العنوان القلادة: فتاة غفار والجهاد في خيبر
الكاتب ميرال الطحاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 22-سبتمبر-1992
مشاهدات 58
نشر في العدد 1017
نشر في الصفحة 51
الثلاثاء 22-سبتمبر-1992
القلادة: فتاة غفار والجهاد في خيبر
جارية صغيرة تطلب الجهاد وتنال العِقد النبوي
الصحراء قاحلة
جافة، وخطى السير مثقلة بإرجاع شتى أوجاع الغدر الذي يُطوّق حصون المدينة وينخر في
جدران الأرض الصلدة في مخابئ معبأة بخوابي الذهب والفضة، ملوثة بعرق نتن مصهور من دماء
المحتاجين، ومكدس في خنادق الربا الضارب الجذور تحت قلاعهم الحصينة التي تحاك فيها
كل أصناف المؤامرات وألوانها، وتغزل في طياتها وقائع المحن القاسية التي تتوافد
على نسمات المدينة الغافية في هدوئها الأثيرة. فمن هذه القلاع التي اطمأنت إلى
جدرانها الصلبة وعيون الآبار المنحوتة في الكهوف، وخزائن الزاد النامي بين أحضان
التبر بألوانه الأرجوانية التي تخضب ظلمة هذه الجحور المكتنفة بالنخلات من كل
جانب، كانت خيبر بوهادها وسماتها تطلب فك سراحها من دمائهم العكرة. وقد آن لها أن
تستريح من أحاديث الليل التي تزحف على الجدران وتؤلب القبائل وتصف الجيوش وتستنفر
همم الرافضين لكي تلهب جراح يثرب من جديد، بينما المعاهدات مغموسة في كؤوس الخمر
الدائرة على الساهرين في حياكة أثواب الفتنة.
كان ظل خطواتي
المتعثرة في الثوب الطويل ووجهي الذي ذاع سر طفولتي يقلقان عزيمتي الفوارة لاجتياح
هذه التجربة التي أصررت عليها، أعرف أني لست جديرة بالصحبة، لكن أطمع فيها.
والداعي يبشر حنايا يثرب قائلًا: «يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يخرج معي
إلا راغب في الجهاد». وأنا أرغب... أتوق... أتمنى ألا يردني من ركبه. أتعثر في
مشيتي وأمضي إليه، تفاجئني ابتسامته المضيئة، تدفع بي دفعًا إلى التحديق في هالة
النور الباهرة، وأتلعثم مع نسوة مثلي من غفار: «نريد أن نخرج معك يا رسول الله إلى
خيبر، فنداوي الجرحى ونعين المسلمين بما استطعنا». ويبتسم متمتمًا: «على بركة
الله».
لم أذق طعم
الجهاد قبلها قط ولم أعرف معنى الصحبة، معنى أن يبتسم لي وجهه الطاهر، ويردفني على
حقيبة ناقته، جارية صغيرة تتعثر في مشيتها وتبتلعها رمال الصحاري، لكن ترغب في
الجهاد وتتمتم مع النسوة: ونعين المسلمين بما استطعنا. أركب ناقته وأشعر أن أنفاسي
تجذب نسمات الفردوس، وأن الحوريات يرقصن حول موكبي، وأن عيوني لا ترى في الركب
الزاحف إلا الناقة، ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أعتليها، والمتطوعات
للجهاد من حولي يلوحن لي بثغور باسمة، وأنا أحلم أن يمتد المسير ويمتد ويمتد.
وحين يقف الركب
برهة ليستريح أتحسس مقعدي وأشعر بشيء لزج. تدور الدنيا حولي والناقة جاثية وأنا
أمدد قدمي والشيء اللزج يفترش مقعدي، بل مقعده الشريف الذي لوثته جلستي. وكنت
جارية صغيرة، وكانت عيونه صلى الله عليه وسلم التي يتفقد بها ركبه تسألني: «ما
بك؟!». فأخفض ثوبي الملوث في ظل الناقة وأتلعثم، فيبتسم ويتمتم: «أصلِحي من نفسك،
ثم خذي إناء من ماء فاطرحي فيه ملحًا، ثم اغسلي به ما أصاب الحقيبة من دم، ثم عودي
لمركبك».
ويخفق قلبي من
الارتباك والخجل، أندس بين جموع النسوة طالبة المعونة، وأطرق بوجهي في الأرض
وابتسامته الكريمة تظلل كل حنايا الرحلة. كم كانت شاقة لحظات الحصار، وكم كان
الانتظار يفلق حبات قلوبنا من الألم. شهران والحصار قائم والمبارزة دائمة، يخرج
مبارزو الحصون مدرعين بأشكال التروس والحراب، ويبدأ الصراع في الحلبة الواسعة،
وتنهار جبال تجلدنا ألف مرة مع وقع كل خبطة سيف ورنة درع. ننام على الجوع والبطون
خاوية والزاد قليل قليل، والحصون معبأة بزاد سنين قادمة ادخرها اليهود لمثل هذا
اليوم.
﴿لَقَدْ
رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ
فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ
فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا ۗ وَكَانَ اللَّهُ
عَزِيزًا حَكِيمًا) (الفتح: 18-19).
وكل من معنا
كانت يده تستعد لتلك البيعة، كلهم كانوا على موعد بنصر وفتح وفوز ورضا. والمحنة
قاسية، فلا مكة فتحت أبوابها ولا خيبر تهدمت قلاعها، بل الحصار هو الذي طال،
والجوع القاسي بدأ يشاركنا متاعنا الضئيل، والوفود تسأل رسول الله المعونة. ها هي
أسلم تأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلة: «القحط شديد، فادع لنا يا رسول
الله». فيدعو: «اللهم إنك قد عرفت حالهم وأن ليست بهم قوة وأن ليس بيدي شيء أعطيهم
إياه، فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غناء». وتتصاعد الدعوات محملة بتهدج صوته صلى
الله عليه وسلم وعيونه الغارقة بدمع الشفقة على أصحابه الذين ألمَّ بهم الجوع، حتى
ذبحنا لحوم الحمر وتاقت أنفسنا لها بعد زهد، وأوقدنا عليها القدور، ورائحة اللحم
الذي كنا نستنكفه صارت شهوة جامحة تعصف بلعاب الجائعين، حتى يجيء النهي عن طعامها.
وبعد أن كادت تنضج، وبعد أن جمعنا أحمال الوقود وأشعلناها وجلس الرجال ينتظرون
قدورنا، كفأنا القدور على وجوهها بما فيها وابتهلنا إلى الله أن يصدقنا وعده.
فسقطت أول
الحصون باسطة أمامنا خزائن زادها المسلوب، فـأُمرنا أن نأكل ونشرب من رزق الله
ونُهينا أن نصيب من متاعها شيئًا، حتى العمامة أو إبرة المخيط، وأن يظل الفيء
خالصًا لا تمتد إليه يد حتى يقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكم من الكنوز
رأيت حين انتثر الذهب المخبوء تحت أقدامنا وكلنا يجمعه ويضعه إلى بساط الفيء وينفض
أثوابه كي لا يصيب شيئًا منه! ومضت قافلة الفتح تسرح من حصن إلى حصن، وتتهاوى
القلاع ويمتد البساط بأرزاق الله للذين جاهدوا وصبروا وامتحنوا بكل صنوف البلاء.
وضربت الأسهم وقسم رسول الله الفيء، وضرب لكل امرأة فينا سهمًا. فكان في سهمي تلك
القلادة فأعطانيها رسول الله وعلقها بيديه الشريفتين في عنقي. والله من يوم وضعها
لم تُفارقني، وقد أوصيت من بعدي أن تظل معي وأن تدفن معي حتى ألقى الله تعالى بها
وأقول له: يا رب، أفتدي رقبتي من النار بتلك القلادة التي في عنقي، فقد كانت جارية
صغيرة جاهدت في سبيل الله وضربت في الأرض وتركت من لها، وهي تعرف أن الموت يدسه
اليهود في أحجار رحاهم، في خبز روابيهم، في الشياه المعتقة بالسم المنقوع، ومع ذلك
خرجت مع رسولك وصبرت حتى علق صلى الله عليه وسلم بها في عنقي بيده، أفلا أفتدي بها
من ذنوبي برحمتك؟!
قصة بقلم: ميرال
الطحاوي - القاهرة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل