; الأثر السياسي للمقاطعة | مجلة المجتمع

العنوان الأثر السياسي للمقاطعة

الكاتب المسترشد بالله محمد

تاريخ النشر السبت 12-أبريل-2003

مشاهدات 60

نشر في العدد 1546

نشر في الصفحة 35

السبت 12-أبريل-2003

نقتصر في هذا الموضوع على أثار المقاطعة من الناحية السياسية، ولن نتطرق إلى آثارها الرئيسة وهي الآثار الاقتصادية والاجتماعية.

يتصور البعض أن ليس للمقاطعة أدنى أثر سياسي، إذ إن أمريكا ما زالت سادرة في غيها متحدية للأمة الإسلامية وإخواننا لا يزالون يعانون الاضطهاد، ولكنا نرى أن للمقاطعة آثارًا سياسية ظهرت أو هي في طور التكوين:

 أولًا: الأثر السياسي للمقاطعة على الشعوب العربية والإسلامية:

 ۱ - هي أداة لحشد وجمع التأييد الشعبي لصالح القضايا الإسلامية، وهي بمثابة الراية التي يجتمع عليها الناس، ولو قدرت من الناحية المادية سنجد أن الراية مجرد قطعة قماش ولكنها رمز، والرمز هو القصة كلها في بعض الأحيان تريد أن تعبئ الجماهير لصالح قضايا معينة، وتبث فيها الغضب وتستثير العواطف، ولكن سرعان ما ترتد الثورة والغضب إلى القلوب في شكل إحباط على إثر إحساس الفرد بعدم قدرته على التأثير، وأنه يحترق ولا يشعر به أحد، لذا يؤثر اللامبالاة والسلبية ربما لو تجمعت الغضبات والهبات في لحظة واحدة لحققت غايات، ولكن هذا غالبًا لا يحدث لأن لحظة وعيي الشخصي غير لحظة وعيك، ولحظة ثورتي لا تتزامن مع لحظة غضبتك، ولذلك يعول الأعداء على أن غضباتنا لا تلبث أن تزول ولكن الأمر يختلف في المقاطعة «الرمز»، إذ إننا نحشد قوى الغضب للتراكم. وإذا سألنا عن هدف الغضب طالما أنه لن يجدي غير حرق الأعصاب نشير إلى «الرمز»: المقاطعة والدعاء والمشاركة الشعبية كأدوات لتفعيل الغضب والتنفيس عن النفس.

 والخلاصة أن المقاطعة من الناحية السياسية راية يتجمع حولها الناس وهم في ازدياد مستمر والتجمع يغري بخطوات لاحقة.

 ۲- كانت المقاطعة أداة جيدة لتفعيل دور الكتل الشعبية بل نستطيع أن نقول إنها ولأول مرة أوجدت ما يسمى برد الشارع العربي الذي كان مغيبًا تغييبًا مطلقًا، خاصة وأن وسائل التفعيل الأخرى من مسيرات واستطلاعات رأي مهمشة إعلاميًاوأمنيًّا وتتعرض للتزوير ولا تعكس الحجم الحقيقي لمن يؤيد و لمن يعارض ولمن يساند هذا الطرف أو ذاك في ظل غياب الحريات.

3- وضعت المقاطعة الجماهير أمام معضلات خطيرة كانت غائبة عن وعي الجماهير ولم يكن يفكر بها إلا النخب:

- إذا كنا لا ننتج ملابس ولا ننتج مشروبات ولا ننتج أجهزة إلكترونية أو ميكانيكية فماذا نفعل؟ وما دورنا في عجلة الحياة؟

- ماذا لو تعرضنا لحصار اقتصادي؟ 

- أين الإنجازات التي طالما تغنت بها السلطات؟

- لماذا لا يكون عندنا إنتاج وطني قوي؟ 

- لماذا التعاون الاقتصادي بين الشعوب الإسلامية هزيل؟ 

- لماذا تضع الحكومات العراقيل أمام العلماء وأصحاب رؤوس الأموال الوطنية؟

- لماذا تستثمر أموال المسلمين في غير بلاد المسلمين؟

كل ما سبق كانت أسئلة لا تدور إلا في رؤوس النخب والخواص، فإذا بها أسئلة على ألسنة طوائف أوسع من الناس الذين كانوا مغيبين بالفعل. 

4- أشعرت المقاطعة أفراد الشعب الواحد والأمة عمومًا أن للتجمع على هدف ورأي قيمة في حد ذاته، فما كان الفرد يتصور أنه بذاته كمستهلك فقير يستطيع أن يؤثر على كبريات الشركات العالمية التي تنشر الإعلانات تترجاه - وهو الإنسان الذي أشرب الذل والوهن والإحباط وعدم القدرة على التأثير - أن يتراجع عن موقفه. 

ثانيًا: أثر المقاطعة على السلطة:

لقد نشأ أغلب أهل السلطة على أن الشعوب ليس لها تأثير وأن السلطة قادرة على حشدهمفي يوم وصرفهم في ساعة، وصار كل حاكم يرمز لقوته الشخصية وتأثيره الشخصي بمقدرات بلده التي يحكمها.

ولا شك أن الحملات الإعلامية التي نراها في بلداننا المختلفة اليوم ضد المقاطعة أحيانًا بشكل صريح، وآخر بشكل ملتو ترجع إلى عاملين:

 عامل اقتصادي: عمالة النخب الإعلامية الصالح رؤوس الأموال الأمريكية والصهيونية عامل سياسي «وهو نطاق الحديث» والناتج عن عدم رغبة السلطة في وجود ما يسمى بالحركة الشعبية أو الرأي العام الذي إن توافق ورغباتها اليوم فقد يتصادم معها غدًا.

إنها تريد أناسًا ينامون بالأمر، ويصحون بالأمر، ولا شأن لهم بالقضايا العامة. 

هناك سلطة تخشى المقاطعة لكونها أداة بيد الجماهير وليست في أيدي حكام يلوحون بها متی شاؤوا ويضعونها في أغمادها متى أرادوا لذا ينظرون إلى المقاطعة نظرة المرتاب.

إن نسبة هبوط مبيعات الشركات المدرجة في قوائم المقاطعة تمثل بالنسبة للسلطة نسبة أهل الرأي داخل الشعوب لا أصحاب الرأي فحسب، وإنما أصحاب الرأي الذين عندهم القدرة على تحمل نتائج اختيارهم وهذا لمن يفهم قراءة المؤشرات جد خطير.

وهي كذلك فهم لمستوى تفكير الجيل الصاعد فهبوط مبيعات حلوى أطفال أمريكية مثلاً بنسبة ١٥% معناه أن ٤٠ % على الأقل من طلاب الجامعات بعد سبع سنوات من الآن سيكونون معارضين لنظام الحكم «وذلك باعتبار أن كل صاحب رأي هو في نظر السلطة معارض» معارضة فاعلة وليست معارضة نفسية أو مجرد إنكار بالقلب.

مصيبة السلطة في المقاطعة أنها بمثابة مظاهرة صامتة لا تصلح للتعامل معها أجهزة الأمن أو المخابرات أو الإجبار، فلا سبيل لوقفها إلا الإقناع والإقناع يحتاج إلى حوار والحوار هو نقطة ضعف السلطة التي لا تملك حجة مقنعة في عصر الإنترنت والفضائيات.

 مؤشرات المقاطعة كأحد مؤشرات الرأي العام «أو المؤشر الوحيد الموجود حاليًا» تضغط على السلطة كي توقف أدوارها التفريطية التي اعتادت على ممارستها، وهذا مما يوقعها في مأزق خطير مع الولايات المتحدة التي تطلب منها مستوى تفريط أعلى مما كانت تقدمه من قبل، لذا فليس على السلطة إلا أن تختار أحد طريقين أن تسير وراء أمريكا إلى النهاية ضد رغبة الشعوب دون مواربة، مع ما في ذلك من أخطار الصدام، أو أن تتوافق مع الشعوب مع ما يترتب على ذلك من أخطار مواجهة خارجية. 

.... لذا فإن كثيرًا من السلطات الآن في ورطة حقيقية بسبب التفعيل الشعبي الذي أحدثته المقاطعة.

الرابط المختصر :