العنوان الأدب.. القصة القرآنية
الكاتب أحمد محمد عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أبريل-1973
مشاهدات 75
نشر في العدد 144
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 03-أبريل-1973
الأدب
القصة القرآنية
تقديم: أحمد محمد عبد الله
تمهید:
ليس في الإمكان القول أن الدراسات القرآنية قد وقفت عند حد معين واستنفد.. لون الكتابة في كل موضوع، كما أنه ليس بالإمكان القول لنـا أن الدراسات القرآنية قد تقف عند فترة خاصة.. وذلكك لظروف تمليها علينا ●طبيعة الحياة.. كلا.. ولكن كان السلف يهتمون أكثر حتى أنهم أستطاعوا أن يضعوا لنا هذه الأسفار العظيمة التي تدل على مقدار جهدهم وعظيم مقدرتهم في نفع الثقافة الإسلامية عمومًا.. وإنطلاقًا من أن الدراسات القرآنية خصوصًا والدراسات القرآنية الحديثة تدلنا على أن هناك اتجـاها يرمي إلى التأمل والتفكر وعقلية لا تنكر الماضي وتستحث الحاضر في تفسيرها لكل الأمور التي نحيط بها وتضع في ذلك لمـا تنهج بها سبيل المتقدمين في دراساتهم إضافة إلى المفهوم الحـاضر للوضع القائم.
والقصة في القرآن موضوع له أهميته في الدراسات القرآنية ومع هذا بقي جامدًا لعدم وجود من يطرقه تفصيلًا ولعل هناك بعض الحواجز التي كانت قائمة إلى عهد قريب فالتعرض للقصة وعرضها شكل يأخذ طابع التفسير والتحليل.. إذ يجب التوقف عند حدود خاصة التزمها القرآن في عرض القصة عمومًا لذلك نرى أن مجال الكتابة عـن القصة القرآنية التي يكاد أن يكون محصورا في نقاط بسيطة. لم يتجاوزها كل من كتب.. وأكاد أقول إن القصة القرآنية لم تأخذ نصيبها من البحث والدرس والتحليل.. وما يقع تحت اليد من كتب ولجت هذا المدخل فإنها لا تتعدى ظاهرة التفسير المتبع في كتب المتقدمين والذين رووا للمتأخرين ما كانوا يريدون فهمه. وكل ما أضيف إلى ذلك أن المعاصرين حددوها بنقاط انتزعت أصلًا مما ارتآه جمهور علماء التفسير وبذلك لم يكن جديد في كتابات المعاصرين.
ومما يجدر ذكره أن الشهيد سید قطب قد أحدث في عالم القصة القرآنية طريقة مبتكرة وظاهرة فنية خاصة استمد منها من تعرض للكتابة عن القصة في القرآن.
التصوير الفني في القرآن:
هذا عنوان كتاب للشهيد المرحوم سيد قطب.. وكان وضعه كما يشير هو إلى ذلك في قوله -ونشرت بحثًا في مجلة المقتطف عام ۱۹۳۹ تحت عنوان- التصوير الفني في القرآن- فالبداية إذن كانت بحثًا نشره وأكمله في سلسلة موضوعات أخرى أتم بها وضع هذا الكتاب بهذا الأسلوب ●● ●● ●●
إن هذا البحث يصلح أن يكون موضوعًا لرسالة جامعية وقد يقول قائل وما موضوع الحديث عن الكتاب وموضوع الكتابة عن القصة.. وهنا نقول: إن هذا الكتاب هو أول كتاب يتعرض للقصة في القرآن وبهذا المنهج الفريد والفكر المتفتح فسيد قطب -رحمه الله- بما أوتيه من نظر ثاقب وخيال واسع وقدرة على الفهم أعطى الأدب الإسلامي بكتابه هذا منطلقًا كان من المفروض أن يكون بداية لكتابات تتلوه ولكن مع كل هذا جمد الكتاب عندنا من أن يعطوا عن طواعية أو أن تجود قرائحهم لأنهم كانوا في لحظة انفلات عجيب نحو الغرب وثقافته.. ومن ثم أضاعوا كل اتجاه قد يحملهم على النظر في الكتاب العزيز للتأمل فيه واستخراج الصورة الجمالية للقصص القرآني الرائع الذي ما وعوه حتى الآن!!
ويلاحظ في كتابة سيد -رحمه الله- عن القصة القرآنية أنه يضع قاعدة للبحث استلهمها من حسه المرهف الذي فتح الله به عليه.. وأدرك في ذلك مدى الجرس الموسيقي الرنان في الكلمات فتصورها تصورًا عجيبًا.. ●● ●● ●●
أداة هامة من الأدوات التي تساعده على البحث والنظر وزادت عنده هذه الحاسية بشكل يجعله يتملاها في كل اطلاعاته الإسلامية.. حتى وضعها قاعدة عامة.. مضى يحلل على ضوئها فهمه للقرآن الكريم في كتابه الرائع -في ظلال القرآن- تلك القاعدة التي أعنيها هي: التصوير الفني.
ومن هذه القاعدة مضى يتكلم وقد عبّر عن هذا الكلام بقوله في كتاب التصوير الفني في القرآن - أن التصوير هو قاعدة التعبير في هذا الكتاب الجميل «يعني القرآن» القاعدة الأساسية المتبعة في جميع الأغراض -فيما عدا غرض التشريع بطبيعة الحال- فليس البحث إذن عن صور تجمع وترتب، ولكن عن قاعدة تكشف وتبرز.. ثم بعد قليل «وعلى هذا الأساس قام البحث وكل ما فيه إنما هو عرض لهذه القاعدة وتشريح لظواهرها وكشف عن هذه الخاصية الأصلية في التعبير القرآني»..
هذه القاعدة التي وضعها وانطلق منها.. هي التي مكنته أيضًا أن يضع فصلًا عن القصة القرآنية في هذا الكتاب.
بين يدي الله
قال المرحوم مصطفى لطفي المنفلوطي في كتابه -النظرات- لأولاده الأربعة الذين قدمهم بين يدي الله:
«يا بني إن قدر الله لكم أن تتلاقوا في روضة من رياض الجنة أو على شاطئ غدير من غدرانها، أو تحت ظلال قصر من قصورها، فاذكروني مثلما أذكركم، وقفوا بين يدي ربكم صفًّا واحدًا كما يقف بين يديه المصلون، ومدوا إليه أكفكم الصغيرة كما يمدها السائلون، وقولوا له: اللهم إنك تعلم أن هذا الرجل المسكين كان يحبنا وكنا نحبه، وقد فرّقت الأيام بيننا وبينه، فهو الكتاب.
حول القصة في القرآن:
وأستطيع القول إن كل ما كتب حول القصة القرآنية بعد ذلك إنما كانت نظرة سيد -رحمه الله- ومقاييسه الخاصة التي وضعها في النظر إلى القصة هي النظرة المسيطرة ولا تكاد تقرأ حديثًا عنها أو فصلًا في كتاب إلا ويشير كاتبه بالرجوع إلى المصدر الأساسي وأعني بي كتاب التصوير الفني، ومن كتبوا حول هذا الموضوع الأستاذ محمد قطب حيث أفرد فصلًا من كتابه القيم -منهج الفن الإسلامي عن القصة فـي القرآن تناول فيه الحديث تناول الأستاذ سيد مع نظرات خاصة به، وذلك من خلال اطلاعاته الغزيرة في مجال الأدب، ثم دراساته النفسية العميقة والصورة الواضحة لما كتب تدلنا على ذلك.
ثم هناك الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه -من روائع القرآن- والذي طبع طبعته الأولى تحت عنوان -أحسن الحديث- الذي أفرد فضلًا عن القصة في القرآن.. وقد تحدث عن ظاهرة التصوير الفني في فصل خاص أعقبه بفصل عن الأمثال ثم القصة.
وواضح مدى ترابط الحديث عند الأستاذ محمد قطب والدكتور البوطي حيث يستمدان الفكرة العامة لما كتباه من القاعدة التي سار عليهـــــا المرحوم سيد قطب ويجعلانها القاعدة المتبعة.. وهما بذلك مدینان للشهيد رحم الله في ما كتبا.
ومما يحسن ذكره أن الأستاذ -أبو الحسن الندوي- عندما كتب كتابه «الصراع بين الإيمان والمادية» تعرض للقصص الواردة في سورة الكهف وتكلم عنها بتفصيل.. نستطيع القول إنه منحى طيب في فهم القصة القرآنية ومحاولة للربط العام حول الأجواء التي تناولتها القصة في زمنها ومدى مراعاتها ومطابقتها للفترة المكية التي أعانتها الجماعة الإسلامية وإمكان مطابقتها أيضًا للزمن الحالي.. كما يمتاز الكتاب بأنه يتتبع أحداث تاريخنا ویرد مزاعم كثيرة حول القصص.
وللشيخ محمد محمد المدني -رحمه الله- كتاب حول- القصص الهادف في سورة الكهف- وهو في حديثه عن هذه القصص لا يخرج عن إطار الأقدمين في كتاباتهم.
هذه بإجمال بعض الكتب التي تعرضت للقصة القرآنية وإن كانت سمة البحوث القائمة حول القصة في القرآن تعود إلى القاعدة التي قررها المرحوم سيد قطب.. لتبدأ منها نقطة البدء.
القصة في القرآن:
القصة في القرآن ذات هدف ديني بحت، وعلى ذلك فهي لیست عملًا فنيًّا مستقلًا في موضوعه وطريقة أدائه وإدارة حوادثه كما هو الشأن في القصة الفنية المجردة وتساق القصة في القرآن للموعظة والتربية والتوجيه، وعلى ذلك فهي وسيلة من وسائل القرآن إلى تحقيق هدفه الأصيل.. في إبلاع الدعوة وتثبيتها.. وقد قامت القصة بدور هام في رسم المنهج المطلوب اتباعه عند كتابة القصة الفنيـة.
ولا يتصور القارئ أن الالتزام في هذا المنهج معناه أن القصة التي ستكتب ستكون قصة وعظية.. ألف الناس خطبًا من أمثالها.. فأدركوا المغزى وعرفوا حركاتها.. فلا تخرج عن كونها قصة ذات خيال محدود مقيد! تتوقف عنــد مشهد واحد لا يعدوه إلى حركات تثير في النفس كثيرًا من المشاعر وكثيرًا من الأحاسيس وتعطي مجالًا للترقب ومتابعة الحوادث.
هذا الفهم لا نعنيه عندما نقول إن اتباع المنهج القرآني في القصة لا بد من الأخذ به ومحاولة تطبيقه في مجال كتابة القصة الفنية..
ويمكنني إعطاء صورة واضحة لما أعنيه في حديثي هذا.. فالنفس البشريـة -مثلًا- لها انفعالاتها ولهـا أحاسيسها الخاصة ولها تقلباتها.. كما أن القيم الإنسانية في شتى مستوياتها مقيسة هي الأخرى بنواميس الوجود.. لذلك لا يحسن بنا أن نتحدث انطلاقًا من الهوى ونجانب خطأ يسير نحو إبراز الفكرة النظيفة إلى الوجود وتحقيقها في عالم الواقع... في الحياة البشرية الدائبة في حياة الناس جميعًا.
وواضح مما نقرؤه في الأدب الموجود حاليًا.. وفي فن القصة أن الكُتاب تحكمهم نزعاتهم وأفكارهم ومنها ينطلقون في الكتابة انطلاق الجموح لا تحده روادع ولا تمنعه موانع.. يصور الشر على أنه خير ويبين المنكر والفاحشة على أنهما من الأشياء الطبيعية وليس هناك في عالم المثل والأخلاق ما یزري بعدم وجودهما، ومن هنا يخلع عليهما طابع الزينة وأسلوبه وفوق هذا فهو يقلب حقائق الوجود في كتاباته.
إذن.. فمنهج القصة في القرآن هو ذلك المنهج الذي يجب اتباعه.. والأخذ به وتطبيقه في عالم الواقع حتى تكون القصة –الواقعية- ملتزمة بخط معروف... لا ينزل إلى الحضيض أو نحو ما أسموه -بالواقعية- التي تعشش تحت ركام الفساد.. ادعاء منهم بأنها نهج سوي في كتابة القصة الحديثة مع إغراقها في عرض إثارة الغرائز وتحريك الاهتمامات الهابطة.
أعجبني
اغتنم ركعتين زلفى إلى الله
إذا كنت فارغًا مستريحًا
وإذا هممت بالقول في البا
طل فاجعل مكانه تسبيحًا
ولا يقيم على ذل يراد به
إلا الأذلان عير الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته
وذا يشج فلا يرثى له أحد
أما والله إن الظلم شوم
ولا زال المسيء هو الظلوم
إلى الديان يوم الدين نمضي
وعند الله تجتمع الخصوم
ستعلم في الحساب إذا التقينا
غدًا عند المليك من الملوم
لقد كان فينا الظلم فوضى فهذبت
حواشيه حتى صار ظلمًا منظمًا
يدي الله
لا يزال يلاقي بعدنا من شقاء الحياة بأسائها ما لا طاقة له باحتماله ولا نزال نجد بين جوانحنا من الوجد به والحنين إليه ما ينغص علينا هناء هذه النعمة التي ننعم بها في جوارك بين سمعك وبصرك وأنت أرحم بنا وبه من أن تعذبنا عذابًا كثيرًا ، فإما أن تأخذنا إليه أو تأتي به إلينا بل لا تطلبوا منه إلا أن يأتي بي إليكم، فإن الحياة التي كرهتها لنفسي لا أرضاها لكم، فعسى أن يستجيب الله من دعائكم ما لم يستجب من دعائي، فيرفع هذا الستار المسبل بيني وبينكم فنلتقي كما كنا».
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل