العنوان الشعر والتاريخ
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يوليو-1988
مشاهدات 110
نشر في العدد 876
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 26-يوليو-1988
يمكن أن يقال الكثير عن علاقة الشعر بالتاريخ، فالمسألة تحمل وجوهًا عديدة من القول... وطبيعة الحوار بين هذين الطرفين لیست مسطحة بسيطة ولكنها معقدة مركبةتتضمن العديد من الطبقات.
إنما في ملاحظة موجزة كهذه يمكن أن يكتفي المرء بالتأشير فحسب على بعض أوجه العلاقة تلك.
فالقصيدة ولا ريب تخدم الحقيقة التاريخية من حيث إنها تجيء بمثابة شهادة عيان على جانب من الواقعة التاريخية بسبب من معاصرتها إياها، ومن حيث إنها لا تكتفي -كما يفعل الشاهد التاريخي في كثير من الأحيان- بالوقوف عند ملامح الوجه في الواقعة.. قياس الطول والعرض.. ومعاينة الأبعاد المنظورة بل هي تتجاوز السطح صوب الأعماق لكي تحدثنا عما يجري هناك فتضيف للمنظور بعدًا ثالثًا نحن بأمس الحاجة إليه لتقييم الواقعة بشكل أكثر دقة وموضوعية، من أجل معرفة ثقلها الحقيقي، لا سيما وأن الذي يصنعها في معظم الأحيان هو الإنسان ذو الطبقات النفسية والأغوار!
ثم إن القصيدة تقدم للباحث سيلًا من الجزئيات في الزمن والمكان، والشخوص والعلاقات، قد لا تقدم الرواية التاريخية عشر معشارها بل قد لا تهتم بها أساسًا. فالحضور الشعري في قلب الحدث يحقق تغطية أكثر امتدادًا وأغنى مادة مما تقدمه المعاينة التاريخية وذلك بسبب من طبيعة التجربة الشعرية وتعاملها مع هذا الحشد من الجزئيات أو تلك..
إذن فإن العمل الشعري بتميزه بالمعاصرة، والتوغل، والتغطية يمكن أن يسند الرواية التاريخية فيمد في حجمها طولًا وعرضًا وعمقًا، ويمنحها القدرة على الاقتراب أكثر من نسيج الواقعة وطبيعة تركيبها.
لكن هذا كله لا يمثل سوى جانب الإيجاب من المسألة. وهنالك بالضرورة جانب السلب الذي يحتم على الباحث أن يلتزم أقصى درجات الحيطة والحذر وهو يسعى لتوظيفالشعر في ميدان العمل التاريخي.
فإذا كان الشعر انعكاسًا «موضوعيًا» للعصر في بعض الأحيان، فإنه في الوقت نفسه انعكاس «للذات» وتعبير عنها بكل ما يعنيه ذلك من اعتماد للإمكانات اللغوية في تضخيم حجم «الصغير» ومد المحدود إلى مساحات بعيدة، وتجاوز لمطالب الصدق والأمانة في التعامل مع الموضوع والانجراف بدرجة أو بأخرى صوب نداءات الذات ورؤيتها الخاصة التي تتضمن عجالتها ونسبيتها وتحيزها ومنفعيتها، فلا تتعامل مع الواقعة إلا من خلال هذه القنوات التي قد تحاصر الحقيقة فتقتلها، وقد تدخن عليها فتشوها، هنالك حيث يرى الأبيض أسود والأسود أبيض أو رماديًا. هذا فضلًا عما في التجربة الشعرية من انفعالية موقوتة قد تبعد بالتعبير عن أن يكون تاريخيًا حقًا.
هل إن هذا الارتطام أو التناقض بين ذات الشاعر وبين الواقعة هو أمر محتوم؟
أبدًا، فإن ما مر بنا قبل قليل يرد هذه الحتمية ويمنح الشعر فرصة كبيرة لخدمة الحقيقة وتجليتها.
والذي يمكن الشعر أن يميل صوب الإيجاب ويبعد ما وسعه الجهد عن مظان السلب والتزييف إنما هو «الالتزام» في التعامل مع الموضوع، حيث يجد الشاعر نفسه مدفوعًا بقوة الإيمان إلى ألا يقول إلا الحق، ليس أبدًا على حساب الجمالية والإبداع، وإنما -فقط- التزامًا «بالصدق النقي» الذي يزيد العمل جمالية وإبداعًا.
وهكذا أيضًا ندرك ما تعنيه الآيات القرآنية الكريمة وهي بصدد الحديث عن تجربة الشعر في حالتي التفلت والالتزام: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (*) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (*) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (*) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ۗ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: ٢٢٤: ٢٢٧).
وإذا كنا قد أشرنا في أماكن أخرى إلى البعد الفني لهذا المنظور القرآني المتوازن للمسألة الشعرية فإننا نريد أن نؤشر هنا على إضافة أخرى يقدمها كتاب الله، تلك هي إنه بدعوته هذه يضع الشعر، أو يقربه بشكل أدق من الواقعة التاريخية فيجعله أكثر قدرة على معاينتها، وأشد صدقًا في التحدث عنها ونقلها للأجيال، الأمر الذي يجعل الشعر في وفاق مع التاريخ ويضع بين يدي المؤرخ ثروة منالمعلومات لا تقدر بثمن.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل