; الأبناء.. ومسؤولية الآبَاء (الحلقة الثانية) | مجلة المجتمع

العنوان الأبناء.. ومسؤولية الآبَاء (الحلقة الثانية)

الكاتب محمد حسن بريغش

تاريخ النشر الثلاثاء 01-فبراير-1977

مشاهدات 71

نشر في العدد 335

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 01-فبراير-1977

التربية - كما يوضح منهجها ربنا الكريم- أمانة مفروضة على الوالدين أولًا، وهي مرتبطة بالإيمان قائمة على غرس العقيدة أولًا، وهي عملية واعية، وليست عملية تلقين آلي، فالابن المحاط بالحب والرعاية هو الابن الذي يتلقى النصح والرعاية والتربية الأبوية بوعي كامل، أنه الغرس المثمر، إنها التربية القرآنية التي تنبت لنا رجالًا علماء وباحثين، وتبعد عن الإنسان المكرم صورة التبعية وانعدام الشخصية.

 لذلك أمر الله عز وجل الابن أن يرفض تلقي أمر يخالف شرع الله ويتعارض مع قوانين الحق، ولا يرضى عنه الخالق العظيم، ولكنه مع ذلك يُعلي في نفس الابن من قيم الخير والوفاء، فيدعوه للبر بالآباء في حدود الطاعة وعدم المعصية، ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا. ثم يوجهه إلى التماس المعرفة الواعية، والطريق المستقيم، ويوجهه للبحث والتنقيب لاختيار الأصلح واتباع الحق ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ. دون أن ينسى ارتباط البحث والنتيجة، والسلوك بالحساب عند الله، ودون أن ينسى أن ذلك كله من أجل الآخرة، لهذا لا بد من صدق النية، وجدية البحث عن الحق والإخلاص في التماس الهدى والعلم؛ ليفوز بمرضاة الله؛ لأن الله عز وجل خبير بصير عليم. 

﴿فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ، هل بعد هذا نترك الأبناء بين أيدي الذين لقنهم الغرب مناهجه وأساليبه ليربوا أولادنا؟

وهل نبرر لأنفسنا تقصيرًا بحق الأبناء فنتركهم دون تربية، ونهمل إعدادهم لمرضاة الله عز وجل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾، قليلًا من التفكير في الآخرة، وقليلًا من الاهتمام بالولد، وقليلًا من الخوف من الله حتى ننهض بواجباتنا. 

 لقد أعطتنا الآيات الكريمة صورة عملية للتربية، ووضحت منهجًا عمليًا للإعداد، فمتى ينهض بذلك الآباء وتعود الأسرة محضنا يربي الأولاد على العقيدة، ويخرج النشء على الخير، ولا نتباكى على ما جرى ويجري، فنحن المسؤولون، والله عز وجل سيحاسب كل امرئ على عمله ولا تزر وازرة وزر أخرى.

 الأبناء ومسؤولية الآباء

 بعد أن يغرس الأب أمر التوحيد في نفس الابن، يمضي في رسم الطريق العملي له في الحياة.. والطريق العملي أن يرتبط السلوك بالعقيدة، وأن يبرز ظل العقيدة في كل كلمة وكل عمل.

وليس أفضل من التماس الطريق الذي يدفع الابن لاستشعار المسؤولية حتى تكون أفعاله وسلوكه تابعين من نفسه، دون أن يحتاج إلى رقيب أو موجه وهذا يتطلب بناء الشخصية الواعية التي لا تقف عند حدود التلقي الآلي، بل لا بد من الفهم والإدراك والتفاعل، وبالتالي بروز الذاتية الواعية التي تنتقي الخير وترفض الشر، تلتزم بالحق وتحيد عن الباطل، تقبل العلم وتأبى الجهل. ولقد أوضحنا في ما سبق ذلك عندما وجه الله سبحانه وتعالى الابن إلى هذا في قوله الكريم ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (سورة لقمان:15) فالأمر ليس اتباعًا بلا تفكير إنما وعي، وذات تتلقى وهي مبصرة، تتفاعل مع ما تأخذ وهي تفكر وتدرك وتبحث ثم تختار، فتلتزم الحق والوفاء والبر والصلاح بحدود الحقيقة التي لا تنقض، حقيقة الوحدانية والقدرة الإلهية، والعلم الإلهي، والحساب الإلهي.

 لهذا نجد الآية الكريمة التالية تغرس هذا المعنى أيضًا، وتوضح هذا النهج التربوي بصورة جلية، فتأتي بهذا الأسلوب الحاني العطوف ولكنها تحمل الحقيقة التي تهز العقل والقلب معًا، فيبصر العقل دربه..

ويعرف القلب طريقه، وتمتزج الحقيقة الثابتة بالعاطفة الصادقة وبهذا تصل التربية إلى هدفها، وتبدأ ابتداء الأبوية الحنونة.

﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ،لفتة كريمة وكبيرة  تفتح بصيرة الابن الناشئ على الحقيقة والحياة، وتغرس في نفسه حب التطلع والتفكير والبحث والاستطلاع.

 الحبة الصغير، والصخور القاسية الصلدة، والسماء الواسعة البعيدة العجيبة، والأرض الشاسعة بتنوع ما فيها، كل ذلك خاضع لعلم الله وقدرته وهيمنته، هذه الحبة الصغيرة لا تختفي عن علم الله في ملكوته الواسع، بل يأت بها الله؛ لأنه بصير لطيف لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء
 دعوة لتملي هذه الصورة، وتنشيط لذهن الناشئ وفكره، وربط بين ملكوت الله وما يراه ويحس به وبين الخالق البصير العليم، وغرس لصفات الله عز وجل في النفس الناشئة.

أمور تتعلق بالعقيدة؛ لأن الحياة كلها مرتبطة بالعقيدة.

 وأمور تكوّن النفس الواعية الباحثة الطائعة.

 وأمور تغرس في النفس التقوى الحقيقية حتى يصبح السلوك أمرًا ذاتيًا ينبثق عن الذات المؤمنة.. ويندمج فيها، ويكون شيئًا منها، لا أمرًا خارجيا عنها.

إن ربط العمل الإنساني بعلم الله، ومراقبة الله أمر مهم، مرتبط بالعقيدة ومقوم السلوك الإنساني، وضمان من الزيغ والانحراف والضلال.

 كل شيء في الأرض والسماء لا يخرج عن أن يكون خاضعًا لعلم الله وقدره.

 وكل عمل للإنسان خاضع للحساب والعلم والقدرة أيضًا.

 وهذا كله مرتبط بالوحدانية والهيمنة المطلقة لله عز وجل على الكون والخلق أجمعين، فالأمر حقائق تتحول في النفس إلى عقيدة، وفي الجوارح إلى سلوك وعمل، ثم تمضي الآيات الكريمة في ترتيب مقصود توجه الطفل الناشئ وهو في محض الأسرة المؤمنة عبر توجيهات أبوية حانية، تعرف أنها مسؤولة أمام الله، وتنطلق من واجبها نحو الأبناء.

 فإذا كان الأمر الأول والأهم هو غرس العقيدة، ضمن وعي حقيقي وذاتية متفاعلة مدركة.

 فإن الأمر الثاني هو أمر السلوك، وأول السلوك طاعة لأن هذه الطاعة ثمرة حقيقية لنجاح الغرس الأول في النفس. 

فإذا بلغ الغرس ذلك العمق المطلوب، وإذا أحيط بالمناخ الضروري أثمر ثمار الطاعة وأي أمر في سلوك الإنسان أهم وأولى من سلوك الطاعة متمثلًا بالعبادة المخلصة لله ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. 

كل شيء من سلوك الإنسان أقل أهمية من سلوك العبادة وإقامة الصلاة، والإقامة هنا بناء أيضًا، الإقامة جهد وعمل، وليس الأمر أمر عادة وتقليد كما يفعل الكثيرون الصلاة تقيم بناء الشخصية، تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتقوم الإنسان وتهذبه.

 الصلاة تقيم المجتمعات بأسرها إذا كانت بناء «أقم الصلاة» ولم تكن أداء آليًا خاليًا من الوعي والتدبر.

أداء الصلاة هو تطبيق لأهم الحقائق- الوحدانية لله والعبودية المطلقة له- لذلك فليس هناك علم أولى من هذا العلم، وليس هناك سلوك تربوي أهم من هذا السلوك.

 أما الذين يتركون ذلك جانبًا، ويهتمون بتلقين الطفل مبادئ الحساب والجغرافيا والأشياء... فإنهم جاهلون، يرفضون منهج الله ويولون وجوههم عن الحق، ويرفضون العلم الحقيقي، وبناء الشخصية العابدة لا يتعارض مع بناء الشخصية المتعلمة.

 إن الذي تعامى عن فهم حقيقة الخالق العظيم فلا يسلك سبيل المؤمنين بالتربية لن يفلح في التماس غيره من الطرق مهما بدت له المظاهر براقة والنتائج عظيمة، وبعد الصلاة كعبادة وسلوك، تبدأ الذات بالعطاء، بعد تربيتها الواعية وإحياء عناصر الخير فيها، وتعويدها على التفكير والانتقاء والوعي، لهذا تبدأ هي بالمشاركة، والمشاركة العملية تؤثر في التربية أكثر من وسيلة التلقين مهما كانت مؤثرة.

 ولإن تشرك طفلًا في حل مسألة أو صنع آلة، أو اكتشاف حقيقة أبلغ عنده وأهم وأفضل من أن تعطيه أي شيء وتلقنه إياه.  

وهنا يوجهه الله عبر خطاب الأب الحاني للأمر بالمعروف، والأمر بالمعروف يحتاج إلى تفكير وبحث ومعرفة وملاحظة ووعي، والنهي عن المنكر، يحتاج إلى علم بحدود الله، والتماس المعرفة الخير من الشر.

وهذه هي الذاتية الواعية والتفاعل المثمر، القائم على الحقائق، وتربية الباحث المبصر الحر، وهذا يقتضي الصبر على البحث والتنقيب، والصبر على العمل، والصبر على مواجهة الحياة، وهو من عزم الأمور، تلك هي التربية العملية الواعية التي تقوم على الحقائق، وتتبع الخطوات المتتالية، وتلمس الحق في كل خطوة، وتستند إلى حقائق الفطرة الإنسانية، وحقيقة الكون المخلوق وحقيقة الألوهية المهيمنة.

 ثم بعدها ينتقل هذا المنهج إلى غرس الفضائل، ورسم طريق واضح للسلوك الاجتماعي الذي يعطي الشخصية طابع الاعتدال، والثقة والتواضع، والأدب والخلق والكرامة، والترفع عن الحيوانية في أي مظهر وأية صورة.

﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ فمن يعيش في المجتمع لا بد أن يسلك سبيلًا مؤثرًا، ولا يؤثر في المجتمع إنسان متكبر متغطرس، بل التواضع والاعتدال والتزام الحق يجعل الإنسان محبوبًا يأسر القلوب، ويستهوي النفوس، فتسمع منه، وتصغي لنصحه، إن هذا السلوك ضروري لضمان العطاء، واستمرار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتقويم الاعوجاج.

وفي كل أمر يرتبط المنهج- نظريًا وعمليًا- بالتزام طاعة الله بعد غرس العقيدة في النفس وتربية الناشئ عليها.

 إن هذه الآيات الكريمة وغيرها ترسم لنا منهجًا تربويًا قيمًا بأن ينشئ لنا أبناء بررة يحملون الحق ويبرون الآباء، ويكونون خير أبناء. 

وإن هذه الآيات تفرض علينا أن نعطي تربية الأبناء اهتمامنا ضمن هذه الخطوات وفي هذا الأسلوب الهادئ الواعي الحاني؛ لنقى أنفسنا وأولادنا نار الجحيم. 

وإن هذه الآيات تعطي صورة مشرفة للأبناء عن الصلة بينهم وبين الآباء جديرة بأن يعيها الناس جميعًا.

فهل تنهض بواجبنا في الوقت الذي تتألب قوى الباطل علينا وتغزو بيوتنا وتنتزع منا فلذة أكبادنا باسم العلم والتربية والثقافة. 

محمد حسن بريغش

الرابط المختصر :