العنوان الأحنف بن قيس.. الناصح الأمين
الكاتب عصام أبو الدهب
تاريخ النشر السبت 24-نوفمبر-2007
مشاهدات 80
نشر في العدد 1778
نشر في الصفحة 42
السبت 24-نوفمبر-2007
رجل قصير القامة، ضئيل الجسم أصلع الرأس متراكب الأسنان، مائل الذقن منخسف العينين (أي غائر العينين)، أحنف الرجلين (أي معوج الرجلين إلى الداخل) وخلاصة القول إنه ما من عيب إلا وله منه نصيب، لا تكاد العين تراه حتى تستصغره وتزدريه. ولكن هذا الرجل بلغ مكانة عالية بين قومه، فكلمته مسموعة وأمره مطاع، ونصيحته مقبولة.
بلغ من مكانته أن قال فيه الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه «إن هذا الغلام والله هو السيد، وإنه سيد أهل البصرة» وهو ما زال بعد شابًا يافعًا، وقال عنه أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه: «هذا الذي إذا غضب غضب له مئة ألف من بني تميم لا يدرون فيم غضب؟». وقال فيه زياد بن أبي سفيان: «إنه بلغ من الشرف والسؤدد ما لا تنفعه الولاية، ولا يضره العزل» فمن هذا الذي بلغ القمة وأصبح سيد قومه؟
إنه أبو بحر الأحنف بن قيس سيد بني تميم، وأحد أفذاذ العرب وفرسانهم ولد الأحنف في السنة الثالثة قبل الهجرة وسماه والده الضحاك غير أن الناس ما لبثوا أن لقبوه بالأحنف لاعوجاج شديد في رجليه، ثم غلب اللقب على الاسم وكان والد قيس من أواسط الناس فلم يكن غنيًا ولا من كبار القوم أو حتى من ذوي المكانة فيهم، قتل وما زال الأحنف طفلًا لم تتحرك قدماه بعد هذه الخطوط العريضة لحياة الأحنف التي عاشها كثير من الناس. ولكنهم لم يبلغوا هذه المنزلة ولم يمدحوا بهذا المدح.
فما السر وراء هذا الرجل النبيل؟ وما صفاته وخصائصه التي أهلته لأن يكون
سيد قومه، مستشارًا أمينًا عند الخلفاء والولاة والأمراء؟
صفات حميدة
لقد كان الأحنف بن قيس بليغًا فصيح اللسان، فارسًا مقدامًا شجاعًا، عالى الهمة، دينًا صوامًا قوامًا، حليمًا كريمًا جوادًا .
هذه الصفات جميعها كانت في كثير من أقرانه ولكنهم وقفوا عندها وما بلغت بهم ما بلغه الأحنف من مكانة ومنزلة، فما السر الذي جعل الخلفاء والأمراء وكبار القوم والناس يسمعون له ويستجيبون لرأيه ومشورته؟
بعد قراءة متفحصة في سيرة الأحنف نلحظ أن الصفة التي بلغت به هذه المكانة هي إجادته فن المناصحة والمشاورة بأمانة وصدق، فلقد كان الرجل يكن في نفسه حبًا عميقًا لقومه، يحب لهم الخير ويبحث عن مصالحهم، وهو قبل ذلك كله يجيد فن إيصال الرسالة إليهم، بحيث تقبلها عقولهم وقلوبهم بنفس راضية مطمئنة ويدل على ذلك دلالة أكيدة مواقف من حياته ذكرها المؤرخون.
تأثيره على قومه
فقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم بداعية يدعو قوم الأحنف وجماعته إلى الإسلام، فاجتمع بهم وحثهم على الدخول فيه شارحًا لهم مبادئه وقيمه وأخلاقه، وكانوا في البداية مترددين في قبول الإسلام يريدون كلمة هادية ترشدهم فبادر الأحنف وكان ما يزال شابًا في مقتبل العمر، فقال: يا قوم مالي أراكم مترددين تقدمون رجلًا وتؤخرون رجلًا؟! والله إن هذا الوافد عليكم لوافد خير، وإنه يدعوكم إلى مكارم الأخلاق وينهاكم عن ملائمها (أي: سيئها) والله ما سمعنا منه إلا حسنًا، فأجيبوا داعي الهدى تفوزوا بخيري الدنيا والآخرة. فما لبثوا أن أسلموا، فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بما كان منه دعا له بالمغفرة فقال: «اللهم اغفر للأحنف»، أما الموقف الآخر فهو يؤكد ما قررناه من أن الرجل كان شفوقًا على قومه محبًا لهم الخير، يجيد فن الإقناع، وهذا ما جعل عمر الفاروق رضي الله عنه يبقيه عنده حولًا كاملًا ليبلوه ويختبره وبعد مرور الحول قال له: يا أحنف إني قد بلوتك وخبرتك وخبرت علانيتك فلم أر إلا خيرًا، وأنا أرجو أن تكون سريرتك مثل علانيتك، وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن انظر الأحنف فأدنه وشاوره واسمع منه.
فصاحة وأمانة
كما أرسل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى عتبة بن غزوان رضي الله عنه يأمره أن يرسل عشرة من صلحاء عسكره وأحسنهم بلاء في القتال ليقف على أحوال الجيش ويعرف منهم خبره فاستجاب عتبة وأرسل العشرة ومنهم الأحنف، فلقيهم عمر بأحسن اللقاء، وسألهم عن أحوال الجيش وحوائج الناس وحوائجهم، فتكلموا جميعًا كل يتكلم فيما يخصه، قائلين: «أما عامة الناس فأنت وليهم وصاحب شؤونهم، وأما نحن فنتكلم عن خاصة أنفسنا.. ثم طلب كل واحد منهم حاجته حتى جاء دور الأحنف وكان آخرهم لصغر سنه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا أمير المؤمنين إن جند المسلمين الذين حلوا في مصر قد نزلوا في الخضرة والنضرة والخصب من منازل الفراعنة، وإن الذين حلوا في ديار الشام قد نزلوا في الرغد والثمار والرياض من منازل القياصرة، وإن الذين حلوا في ديار الفرس قد نزلوا على ضفاف الأنهار العذبة والجنان الوارفة من منازل الأكاسرة ولكن قومنا الذين حلوا في البصرة قد نزلوا في أرض هشاشة نشاشة (أي لينة مالحة ولا تنبت زرعًا) لا يجف ترابها، ولا ينبت مرعاها أحد طرفيها بحر أجاج وطرفها الآخر فلاة قفر».
ثم تابع الأحنف كلامه وطلبه فقال: «فأزل يا أمير المؤمنين ضرهم، وأنعش حياتهم، ومر واليك على البصرة أن يحفر لهم نهرًا يستعذبون منه الماء ويسقون النعام والزرع فتحسن حالهم، ويصلح عيالهم.. وترخص أسعارهم.. ويستعينون بذلك على الجهاد في سبيل الله«.
رأي سديد، وحجة بينة استطاع بها الأحنف أن ينقل رسالة قومه إلى خليفة المسلمين، فنظر إليه معجبًا، وعندما قدم عمر إلى الوفد جوائزهم وقدم للأحنف جائزته، قال له: والله يا أمير المؤمنين ما قطعنا إليك الفلوات ولا ضربنا للقائك أكباد الإبل في البكور والعشيات لنيل الجوائز.. وما لي حاجة لديك إلا حاجة قومي التي ذكرت.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل