العنوان الحضور الإلهي المطلق
الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي
تاريخ النشر السبت 03-يوليو-2010
مشاهدات 68
نشر في العدد 1909
نشر في الصفحة 66
السبت 03-يوليو-2010
يتساءل البعض قائلاً: إذا كان التاريخ يتشكل حسب سنن أوجدها الله تعالى في خلقه، فما دور الإرادة الربانية، مع وجود هذه السنن، في صناعة التاريخ ؟ ألسنا بذلك نقترب من بعض "المؤمنين الساكنين" agnosities القائلين بأن الله سبحانه وتعالى، كصانع ساعة متقنة؛ أودع فيها نظاماً دقيقاً، ولكنه بعد ذلك تركها لتعمل بمقتضيات صنعها وصيانة مستخدميها ؟
والجواب: إن هذه مسألة شديدة التعقيد تتداخل مع قضية القدر والحرية في المنظور الإسلامي، والديني ،عموما، ولكنها في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم- على أية حال- تتلقى دفقاً من الإضاءات وحالات التوازن والتكامل بين إرادة الله سبحانه وفاعليته في التاريخ وبين الجهد البشري، فليس ثمة تعارض أو تضاد على الإطلاق في المنظور الإسلامي، حيث يعمل الإنسان في التاريخ وفق أكثر من مستوى، وليس مستوى واحداً.. فمثلا
1- الالتزام بهذي الله المتمثل في الوحي وإعادة صياغة الحياة وفق مفرداته، ها هنا حيث يلتقي المنهج الإلهي بالفعل الإنساني في صياغة التاريخ.
٢- التمرد أو الانشقاق أو العصيان برفض المنهج الإلهي واعتماد مناهج وضعية حيث يرتجل الإنسان فعله التاريخي - إذا صح التعبير - وهو يحمل حرّيته المطلقة في خياره هذا، وعليه - بالتالي - أن يتحمل تاريخيا نتائج موقفه.
3- السنن الإلهية في النفس والطبيعة تنبض دائماً بالحضور الإلهي خلقا وشهودا، فليس ثمة غياب لهذا الحضور، بحجة أن آليات السنن قد استكملت أسبابها، وأن دولابها أخذ يدور بعيداً عن الرقابة الإلهية!
إننا بمجرد أن نرجع إلى كتاب الله سنجد أنفسنا - عبر شبكة من الآيات البينات - قبالة هذا الاتصال ذي "الديمومة" الأبدية بين الله سبحانه وبين خلقه، وبينه وبين النواميس التي أريد لها أن تنظم صيرورة هذا الخلق.
٤- والأسباب ليست نهائية وهي لا تترتب - بالضرورة - على مسبباتها وفق عقيدة حتمية تخضع
النتائج للمقدمات، ومن ثم فإننا نجد كيف أن المعجزة، التي هي خرق للناموس في الأنفس والآفاق كثيراً ما تجيء لكي تضرب هذا التصوّر الخاطئ، فالله - جل في علاه - هو فوق التاريخ وليس في التاريخ، ولكنه في المنظور الإسلامي المتوازن لا يغيب- سبحانه - عن الصيرورة التاريخية التي يهيمن عليها على مستوى الفعل والزمن، بدءًا بنبض القلب الذي يخفق بنواميس البيولوجيا والفسيولوجيا، ولكنه في الوقت نفسه يظل معلقا بين "إصبعي الرحمن".. وانتهاء بمسارات النجوم والسدم والمجرات الكبرى التي تخضع لنواميسها الخاصة المنضبطة التي ركزها الله فيها، ولكنها - في الوقت نفسه - تنفجر حينا، وتتمدد حينا آخر وتتجمع حيناً ثالثاً بكلمة الله وقيمومته التي تقول للأشياء والموجودات كوني فتكون، مروراً بخفقان "البروتونات" و"النيوترونات" و"الشحنات" و"الفوتونات" في الجزيئات والذرات، والتي تبين في معطيات الفيزياء الأكثر حداثة كم أنها تنطوي على الاحتمالات التي يصعب معها إخضاعها للنظام بشكل مطلق.
5- وأخيراً، وليس آخراً، وبالإيجاز المطلوب لنتذكر كيف أنه في المنظور القرآني ما من شيء إلا ويسبح بحمد الله، ونحن لا نكاد نفقه هذا التسبيح الذي ربّما يريد أن يقول لنا: إن الساعة الكونية لا تعمل بمعزل عن الله "على طريقة الأكنوستيين"؛ لأنها صنعت بإحكام ولكنها تظل تخفق قبالة الحضور الإلهي الجليل الذي يمضي لكي يغطي بفاعليته وقيمومته الكون كله: المجرات والسدم والنجوم.. مرورا بتخلق الأجنة في بطون الأمهات، وقيام الدول والحضارات واتساعها وانكماشها وأفولها ، وصولا إلى حبل الوريد الذي ينبض فينا ولله - جل في علاه – "المثل الأعلى".
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل