العنوان الأحكام الشرعية والتلوث البيئي
الكاتب د. مسفر بن علي القحطاني
تاريخ النشر السبت 07-نوفمبر-2009
مشاهدات 70
نشر في العدد 1876
نشر في الصفحة 66
السبت 07-نوفمبر-2009
للحفاظ على البيئة من الفساد، جاءت أحكام شرعية كثيرة تهدف إلى تحقيق هذا المقصد الشرعي، وهي أحكام تلتقي كلها عند ذات المقصد، وإن كانت تصل إليه من زوايا مختلفة، فمن حفظها من التلف إلى حفظها من التلوث، إلى حفظها من السرف الاستهلاكي، إلى حفظها بالتنمية المستديمة.
علمًا بأن الأحكام الشرعية الواردة في هذا الشأن لم تكن مفصلة بصفة مباشرة بما قد يتصور البعض أنها قوانين قد وضعت خصيصًا لمعالجة الأزمة البيئية الراهنة، وإنما هي إشارات وتنبيهات وتوجيهات تنحو أحيانًا منحى التعميم، وتنحو أحيانًا أخرى منحى التفصيل، ولكنها تهدف كلها إلى تأسيس ثقافة بيئية تعصم التصرف الإنساني من الاعتداء على المحيط الطبيعي بالفساد في أي وضع كان فيه، وفي أي مستوى حضاري وصل إليه «كما قرر ذلك د. عبد المجيد النجار ووافقه بعض المعاصرين».
لهذا يجدر بالفقهاء المعاصرين توضيح معالم هذا المقصد الشرعي الحافظ لبيئة الإنسان من الاختلال، وذلك بالاستدلال والتأصيل الفقهي لحفظ البيئة من جهة الوجود ومن جهة العدم، وأعتقد أن جعل هذا المقصد من ضمن الكليات الكبرى بات من الضرورات المعاصرة؛ نتيجة لحجم الهلاك والدمار والفوات الديني المترتب على تضييع هذا المقصد البيئي الذي لا ينفك عن مصالحه أحد، ولا يفلت من أضراره أحد.. فمنع الغازات السامة، وإغلاق المصانع المخالفة من القضايا الرئيسة في هذا الحفظ كما يجب على الفقهاء التوعية والتوجيه الشرعي بضرورة حماية الماء والهواء والتربة من أي تلوث يهدد سلامة الإنسان في الحياة، وتشجيع بدائل الطاقة الصديقة للبيئة، والاعتدال في الاستهلاك، ومنع السرف في الموارد البيئية، وتحريم وتعزير المخالفين في ذلك قضائيًا وتنفيذيًا.
وهذه البادرة الفقهية سبق إلى مثلها بعض الأصوليين، عندما قدروا المقاصد بالنوع الموضوعي دون التحديد العددي، ومع وجود التداخل النسبي بينها، إلا أن تلك المبادرات المقاصدية أعطتها أهمية وحضورا في الخطاب الديني، وقد سبق لشيخ الإسلام ابن تيمية توسيع الدائرة في بيان المقاصد العامة بدلًا من حصرها، كذلك فعل ابن فرحون في المقاصد الضرورية بتقسيمها إلى أقسام ما شرع من العبادات لتحقيق العبودية، أو لبقاء الإنسان، أو لتحصيل المبادلات أو لمكارم الأخلاق، وقد أضاف بعض المعاصرين «كابن عاشور، وجمال الدين عطية، وعز الدين بن زغيبة وغيرهم» جملة من المقاصد مثل العدل، والمساواة، والحرية، والحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأبلغها بعضهم إلى أربعة وعشرين.
ولا أظن أن المقصود هو الذكر وبيان الأهمية، بل يكمن العمل الرائد من خلال التطبيقات العملية في تنزيل العمل بهذا المقصد على ميادين الحياة، وربط العمل به مع تلك المستجدات والنوازل والمقصد البيئي يعج بالأحكام التي تنتظر الفقهاء للحكم فيها والفصل في بيان العمل الراشد لحفظها وتوعية الناس بواجباتها وحقوقها.
وفي تجربة سلف الأمة ونصحهم في مجال البيئة خير دليل على تطوير هذه البادرة وتوسيع نطاق البحث في مجالاتها المتنوعة، فقد أورد د. أحمد فؤاد باشا في دراسة له أن التراث الإسلامي يزخر بمؤلفات عديدة حول البيئة وسلامتها من جوانب مختلفة، فعلى سبيل المثال، ألف الكندي «رسالة في الأبخرة المصلحة للجو من الوباء»، و «رسالة في الأدوية المشفية من الروائح المؤذية»، ووضع ابن المبرح كتابًا سماه «فنون المنون في الوباء والطاعون»، وتكلم ابن سينا بالتفصيل في كتابه «القانون» عن تلوث المياه ومعالجته، وعن طبيعة الماء والهواء المؤثرين في المكان عند اختيار موقع ما للسكنى.
وألف الرازي «رسالة في تأثير فصل الربيع وتغير الهواء تبعًا لذلك»، وأبان أبو مروان الأندلسي في كتابه «التيسير في المداواة والتدبير» عن فساد الهواء الذي يهب من المستنقعات والبرك ذات الماء الراكد، وجاء في كتاب «بستان الأطباء وروضة الألباء» لابن المطران الدمشقي ما يؤكد ضرورة مراعاة تأثير البيئة عند تشخيص المرض في بلد ما، أن ينظر في وضع المدينة، ومزاج الهواء المحيط بها، والمياه الجارية فيها والتدبير الخاص الذي يستعمله قوم دون قوم وهذه رؤية متقدمة في «علم الطب البيئي»، كما صنف محمد بن أحمد التميمي في القرن الرابع الهجري «العاشر الميلادي» كتابًا كاملًا عن التلوث البيئي وأسبابه وآثاره وطرق مكافحته والوقاية منه، وفصل الحديث فيه عن ثلاثية الهواء والماء والتربة وتبادل التلوث بين عناصرها وجعل عنوانه: «مادة البقاء في إصلاح فساد الهواء والتحرز من ضرر الأوباء».
وفي الختام؛ أجد أننا أمام تحد طبيعي وبيئي يحتاج إلى العمل المشترك للأخذ على يد الظالم للحياة والأرض بالكف والمنع وتحصين البيئة من تلك الشرور، كما أن التحدي الفكري يحتاج إلى همم الفقهاء للنهوض بالفقه التشريعي لمواكبة تلك المتغيرات وعلاج تلك النوازل والمستجدات تعبدًا للخالق وإصلاحًا لحياة الخلق وقيامًا بواجب الاستخلاف في الأرض.