; صرخات العالم حول البيئة: الكون والبشرية في خطر.. فمن السبب؟! | مجلة المجتمع

العنوان صرخات العالم حول البيئة: الكون والبشرية في خطر.. فمن السبب؟!

الكاتب د. علي محيي الدين القرة داغي

تاريخ النشر الثلاثاء 14-نوفمبر-1995

مشاهدات 70

نشر في العدد 1175

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 14-نوفمبر-1995

● الحروب في العالم الثالث فكرةً وتخطيطًا وإخراجًا وإنتاجًا من صنع الغرب.

في الوقت الذي احتفل العالم بيوم البيئة العالم في شهر «أكتوبر» الماضي، يعاني العالم من مشكلات بيئية خطيرة، ومن التلوث البيئي في أكثر المجالات مثل تلوث المياه، والبحار، وتلوث الجو والهواء، وتشوه الأطفال والجينات، واضطراب الطبيعة، والتلوث الحرارين، والتلوث الغذائي، وما ترتب على ذلك من أثار سلبية على صحة الإنسان، والموارد المائية والبشرية، والحيوانية، إضافة إلى مشاكل التصحر وطبقات الأوزون وغير ذلك، مما يهدد البشرية بالهلاك والدمار والفناء.

وقد أطلقت منظمة التربية والعلوم والثقافة «اليونسكو» عام 1970م، صرخة أن كوكبنا في خطر التلوث، وكانت صرخة المجلس الأوروبي في العام نفسه هي أن البشرية في خطر، ثم كانت صرخة الأمم المتحدة عام 1972م، أن عالمنا في تدهور مستمر بسبب التلوث.

وقد عم التلوث معظم مجالات الحياة من جو، وبر، وبحر، وهواء، وفضاء، وترتبت على ذلك آثار خطيرة على صحة الإنسان، حيث ظهرت بسببه مئات من أنواع الأمراض الخطيرة مثل السرطان، والتشوه في الجينات، وكذلك أثرت في المياه والبحار من حيث تقليل الكائينات الحية، وغور المياه العذبة نفسها بسبب المطر الحامض والمطر الأصفر اللذين يترتبان على تلوث الجو، كذلك أثرت في تدهور التربة والزراعة، وفي تسمم الغذاء وغير ذلك، ولا أريد هنا الدخول في تفاصيل ذلك، حيث توجد في مئات من الكتب والبحوث القيمة حول البيئة ومنها كتب أ. د سعيد الحفار، وإنما أريد أن أركز على الأسباب التي أدت إلى ذلك، وموقف الإسلام من البيئة.

أسباب تدهور البيئة وتلوثها

يذكر علماء اليبئة أن أسباب تدهور البيئة وتلوثها تعود إلى ما يأتي:

1- التفجيرات النووية.

2- الأسلحة الكيماوية، والجرثومية والبايلوجية.

3- المصانع والمحطات الكهربائية.

4- عوادم السيارات ووسائل النقل البرية والبحرية والجوية.

5- استهلاك الطاقة.

6- النفايات ودفنها.

7- المواد الكيماوية المضافة إلى الأغذية للحفظ أو غيره.

8- المبيدات لحشرية كمادة D.D.T والأسمدة الكيماوية.

9- الحروب والصناعات الحربية.

فهذه الأسباب ما عدا السبب الأخير «الحروب» نحن المسلمين ليس لنا دور في صنعها، فنحن- مع الأسف الشديد- لا نستطيع إلى الآن صنع ماتور واحد للطيارة، ولا للنفاثة، ولا للصاروخ، ولا للثلاجة، وإنما يصنعها الغرب، أو الشرق، ومن هنا فالغرب هو المسؤول عن ذلك مسؤولية كاملة، إذ إنه بدافع الحرص والجشع لم يبال بالبيئة، وبدافع الاستعلاء لوث البيئة من خلال التفجيرات النووية، وصناعة الأسلحة الجرثومية والكيماوية والبايلوجية.

والحقيقة أن الغرب يسخر لأجل مصالحه، واستعلائه، واستكباره، ورفاهيته، وتقدمه كل ما يمكن تسخيره واستغلاله مع قطع النظر عما يترتب عليه من نتائج سلبية، أو آثار خطيرة على الغير، فقد حاولت الأمم المتحدة منع إنتاج الألغام بسبب ما ترتب عليها من قتل، وإعاقة، وتشويه لعشرات الملايين ضحايا الألغام، وعقدت لذلك عشرات من الاجتماعات والندوات والمؤتمرات انتهت إلى عدم موافقة الدول المنتجة على منع الإنتاج بسبب مصالحها المادية ومصانعها.

بل إن الغرب يستغل- كما يقول جارودي الفيلسوف المسلم الفرنسي- ثلاث قارات «آسيا، وإفريقيا، وأمريكا الجنوبية»، لصالحه، وكم من مئات بل آلاف، بل عشرات الآلاف ماتوا في المناجم لأجل التصنيع الغربي.

وأما السبب الأخير- أي الحروب- فنحن المسلمين والعالم الثالث، وإن كنا أبطالها، ولكن الفكرة والتخطيط والإخراج والإنتاج، كل ذلك من صنع الغرب، والاتحاد السوفييتي السابق فقد وقعت بعد الحرب العالمية الثانية إلى يومنا هذا حوالي أربعمائة حرب في العالم الثالث، ومنه عالمنا الإسلامي وراح ضحيتها الملايين من البشر، ومئات المليارات من الدولارات، ناهيك عما ترتب عليه من أمراض ومصائب وآلام لو نظرت في أسبابها الحقيقية، وما يكمن وراءها، ومن يقف خلفها لتجد بكل سهولة أن الاستعمار الغربي هو السبب.

نحن ندفع الجزية مرتين:

والأغرب من ذلك كله أننا نحن في العالم الثالث ندفع الجزية للغرب من ناحيتين:

الأولى: من الناحية البدنية، حيث إن معظم أمراض العصر من السرطان والأمراض العصبية والنفسية تعود معظم أسبابها إلى تلوث البيئة الذي يعود سببه إليه.

الناحية الثانية: أننا ندفع من مواردنا الكثير والكثير بسبب التلوث سواء كان ذلك يعود إلى التصحر، وغور المياه العذبة، ونقصان أنواع الحيوانات التي تقل بسبب التلوث في كل عام حوالي مائة نوع، أو إلى ما يأخذه الغرب، أو يريد ن يأخذه منا كضريبة الكربون.

فالغرب بمصانعه وتصرفاته يلوث الجو، والبيئة، والهواء، والبحار، ونحن ندفع ضريبة على ذلك.

موقف الإسلام من البيئة

يعالج الإسلام هذه القضية ويؤصلها من ناحية فكرية وعقدية، وذلك من خلال أن هناك علاقة وثيقة جدًّا بين الإنسان والبيئة، فالإنسان قد خلق من البيئة من أرضها ومائها، إذن فهي الأب والأم، وقد دلت على ذلك آيات كثيرة وأحاديث كثيرة، ومن هنا فمن واجب الوفاء والبر والإحسان إلى هذا الأب والأم وأنه من العقوق إيذاؤهما.

هذا من جانب، ومن جانب آخر جاءت التشريعات الإسلامية لتؤكد ذلك، فقد أكد القرآن الكريم أن هذا الدين دين الرحمة، وأن رسوله رحمة للعالمين، وليس رحمة للإنسان فقط، بل هو رحمة لجميع العالم بأرضه، وسمائه وبحاره، وهوائه، ونباته، وحيواناته، وكل ذارته، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:107)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا الرحمة المهداة»، إضافة إلى صفات الرحمة والرأفة لله تعالى.

فهذه الرحمة تقتضي الرحمة بالبيئة وعدم الإضرار بها، وعدم إيذائها، ولذلك كانت وصية الرسول- صلى الله عليه وسلم- والخلفاء الراشدين للقواد المجاهدين: «أن لا تقطعوا شجرًا ولا زرعًا، ولا تحرقهما...»، وهذا يعني عدم جواز الإضرار بالبيئة حتى في الحورب المقدسة، إلا عند الضرورة القصوى، ولذلك فمن وصف المؤمن أنه رحيم بكل مخلوق، ومن وصف الكافر أنه ظالم مفسد، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (البقرة:205).

بل إن تعاليم الإسلام في الحفاظ على النظافة والطهارة لكل شيء، للملبس، والأرض، وعدم التبول في الماء الراكد، وإماطة الأذى عن الطريق... كل ذلك وغيره ينصب على الحفاظ على البيئة.

انسجام المسلم مع البيئة

إضافة إلى ما سبق فإنه هناك عنصرًا آخر من عناصر الانسجام بين المسلم والبيئة، من حيث أن كلًّا منهما طائع لله تعالى، فالكون كله طائع لله تعالى ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (فصلت: 11)، والمؤمن كذلك طائع لله تعالى، أما الكافر فهو غير طائع لله تعالى، وغير وفي لخالقه، فكيف يكون وفيًّا للمخلوق؟ وهذا ما يشير إليه قوله تعالى في حق الكفرة الظلمة ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ (الدخان: 25: 29).

لماذا لم تبك السماء والأرض على هؤلاء الكفرة الظلمة؟ لأنهم كانوا ظالمين لأنفسهم ولعهدهم مع الله تعالي، وظالمين للأرض والبيئة، ومؤذين لها، ولم يفكروا إلا في سعادتهم الدنيوية، ولو على حساب الآخرين، ولذلك لعنتهم السماء والأرض، في حين أن الآية تشير إلى أن السماء والأرض تبكيان على المؤمنين إذا ماتوا، وعلى الحضارة الإيمانية الربانية، إذا انتهت، فالحضارة الغربية اليوم على الرغم مما فيها من عناصر إيجابية لكنها حضارة مادية أنانية، لا ينظر أصحابها إلا إلى مصالحهم.

تلوث النفس وتطهيرها: إذا كان علماء الغرب يحصرون مجالات البيئة في مجالين:

1- المجال الطبيعي المتمثل في النبات، والحيوان، والأرض، والبحار، والهواء، والماء.

2- المجال الاجتماعي المتمثل في النظم الاجتماعية، والمنتجات الصناعية التي ابتدعها الإنسان لصالحه.

فإنني أعتقد أن مجالات البيئة في النظر الإسلام تشمل هذين المجالين، إضافة إلى مجال ثالث أهم منهما، وهو مجال النفوس والقلوب، أو ما يمكن أن نسميه باليبئة الداخلية للإنسان، وقد رأينا أن جميع ما حدث للبيئة إنما هو بسبب الإنسان نفسه، وهذا ما بينه القرآن الكريم ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم: 41).

ومن أخطر أنواع التلوث هو تلوث النفوس والقلوب، وذلك بأن تمتلئ بالحقد والكراهية، وبالأنانية والميكافيلية والمصلحية، كما نرى ذلك على مستوى معظم الأفراد، والحكومات، وبالأخص الحكومات الغربية التي تضحي بكل شيء في سبيل مصالحها، وكم تخطط للحروب الداخلية بين الدول لتستطيع بيع سلاحها وما تنتجه مصانعها؟ وكم تنتج من أسلحة الدمار الشامل في سبيل استعلائها وطغيانها؟ وكم تقوم ببيع المواد الكيماوية والبيلوجية والجرثومية لأجل الحصول على الأموال؟

ولذلك فالعلاج الحقيقي يكمن في إصلاح النفوس علاجًا جذريًّا، وذلك لا يمكن تحقيقه إلا من خلال التربية الإسلامية.

ما دورنا أمام البيئة؟

إننا نحن المسلمين تقع علينا مسؤولية كبيرة أمام الله تعالى حول ما حدث للبيئة، لأننا تركنا دورنا ورسالتنا، وأصبحنا بدون دور يذكر فيما يحدث لنا وبيئتنا، لذلك علينا ما يأتي:

1- أن نقدم إلى العالم موقف الإسلام من البيئة بصورة عميقة وواضحة.

2- أن نقدم الدراسات والبحوث الجادة لعلاج مشكلات البيئة والتلوث البيئي.

3- أن نقوم بوضع سياسات جادة هادفة مرحلية واستراتيجية لعلاج هذه المشكلة الخطرية التي تهدد الجميع.

4- أن نقوم حقًّا بتربية النفوس على الطهر والعفاف والمحبة، وأن نطهرها من جميع أنواع التلوث النفسي من حقد وكراهية وظلم وأنانية.

5- وأخيرًا علينا نحن المسلمين أن يكون لنا دور فيما يدور حولنا، وذلك لا يمكن ان يتحقق إلا بوحدة الكلمة والصف والمواقف والتوجه.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1142

91

الثلاثاء 21-مارس-1995

المجتمع الأسري- العدد 1142

نشر في العدد 417

76

الثلاثاء 24-أكتوبر-1978

الأسرة: المجتمع (417)

نشر في العدد 609

67

الثلاثاء 22-فبراير-1983

توزيع الثروات ومحاربة تكديسها