاع الجمجمة يؤكد أنه كان قادرًا على المشي مثلنا تمامًا.
والأهم من ذلك، أنه لا يوجد أي دليل على أن هذا المخلوق كانت له صفات الوحش المعتدي.. وذلك يثبت خطأ النظريات الاجتماعية التي بُنيت على آراء داروين، من أن الصفات العدائية في الإنسان، ترجع إلى أجداده القرود.. ولذلك فإن علينا أن نبحث من جديد عن منبع الصفحات العدوانية في الإنسان.