; حول معجزة الفتح | مجلة المجتمع

العنوان حول معجزة الفتح

الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي

تاريخ النشر السبت 27-ديسمبر-2008

مشاهدات 59

نشر في العدد 1832

نشر في الصفحة 66

السبت 27-ديسمبر-2008

القوة الهائلة التي دفعت العرب المسلمين إلى فتح العالم وتحدي جغرافيته تثير الدهشة، لكن هذه الدهشة سرعان ما تزول إذا عرفنا الدافع الكبير الذي كان يقف وراء هذه القوة ويشحنها، ويمدها بالوقود.

إنها العقيدة الانقلابية التي تتمحور عند شعار: «لا إله إلا الله»... هذا الشعار الذي يستأصل من نفس المؤمن ووجدانه وعقله كل صيغ التحكم والقهر والتردد والخوف والاستلاب، ويدفعه حرًا طليقًا لا يصده شيء أو قوة في هذا العالم.

تحرير حتى الأعماق من ظلال الصنميات والطاغوتيات.. وإيمان مطلق بأن الله سبحانه وحده هو الذي يحكم هذا الكون، ويتحكم في مصائره ومقدراته وأن الإنسان ما هو إلا ستار لقدرته وأداة لمشيئته، يفعل بها ما يشاء، ويوجهها حسبما يشاء، ويختم على مصيرها كما يشاء.

وليس الموت، أو الشهادة سوى حلقة، أو نقلة، أو لحظة عبور من حال إلى حال، ومن مرحلة إلى مرحلة في خارطة طويلة ممتدة مرسومة في علم الله.

من هنا كان الاندفاع الكبير، وبشعار «لا إله إلا الله» هذا الذي يملك القدرة على نقل الجبال من مواضعها كما يقول رجاء جارودي، في كتاب «وعود الإسلام»، تمكن الفاتحون من إزالة العروش والإطاحة بالأكاسرة والقياصرة، وتغيير خرائط الدنيا.. في مدى زمني قياسي..

والعجيب أن الفاتحين العرب ما كانوا يعرفون سوى القتال البري الذي تمرسوا على بعض أساليبه في الجاهلية والإسلام، ولكن الذي حدث أنهم استجابوا لتحديات الجغرافيا، وقاتلوا في الجبال والغابات والمستنقعات والبحار والأنهار وانتصروا..

يبدو أن شعار «لا إله إلا الله» لم يدفعهم فقط إلى الموت والشهادة، ويجعلهم يتسابقون إليهما، ولكنه علمهم أيضًا كيف يتعاطون مع الحالات المختلفة في جبهات القتال ويتفوقون عليها...

هذا هو السر الذي تنبض به العقائد والأديان.. إنها تدفع.. وتعلم... وتمكن من الاستجابة للتحديات في وقت واحد.. وبهذا تصنع الأعاجيب. 

ولنتذكر أيضًا أن الرسول القائد -صلى الله عليه وسلم- برؤيته الاستراتيجية الثاقبة حاول أن ينبه أصحابه وجنده إلى هذا.. إلى أنهم سيجدون أنفسهم مضطرين لممارسة صفوف من القتال قد تكون جديدة عليهم، فراح يؤكدها، ويدعوهم للتأهب لها وأخذ الاستعداد لمواجهتها...

ورغم أنه كان يمارس تدريبهم في المدينة في الأشهر الأولى للهجرة، حيث لم تكن دولة الإسلام قد تجاوزت أطراف (المدنية)، وحيث لم يكن الأمر يتطلب سوى خبرات القتال البري، فإنه ﷺ كان يحدث أصحابه ويحضهم على فنون القتال البحري ويقول غزوة في البحر خير من عشر غزوات في البر والمائد فيه كالمتشحط في دمه، ومن جاز البحر فكأنما جاز الأودية جميعًا.

يومذاك.. كانت البحار بعيدة، ولكن بصيرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما علمنا دائمًا تتجاوز المرحلي العابر إلى الممتد البعيد، وتخطط للمدد المتطاولة.. وكان يعرف جيدًا أن أيام القتال البحري ستجيئ، وستجيئ معها أنماط أخرى من القتال والتحديات.. فأراد أن يعد أصحابه لذلك... ولقد كان أصحابه -رضي الله عنهم- عند حسن الظن..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1936

64

السبت 22-يناير-2011

الخروج من المأزق

نشر في العدد 2054

59

السبت 25-مايو-2013

ضرورات الفقه الحضاري