; رحماء بينهم | مجلة المجتمع

العنوان رحماء بينهم

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 07-يناير-1997

مشاهدات 75

نشر في العدد 1233

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 07-يناير-1997

نقوش على جدار الدعوة

المؤمنون كالجسد الواحد، وكل فرد وكل جماعة في الأمة تحتل مرتبة العضو من الجسد يألم الجسد لألمه، ويبأس لبؤسه، وينعم لسعده، ذلك أن الإيمان قوة تدفع المؤمنين نحو التواصل والتعاون والتناصر، وتبعد عن قلوبهم أمراض الأحقاد والحسد والضغائن وتقيم الحياة الاجتماعية على أسس ملؤها الحب والتقدير والتعفف والمشاركة في السراء والضراء، فتتوثق بينهم الروابط، وتتأثر الأواصر، فيكونون كتلة واحدة أو جسمًا موحدًا يصدق على مجتمعهم قول الله سبحانه: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ (الفتح: 29) ويؤدى التراحم بينهم إلى جعل العلاقة بينهم تزاد تلاحمًا وتماسكًا، لأنها علاقة ربانية خلصت الصلة فيها لله.

ويفوز بالسبق في هذه العلاقة الربانية من كان ألينهم عريكة، وأقلهم تكلفًا وأخفضهم أكنافًا، ومن كان هينًا لينًا كالجمل الأنف، إذا اقتيد انقاد، واذا استنيخ استناخ، يسارع في حاجة إخوانه، يلم شعثهم ويقوي ضعيفهم وينصر المظلوم بينهم، يبادر الى الطاعات، ويسابق إلى المكرمات، ولن يكون كذلك إذا وجد حلاوة الإيمان في قلبه، وأدرك لذة الطاعة والعبادة، وكان من الراكعين المساعدين الذين يبتغون الفضل من الله وحده، ويتعلقون به لا بغيره، تنساب دموعهم على خدودهم من خشية ربهم، يتهجدون في الليل بينما الناس نيام ويكثرون السجود بين يدي ربهم، لينتصروا على أنفسهم، عاملين بوصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أعنِّي على نفسك بكثرة السجود»، وحين ينتصر المؤمن على نفسه، فيكفرها عن هواها يكون قد وضع قدمه على طريق الوحدة مع إخوانه، الذي به قوة المؤمنين، إذ كل الفتن والجراح مردها إلى حب الانتصار للنفس، الذى إن تحقق مزق الوحدة وأخل بقوتها، وإن لم يتحقق جعل في باطنها جراحًا لا تندمل بل مستعدة للانفجار وإثارة الآلام في أي وقت، وتخلصًا من ذلك، ينبغي أن نُلقي الانتصار للنفس خلف ظهورنا فلا نلتفت إليه، وأن نجعل هدفنا مرضاة الله، وكثرة السجود باب موصلة الى مرضاته سبحانه، فهل نكثر من السجود؟ وهل نقضي على الأثرة حتى يلتئم الصف ويلتحم؟ إن الذين أكثروا من السجود لله يمنعهم إيمانهم وطاعتهم لربهم من أن يأكلوا لحوم إخوانهم بالغيبة أو النميمة أو السعاية، لأن قلوبهم عمرت بالإيمان فقويت على الجوارح فألجمتها عن الحرمات، ومنعتها السيئات، وجعلت بين اللسان وآفاته حاجزًا لا يُخترق، فلا يتكلم أحد في حق أخيه بما فيه مخالفة شرعية، ولا يذكر أخاه في غيبته بما يكره وإن كان فيه ما يقول، ليحمى بذلك نفسه من الوقوع في دائرة قول الله ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيْهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ (الحجرات: 12) فمتى تغلق أبواب الشر وتفتح أبواب الخير؟ 

الرابط المختصر :